الرئيسية / احدث التدوينات / تأملات في علاقة الخالق بالمخلوق

تأملات في علاقة الخالق بالمخلوق

192681

**

يسأل الملحد أو ما قاربه عن محل الإله في منظومة كونية كاملة متكاملة بذاتها ، أو هكذا تبدو على وجه التقريب ، بحيث يصف الحياة بأنها مجرد تراتب أحداث منتظمة في عالم الواقع … إلا أن صديقنا هذا لو تحدث عن عجلة سببية تسيطر على سيرورة الكون ، فإنه من الواجب عليه أن يتساءل عن بدايتها و نهايتها ، و السؤال العلماني –كما هو معلوم عند الجميع- وصل إلى نقطة بداية الكون ، أعني نقطة الانفجار الكوني العظيم ، ثم لم يتخطاها ، ليبقى السؤال عن ما قبلها سؤالا مزعجا لكل منكر للخلقوية

فإن قيل بأن العالم لابد كاشف لحقيقة ما قبلها … قلنا بأن هذا الأمل بالذات هو أمل ديني ، حتى لو كان المأمول غير ديني ، لأن النظرة العلمانية لا تأمل في أمر تفسير سيرورة الأمور –على الأقل- في الغيب –كما أوضحنا في صدر المقال- ، بل تحاول جعله موضوعي مشهود قدر الإمكان ، و من الواضح أن هذا الأمل ليس موضوعيا إطلاقا ! … لذلك فإنه من المنطقي أنه لا يعقل دفع النظرة الدينية بنظرة دينية أخرى ، أي من نفس الجنس !

فإن قيل بأن دلالة هذا الأمل هو أن النظرة العلمانية قد أجلت الحديث عن حادث حدث في الماضي السحيق إلى أن تتوفر إمكانية كشف الحقيقة حولها ، و ما يدعم رأينا هو أن الواقع في الماضي القريب و في الحاضر منتظم بقوانين تم كشفها على وجه الدقة ، بعد مرور رحلة البحث عن حقيقتها على عدة عقبات ، و من هنا أمكننا أن ندرك أن حقيقة الماضي السحيق لابد أن تكشف بقانون دقيق ، بعد تجاوز كل العقبات ، و المعني بالكشف هنا : هو المادة الكونية الأولى

قلنا بأن هذا القول يتكئ على عنصرين هما : القانون و الواقع

و أما القانون فهو عند العلمانية ليس إلا وصف ذهني يصف حركة الكون الدقيقة ، و بهذا الشكل تصبح السيرورة الكونية لا قانونية –استنادا على وصفها بالحتمية- ، و بالتالي فهي عبثية ! لأن القانون هو مجرد موجود عقلي محض … فإن قيل بأن القانون موجود في الطبيعة بالطبع … قلنا : أين يكمن وجودها هذا في الطبيعة ؟ فليست كل الكائنات لها DNA  !ثم إن ال DNA هو في الأصل موجود طبيعي فأين يوجد هذا القانون الذي ينظم وجوده ؟!

و أما الواقع ، فهو ما ندركه بحواسنا ، و بالتالي فإن عقلنا يعتمد على حواسنا في الكشف عليها و الأحداث الطارئة عليها ، و التي تنظمها القوانين ،والعقل في أمر كشف هذه القوانين يتقلب بين الخطأ و الصواب ، و في كل خطوة من خطواته في هذا المسار التقنيني لحركة المادة ، يصحح الصواب الخطأ ، فبصرنا العقلي إذا يحتمل الخطأ ، فما يدريك أن يكون إدراكنا الحسي صوابا ؟! ما يدريك أن يكون إدراك العقل لهذه المحسوسات خطأ ؟! و السؤال الذي يقتضيه هذا السؤال : ما يدريك أن الموجودات المحسوسة هي موجودة فعلا ؟!

