الرئيسية / العدد العشرون / تاريخ المهرجين

تاريخ المهرجين

خاص

أساتذة الكوميديا الذين جعلوا العالم أكثرإشراقاً وبهجة                                  

جوناثان بيكر :

خاص لجيل جديد ترجمة : أزهار أحمد

 بدأ ظهور المهرجون في الأدب والفلكلور الشعبي خلال القرون الوسطى ، ثم أصبحوا من الشخصيات الأساسية الأكثر شيوعاً وإستخداماً في الأدب على مر التاريخ ، أدى المهرجون أدواراً متنوعة في مجالات كثيرة شملت الترفيه ، والنقد الإجتماعي والسياسي ، وعلى أغلب الظن كان دورهم الأهم يتحمور حول أهميتهم كعناصر للتغيير . وكان المهرجون يملكون مهارات عديدة مثل الطرافة والفكاهة يستخدمونها في تعزيز القيم والمبادئ الدينية والثقافية في المجتمع.

تأتي بداية المهرجون من القبائل الهندية من أمريكا الشمالية التي يعود بعضها إلى خمسة آلاف سنة ، حيث كان للمهرجين وظيفة مقدسة في مجتمعاتهم ، فغالباً ما كان لهم دور تعليمي وقدرة على كشف حقيقة شخص أو وضع مابطريقة ساخرة ، كانت بعض القبائل الهندية تؤمن بأن الضحك وسيلة للتقرب من الخالق ، لذلك كانوا يحشرون المهرجين بين الناس لإضحاكهم قبل بدءالطقوس الدينية ، إضافة إلى دورهم في فرض النظام والانضباط ، وقد كان يطلق على مهرجي شعب الهوبيت صانعي الفرح وحفظة التقاليد ، وتعتقد قبائل أخرى أن للمهرجين دور في علاج بعض الأمراض ، أما في قبيلة شايان فكان مهرجيهم يتصرفون بطريقة مختلفة تناقض أسلوب الحياة الطبيعي في القبيلة ، فمثلاً كانوا يمشون على أيديهم ويركبون الأحصنة بالعكس ويقومون بإطلاق الأسهم من خلف أكتافهم ، ويتعمدون التصرف بطريقة غير معتادة.  أما إذا ذهبوا إلى جدول ماء يقومون بخلع فردة حذاء واحدة ويمسكون بقدمهم العارية وينطون على الماء بالقدم الأخرى . لكنهم في وقت الحروب والمعارك يعودون لطبيعتهم وممارسة حياتهم بشكل عادي مثل الآخرين . بينما أكثرما تخشاه القبائل الأخرى تصرف المهرجين بتلك الطريقة العكسية أثناء المعارك لأنهم أكثر المحاربين مهارة .

 يعتبر التهريج والدعابة من الفنون القديمة جداً التي نشأت أثناء القرون الوسطى في أوروبا.  إلا أن فن التهريج عرف عموماً في القرن الثاني عشر قبل الميلاد في بلاد فارس.  وهناك أيضاً بعض الكتابات الهيروغليفية التي تعود إلى السلالة الخامسة حوالي 2500 قبل الميلاد تشير إلى المهرجين والبهلوانات.كما ظهرت صور المهرجين في أنواع مختلفة من بطاقات التاروت التي انتشرت في أوروبا وجذبت اهتمام الناس خلال عصر النهضة في القرن الرابع عشر.  وتشير الأبحاث إلى أن الصور والرموز في بطاقات التاروت التي ظهرت في الكتابات الهيروغليفية كانت تستخدم لحفظ المعلومات. وقد تم إدخال بطاقات التاروت إلى بلاد فارس عبر الغجر الجوالين من أصول مصرية.

كانت صور المهرجين التي ترسم على بطاقات التاروت تحمل معان خاصة دائماً ، لكنها في النهاية أصبحت ترمز لمعان جديدة مختلفة تماماً. وهي اقتناص فرص عيش اللحظة الراهنة وتجاوز الأمور المؤسفة التي حدثت في الماضي ولا يمكن تغييرها. وذلك لأن المهرجين يمثلون روح المغامرة المستعدة دائما لترك الأماكن الآمنة والطمأنينة من أجل اكتشاف فرص جديدة.

يعد جوزيف جريمالدي أب البهلوانيين الحديثين لأنه المرفه الذي تمكن من الإرتقاء بالشكل التقليدي للمهرج إلى لعب الدور الرئيسي. ولد جريمالدي في لندن وكان أبوه ممثلاً إيطالياً  بدأ في التمثيل على المسارح وهو  في عمر الثالثة.  ولأنه تربى في المسارح ، فقد برع في تصميم خدع متنوعة بمؤثرات خاصة ، كما أنه أنتج ومثل دور البطولة في المشاهد الحية على الطرقات بأسلوب مضحك مؤدياً الكثير من أشكال المطاردة  وحركات العنف الهزلية التي تأتي بنتائج قوية ولكن مؤقتة.  يعد جريمالدي أستاذ التمثيل الإيمائي. وتكريما له ، سمى مهرجو السيرك أنفسهم باسمه الحركي جوي ، إلا أن كلمة جوي أصبحت فيما بعد مرادفاً للمهرج. وفي أول يوم أحد من شهر فبراير كل عام يعقد تجمعا سنويا في كنيسة الثالوث شرق لندن لتكريم جوزيف غريمالدي أكبر مهرج بريطاني (1778-1837).

