الرئيسية / احدث التدوينات / تأملات في اللغة وأشياء أخرى

تأملات في اللغة وأشياء أخرى

محي

-١-

      يذكر كيف أنه كان صبياً مشاغباً رغم قصر قامته – الأقصر بين أقرانه – وكيف أنه كان أكثرهم شغباً واثارة للمشكلات – وأنه رغم خساراته المتكررة في العراك بالأيدي إلا أنه لم يكن سهل المراس – افتتانه بفكرة البطولة التي التقطها من مشاهدة أفلام الكبار كانت تبث فيه رغبة مستعرة لمكافحة كل اشكال التنمر، تلك التي لم تكن تتجاوز ساحة المدرسة أو ملعب الحي، يذكر أيضاً كيف كان يقطع المسافات الرابطة بين أقصى شمال حي الرقيقة وشارع الرياض نحو “دنيا الفيديو” بشغف طفولي يمسح كل تعب المسير.

      ذلك الدكان الذي اكتشفه بخليط من الصدفة وجدوى الفضول، والذي يقوم بتأجير أشرطة الأفلام مقابل دفع اشتراك شهري تحت إدارة كهل هندي يدعى سديق (صديق) وياللعجب فكل القادمين من دول شرق آسيا لسبب لا يدرك سره يدعون بذات الاسم، حينها كان قد بدأ بالتعرف على نجوم أفلام الحركة أمثال  بروسلي وفاندام وارنولد شوارزنيجر، وجاكي تشان بطله الأثير الذي وجد فيه ضالته لقصر قامته وقدرته الخارقة في ركل مؤخرات الاوغاد ذوي الأحجام الضخمة.

      يذكر أيضاً كيف كانت تأسره فكرة الترجمة، وكيف للشخصيات أن تنطق بالكلمات بلغات لا يفهمها، فتنطبع أسفل الشاشة بتناسق آسر يجعله قادراً على فهم مجريات الأحداث. هكذا راحت أسئلة الاختلاف تتسلل إلى وعيه الصغير انطلاقاً من الأنماط المحيرة لدلالات الالفاظ – والتي بالطبع لم يكن قد أدركها في ذلك الحين – اذ كيف لكلمات تحمل ذات المعنى بلغات مختلفة أن تشذ في استخدماتها؟ فحين يقع أحد شخوص فيلم بمأزق حرج، ترتسم تعابير الغضب أو الهلع بوجهه مما يدفعه للتلفظ بكلمة: “shit”، والتي تنطبع على إثرها كلمة “تغوط” أسفل الشاشة، فتتسع حدقتا عينيه ليقفز بذهنه السؤال: لماذا لا نراه يذهب إلى الحمام؟ تأتيه الإجابة من فراغ ما: بالطبع سيخجل من أن يفعلها أمامنا نحن معشر المشاهدين. يذكر كيف كان الأمر محيراً وباعثاً على الضحك. رويداً رويداً يكبر نطاق السؤال، فكيف يمكن للسياق أن يتشظى في لغتين فيختلف المعنى رغم وضوح المفردة؟ وكيف يمكن للأشياء أن تبدو مختلفة عن مايعيه بلغة أخرى أو من مكان أخر.

      تتسلل يد الزمن في غفلة منه، فتنحت في نفسه أشكالاً من التحولات بين النمو العقلي والنفسي والجسدي في آن، ويأخذ العالم في الاتساع فوق حدود شسوعه بوعي الصغير. بينما تتخطفه يد الأسئلة المتراكمة بعضها فوق بعض، منها ما يجد حظه في حصد الإجابات، ومنها ما يذوب تحت ركام الأيام. هكذا حتى تنطق الصدفة بكلماتها السحرية فتعيد أحياء البعض، وإعادة تعريفها من جديد.

-٢-

      هو الذي وقع في سلم الانتخاب الحر، أن تتدرج العربية بالمرتبة الثانية كوصيفة للغة أسلافه، إلا أنه ولظروف النشأة، آثرت أن تكون هي لغته الأولى التي سيخاطب عبرها العالم، يراه بشكل أدق. لذا كان يغمره خليط من الحزن والغضب  حينما تصفع إذنيه العباره القائلة: بأن اللغة العربية قاصره وغير منتجة للعلوم، كان في أعماقه يشعر بضيق الأفق الذي يتلبس تلك العبارة، رغم سمتها  الإغرائية التي تعطي الانطباع بأن الأمر قد قتل بحثاً، وأن مسألة الإنتاج تلك ليست نتاج قصور في اللغة، وإنما لانعدام المعرفة بالأسباب، لكن أنّا له أن يقبض بذلك الدليل العلمي الدامغ. ربما كان الأمر جلياً بالنسبة إليه، إلا أنه بدا عصياً على الشرح. فكيف لفتى منعزل متوسط الذكاء يعاني من معضلة في التعبير عن أفكاره بوضوح، فيخرج كل ما يهم بقوله مختلفاً عن ما يدور برأسه، أن يدحض مثل ذلك الادعاء الذي يروج له مجموعة من الصفصطائين ومتحذلقي اللغة، ينطلق صوت ميحد حمد من مكبر الصوت بجهازه المحمول وهو يصدح بأغنية “خمس الحواس” يذكر كيف تفشت تلك الأغنية مثل ورم حميد أواخر التسعينات لتغمر جسد الأحياء وأزقة الحارات الشعبية، فما من مسجلة في الانحاء أو مركبة تعبر بجواره في شوارع الهفوف إلا وصوت ميحد يتسلل من مكبر الصوت الخاص بها، ليبث لحظة من الطرب اللذيذ في أرجاء المكان، هكذا يعيد استيعاب ما فاته في بواكير الصبا، وما السر خلف ذلك الاجماع على محبة أغنية بعينها.

      بالطبع لم تكن كلمات الأغنية بذاتها تحمل معنى فريد بقدر ما كانت تمثله ثقافة الشاعر البدوية التي انتجت تلك الكلمات، هنا تستوقفه كلمة ثقافة؛ هذه المفردة العائمة في كف المعنى، هذه المفردة التي لاتسع شيئاً بعينه، ولكنها تسع كل شيء. ترى هل يمكن لها أن تفسر ما يدور بخلده؟ يتمنى ذلك.

-٣-

      يقرأ في مكان ما: “إن اللغات هي أقدم الوسائل لعكس ثقافات الشعوب وأنماط التفكير الخاصة بها،” من جملة ما يستنتجه من تلك العبارة أن الثقافة هي أم اللغة؛ إذا ذلك يفسر هذا العدد الضخم من اللغات المنتشرة حول العالم من منطق تنوع الثقافات، وبالضرورة يدفعه لفهم تعدد اللهجات في لغة واحدة، لم يكن استيعاب هذا الارتباط أن يتم  بمعزل عن وضعه هو بالذات. يقرأ أيضاً في كتاب ما عن ما يسمى بالخرافة العلمية، إذ يستعرض المؤلف معلومة قد وردت في عدد مقدر من الكتب في حقل اللسانيات والتي مفادها: أن كل لغات العالم تتساوى في درجة التعقيد، هكذا بصيغة قطعية. الطريف في الأمر أن كشف زيف هذه المعلومة حدث بالصدفة عبر طالبة ما وبدعوى الفضول قامت بطرح السؤال قبل التسليم بصحة الأمر، إذ كيف يمكن لأحدهم أن يدرس كل لغات العالم ومن ثم يسعى للمقارنة بين قواعدها النحوية ليخرج بهذا الاكتشاف العظيم؟ على إثر ذلك شرعت بتتبع المراجع التي تحيل لأصل هذه المعلومة واحداً تلو أخر، هكذا وجدت ذاتها تتبع عشرات المؤلفات، حتى اكتشفت أن جذور هذه  العبارة تعود لباحث ما بعلم الاجتماع، إلا أنها وياللمفارقة كانت على النحو التالي، إذ يقول الباحث: “أعتقد أن كل لغات العالم تتساوى في درجة التعقيد،” هاه… هكذا ذاب فعل اعتقاده في حليب الاقتباسات والتراجم. يفكر حول الدافع الذي يجره لمحاولة دحض فكرة ما ( بافتراض لا منطقيتها ) وما قاعدته التي يستند عليها هل هي جهله بالإجابة أم بالسؤال الصحيح، فمن البديهي أن طرح السؤال بصورة خاطئة يقود بالأحرى لإجابات مضللة. يقرأ أيضاً أن لكل لغة خصائص, تنتجها البيئة والأنماط المعيشية التي تشكل ثقافة ما، فمثلاً استرخاء شعوب المناخات الاستوائية يدفعهم إلى الاستغناء عن العديد من الحروف الساكنة، وتعجز بعض اللغات عن التعبير عن أفكار معقدة لفقدانها قواعد نحو منطقية بما فيه الكفاية كما في لغة أسلافه، كما تفتقر بعض اللغات إلى تصريف المستقبل، فمن الطبيعي أن يعجز متحدثوها عن التفكير المستقبلي. يقوده الأمر لمحاولة – رغم فشله في ذلك – احتساب عدد الثقافات التي تشكل اللغة العربية حيزاً مقدراً منها، والتي وجدت طريقها لخلق لهجات مرتبطة بثقافتها الأصيلة داخل اللغة، هذا التنوع العجيب بالضرورة لا يجعل منها لغة قاصرة بل ينفي ذلك الادعاء إذا ما سلمنا بأن لكل ثقافة جذور بطبيعة مختلفة تسمح بعزل هذا التداخل في نقطة ما، وتأكيد فرادة تلك الثقافة ( من منطلق تاريخي بالطبع ).

      مرة أخرى يعاود النظر لما تنتجه اللغة العربية في مختلف العلوم الحديثة فيجدها ضئيلة الإنتاج مقارنة بلغات أخرى في العصر الحديث، ليطل السؤال ما الذي يجعل اللغة العربية لغة غير منتجة للعلوم؟ بذلك يكون قد حظي بسؤال واضح المعالم بحيث قد تجدي محاولة الإجابة عليه بنتائج واضحة.

-٤-

     إذا كانت المعرفة محض كلمات مرصوفة بلوحات مدهشة في متحف العالم الكبير، أولاً تكون بذلك قد حققت صورة من صور الجنة؟ الجنة التي وبتعبير أحدهم لا يحظى المرء منها سوى ببورتريهات لغوية، يستمع إلى أستاذه بالكلية في محاضرة حول إحدى فروع علم النفس الاجتماعي، وهو بصدد القيام بعقد مقارنة صغيرة بين بعض اختلافات الشعوب حول حفنة  مما نسلم ببداهته، مقسماً العالم إلى شرق وغرب يقول الأستاذ في معرض حديثه: إذا ما كانت ثقافة ما تفترض أنها الأفضل، وأن لغتها هي الأفضل فإنها تربي مواطنها بالإسقاط بأن الثقافات الأخرى أقل. تستوقفه هذه العبارة لتعيده إلى العصر الذهبي للغة العربية فيرى الجاحظ، وابن خلدون، وابن رشد، ابن الهيثم، ابن سينا، الفارابي، والرازي والخوارزمي وغيرهم  يصطفون في صف زمني ازلي بين بذرة الحضارة وذروة الحصاد في اللحظة الحاضرة، يرى أن جميعهم ينتمون لثقافات مختلفة إلا إن مؤلفاتهم في شتى فروع المعرفة قد وجدت طريقها إلى الآخر عبر تلك اللغة، ترى هل مازال يشكك في مسألة  القصور؟

     في خلال إبحاره الافتراضي في سوح الأسافير تواجهه بعض الكتابات هنا وهناك عن عصر الظلمات في القارة الأوروبية، وكيف كان الأوروبي إن أراد التباهي أمام حبيبته يقول لها أحبك بالعربية، هكذا تحت هيمنة التقدم المادي والعلمي للناطقين بها يبدو منطق ذلك التأثير مقبولاً بالمقارنة مع مشاهداته الآن. إذاً هل يبدو منطق الهيمنة هو ما يحكم كل شيء؟ مازال يتسأل ويأمل أن يحظى بإجابة مقنعة. الآن اختلس منه السؤال لأسألك يا عزيزي/ تي  هل تظن أن اللغة العربية لغة قاصرة؟

عن محي الدين هارون

mm
كاتب من السودان