فإن القيل بان الواقع موجود بالضرورة ، و هو منتظم بقوانين توافق نظر العقل المقنن بطبعه ، لأنهما من طبيعة واحدة ، و هي المادة … قلنا بأنه بغض النظر عن أن الحس لا يضمن وجود الماضي و المستقبل ، لأن الحس موضوعه “الآن” ، و إذا لم يضمن وجود لا الماضي و لا المستقبل ، لم يضمن ذلك الجزيء الهارب المسمى بـ : الآن ، و بهذا جاز لنا أن نتساءل عن طبيعة العقل من منظور علماني ؟! … فإنه على فرض أننا سلمنا وجود التوافق بين الواقع و العقل ، هو في النهاية قانون لا ندري محله في الواقع الطبيعي ؟! ثم إنها فرضية لا تدفع الخطأ عن العقل مما يجعل الخطأ الكلي واردا !

أيا كان الأمر ، فإنه لا مفر من الاعتراف ، بأن وجود القانون بحد ذاته أمر يثبت وجوب وجود عالم متجاوز للطبيعة ينظم وجودها ،  فعلى الأقل قانون التناسب هو الذي يضمن عدم وجود عبثية في الواقع المادي ، كما أن هذا المتجاوز يضمن أيضا يضمن قدرة العقل على الاستيعاب المتزمن الذي كان وسيلتنا لتصور سيناريو قانون السببية …

سيقول صاحبنا بأنك تحاول جذبنا من عالم الوقائع إلى عالم الغيب ، في سبيل أن تثبت وجود الله … قلنا بأننا نحاول رد الاعتبار للأصل الديني للأمل ، الامل الذي جوهره أن للكون خالق مدبر في أمره … و الواقع بحد ذاته يخبر باستحالة أن يوجد من عدم بذاته ، فضلا عن حركيته بذاته ، فالعقل يخبر بأنه لا حركة بدون محرك ، كما أنه لا مُسبَبْ بدون سبب ، و لا معلول بدون علة

و علة وجود هذا الكون هو الإله الخالق المدبر …

فإن قيل : ما دليلك على أن الكون مخلوق ؟! … قلنا : زيادة على كل ما تم ذكره ، فإن تقلب الواقع المادي من حال إلى حال في الزمن هو أكبر دليل على أنه مخلوق ، إذ ان الحركة هي تقلب المادة من حال إلى حال ، أي بمعنى أدق : انعدام حال سابق للواقع المادي ، و حلول حال حالي لنفس الواقع المادي ، أي أن الخلق هو أصل الحركة ، و التي تسميها العلمانية تقصيرا بـ : التغير … و هذا يتناسب مع كوننا لا ندرك بحواسنا إلا الحاضر ، أما الماضي و المستقبل فهما وهميان محضا …

فإن قيل بأن افتراض وجود الخالق استنادا على تبضيع الحركة أو التغير إلى قطع عرضية زمنية ليس سوى تدليس ، يكمن في محاولتك استبدال السبب بالعلة ، فبدل أن يكون السبب هو أصل حال المسبب ، جعلت العلة (التي قلت بأنها أصل الخلقوية) هي أصل وجود المعلول ، منكرا بذلك قدرة القانون … قلنا أننا قد قلنا بأن القانون هو استيعاب عقلي زمني لأحداث مادية ، و انطلاقا من كون أننا نقع تحت طاريء الزمان ، كان تعاملنا مع الواقع المادي بالقوانين على سبيل التوسل بها ، و بالتالي نحن لم ننكرها في الواقع ، و على هذا فإن العلة في وجود المخلوق هو الخلق ، و الحركة هنا تعني انوجاد الموجود بعد الموجود بعلة الخلق ، و الانتقال بشعورنا من حال مادي إلى حال مادي آخر يعقبه ، وفق قانون لا هو موجود في الطبيعية و لا هو موجود في الذهن ، بل هي ما يمكن أن نطلق عليها : سنة الله في خلقه (و كل من العقل و المادة تدرك القانون بقوة الله) ، و الزمن بهذا هو شعور لا يحصل لنا إلا لكوننا أحياء بالخلق ، و لما كان كل ما سبق ذكره مخلوقا (كما توضح في سالف السطور) ، كنا نحن أحياء بالخلق ، ثم لم ينفذ شيء من علة الخلق …

و بالتالي فإن علة الخلق هنا هي أصل لكل من السبب و المسبب ، أي للقانون ، فلا وجود للتدليس هنا ، لأن العلة كما تبين متعالية عن السببية ، كتعالي الحاكم على المحكوم

فإن قيل بأن الخلق هنا علة يجعل الخلق موازي في وجوده لوجود الموجودات المادية (أو المخلوقة) زمنيا ، و لما كان الخلق لا يتم إلا بخالق ، فإن وجود الخالق لابد موازي لوجود المخلوقات ، و لما كان الخلق لا يتم إلا بخالق ، فإن وجود الخالق هنا موازي لوجود المخلوقات ، و بالتالي فهو في وجوده متزمن ، في الوقت الذي قلت فيه بأن الزمن مخلوق من حيث كونه ليس سوى انتقال حركي من حال وصفي للمادة في الذهن إلى حال وصفي آخر لها … قلنا بأن هذا ليس سوى محاولة حمل ذهنية تحمل بدورها مغالطة منطقية ، بيانها أن علة وجود كل من السبب و المسبب و القانون (التي تمثل الوحدات الأساسية لمسيرة وجود المخلوقات عبر الزمن) ، هي خلق واحد لكلها ، و ليس لكل وجود مادي في آن معين من آنات السيرورة المادية في الزمان خلق خاص به ، و لذلك صح بأن يكون الخلق أصل لكل الوجودات الزمانية و المكانية جملة واحد ، و إذا صح أن يكون الخلق فوق الزمان ، صح معه أن يكون الخالق فوق الزمان و المكان … و إذا صح استحال استيعاب الخالق عقلا ، انتفى عنه صفة الوهمية المحضة ، و بالتالي استحال نفي وجوده منطقيا …

و عليه يتأكد بأن علة وجودنا هو خلق الخالق لنا ، و هذا الخلق يشملنا من أول وجودنا إلى آخره ، أي إنه لا يمكننا أن ننفذ من خالقنا مهما فعلنا

فإن قيل بأن كوننا مخلوقين ، و أن لا مخلوق يمكنه أن ينفذ من قدرة الخالق ، انتفت بهذا حريتنا ، لأننا مجبورون على إرادة الخالق … قلنا بأن حريتنا في أصلها سر يستحيل استيعابها عقلا ، كما استحال استيعاب كيفية خلق الخالق لنا (كما رأينا سابقا) ، لأنه كما يمكن أن يخلق الحادث الطبيعي وفق قانون لا يتغير ، يمكن أيضا خلق الحدث النفسي الإنساني الغير محكوم بقانون طبيعي ، و الذي نسميه : الحرية !

ثم إن الحديث عن استحالة الحرية الإنسانية لإنسان واقع تحت سلطان إلهي ، يوحي بوجود ندية بين الذات الإلهية و الذات الإنسانية ، و هذا محال ، من حيث أن وجود الإنسان في أصله مقترن بخلق الله له ، و بالتالي هو واقع تحت سلطان الله لا محالة ، و في نفس الوقت ، ليس لله من غرضية كالإنسان حتى يعمد إلى الاستبداد على الإنسان ، ذلك لأن الذات الإلهية أصلا هي فوق الزمان و المكان ، و الغرضية هي طلب الحاجة ، و الحاجة هي طلب التطور (سواء بالارتقاء أم التدني) ، و التطور تغير ، و التغير حدوث في الزمان و المكان ، و الذات الإلهية فوق الزمان المكان …

ملخص الحديث : وقوع الإنسان تحت طائلة السلطان الإلهي لا ينفي عنه حريته ، بل هذا السلطان هو أصل حريته !

و بهذا يتضح بأنه يستحيل عقلا أن توجد الموجودات المشهودة (أو المادية) إلا بوجود خالق لها ، فكما أنه يستحيل أن يتحرك متحرك بدون محرك ، فإنه يستحيل أن يوجد مخلوق بدون خالق ، و عليه فإن كل موجود هو موجود بذاته سبحانه و تعالى ، بما فيها : العقل و الحركة و الحرية … و كل شيء يتقلب فيها إلا ذاته سبحانه و تعالى ، و على هذا اقتضى أن يكون كل شيء فان ، و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام

و الله أعلم

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .

أضف تعليقاً