وبالرغم من أن السيرك له أصول في مصر،  وأصبح معروفاً في روما، إلا أن فيليب استلي هو من ابتكر ما يعتبر أول سيركاً في عام 1768 في انجلترا. كما أنه اخترع أول دور تمثيلي لمهرج السيرك عنوانه أزرار بيلي أو ركوب الخياط إلى برينتفورد.  كان المشهد التمثيلي يعتمد على حكاية معروفة لخياط فشل في ركوب الحصان لكي يذهب إلى برينتفورد للتصويت في الانتخابات.  وقد تقمص آستلي بنفسه شخصية الخياط في محاولة ركوب الحصان ، حيث وجد صعوبة كبيرة في البداية لكنه واصل المحاولة حتى تمكن من ركوبه بشكل صحيح، ولكن في اللحظة التي نجح فيها اندفع الحصان راكضا وسقط آستلي.  تطور السيرك بعد ذلك ووظف آستلي مهرجين آخرين ودربهم على أداء تمثيلية ركوب الخياط إلى برينتفورد. ثم أصبح ذلك المشهد جزءا أساسيا بكل سيرك لمدة  100 عام.

من بين جميع أنواع السيركات الأمريكية في القرن التاسع عشر، اشتهر سيرك بارنوم وبايلي، وهو نتاج فكرة شخصين مبدعين هما فينياس تي بارنوم وجيمس آي بايلي.  إلا أنه وبعد أن توفي بايلي في عام 1906، قام سيرك الأخوة رينجلين الذي بدأ عروضه في  خيمة في عام 1884 بشراء سيركبارنومأندبايلي عام 1919 ودمج السيركان ضمن شركة واحدة هائلة. وبحلول عام 1950 أصبح العرض يقدم في صالات مغلقة تحت إدارة وترويج ايرفين فيلد وأخيه اسرائيل. بعد ذلك أصبح سيرك بارنوم وبايلي الأخوة رينجلين بمثابة آلة التفريخ للعديد من أعظم مهرجي أمريكا الشمالية في القرن العشرين مثل لاو جاكوبس، إيميت كيلي المهرج المتشرد، فيليكس آدلر الموصوف بالكئيب، إضافة إلى أوتو جريبلنج، مارك انتوني والكثير غيرهم.  ثم ظهر في روسيا يوري لنكولن وبوبوف، ومن إيطاليا عائلية فراتيليني، وجروك من ألمانيا، وتشارلي رايفل من أسبانيا.  وتطول قائمة سفراء الضحك المعاصرين.

في عام 1910 بدأت شعبية العروض المسرحية والسيرك تزدهر، حيث أصبحت بداية لأعمال تجارية كبيرة في الولايات المتحدة. وكل ذلك كان يعتمد على ارتفاع عدد الموظفين الإداريين،  وزيادة أوقات الفراغ والإنفاق، وتغير أذواق جماهير  الطبقة المتوسطة.  لذلك أصبح ممكنا لرواد المسارح الأمريكية أن يستمتعوا بعرض مسرحي لشكسبير، والألعاب البهلوانية، والاستماع إلى المغنين وعروض الرقص والكوميديا في أمسية واحدة.  استمر المهرجون في تقديم عروضهم التقليدية وأساليبهم الكوميدية النمطية في مسارح الاستعراضات الموسيقية.  من هناك كان أول ظهور لتشارلي شابلن وهو في عمر 18 حيث حانت له فرصة الانضمام لفرقة متعهد الاستعراض المسرحي فريد كارنو. فحين وصلت فرقة فريد إلى أمريكا وعرضت مسرحية ليلة في قاعة موسيقية انجليزية تلقت استحسانا كبيرا من الناس، وكان تشارلي تشابلن عضوا أساسيا في الفرقة لهبديل ، العمل في فرقة كارنو سنحت لتشارلي ولوريل الفرصة للتطور، ولتحسين تقنيات السخرية والتهريج والتمثيل الإيمائي الذي ترجم فيما بعد إلى عروض سينمائية.

إذن ظهر المهرجون والبهلوانات في أشكال متنوعة وأطلق عليهم تسميات مختلفة بمرور الزمان، إلا أن بينهم عامل مشترك واحد، وهو رؤيتهم الكوميدية، وقدرتهم على الإضحاك وطرافتهم المباشرة على البلاط الملكي أو المسرح أو السينما والأصدقاء والعائلة أو القبيلة. أساتذة الكوميديا هؤلاء ساهموا في أن يكون العالم مكانا أكثر إشراقا وبهجة.  يذكرنا المهرجون دائما بإنسانيتنا الضعيفة حين يتمكنون من تحويل الخوف إلى ضحك، وبتخدير الألم عند الابتهاج.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً