الرئيسية / احدث التدوينات / تبخر الحرف .. اختفاء الكلمة

تبخر الحرف .. اختفاء الكلمة

6b3e3aef3f7038981f31f1c95106426f

قبل البدء بقليل وقبل ولادة الوجود وفي زمن محايد لا نعرف إن كان نهارًا أو صباحًا، شتاءً أو صيفًا، ظلامًا أو نورًا، ربيعًا أم خريفًا لا نعرف شيئًا عن ذلك لأنها وببساطة لحظة لا محددة تعرف بما قبل ميلاد الوجود، لم يكن يتمدد سوى العدم، لحظة إحداثياتها لا نهائية غريبة وهلامية حيث اللا مكان واللا زمان أيضًا، أول غريب جاء يبصر العدم كان الحرف، ثم حرف آخر يتبع أثر السابق، لحظات فقط من ما نعد الآن بعدها يتزاوج الحرفان وينجبان طفلًا سمياه “العالم”، بشكله الأول، نسخته المبدئية، ثم أشرقت الشمس معلنة ميلاد الضوء وترتب على ذلك ولادة الوقت، خرجت الشمس من رحم الحرفين واهنةً ترتعش بينما تغازل ما يمكن أن يكون العتمة، ثم هبت ريح خفيفة خارجة من حنجرة الأرض إبان تنفسها الصعداء، فانبثق أول نهار كان دافئًا مصحوبًا بريح طرية غازلت وجه العالم حديث الولادة، هكذا خرج العالم من رحم الحرف!

مع الوقت تناسلت الحروف ومن ثم الكلمات فكان السخط، الغواية، الرغبة الملحة في الخلود، ولدت حينها لأول مرة كلمة “منفى” واكتسبت مع الوقت الدلالة، قبلها عرف الإنسان اللذة، لذة استراق النظر إلى الفاكهة الشهية النابتة على جسد الشريك، الثمار المنفلتة الناتئة عند المرأة أكثر منها

 عند الرجل، يمر الوقت سريعًا وينحت الإنسان كلمة جديدة، أول كلمة تخصه وحده لتكون “الغيرة”، تلتها الأنانية، الدم، الموت، الدمار، هكذا تخلق الأساس لكتيب أو قاموس كلمات الإنسان وما زال كذلك رغم خطابات اليوم الملتوية المشبعة في ظاهرها بالدعوات إلى المحبة والتسامح المحركة لدوامات من غبار تذروه في العيون.

ملايين السنين تمضي يشهد كل يوم منها ولادة مئات بل وآلاف من الكلمات حتى برز أمام الناس صرح عملاق بلون أحمر محترق، صرح بني عبر قرون بكثير من عرق سُكب بسخاء ممتزج بدماء صراعات اشتعلت مباشرة بعد ميلاد الكون بوقت قصير وما تزال تتدفق حتى اللحظة، برج ذي خمسة أعمدة صدئة ثبتت على قاعدة من كلمات، بناء متصدع سماه الناس “حضارة إنسانية”.

التراث البشري بنوره الذي يسطع أوقاتًا ويخفت أخرى، قرونه حالكة الظلمة تأسست على نفس القاعدة، خطابات طويلة أنتجت لترافق جيوش جرارة إلى وجهات لم ولن يعودوا منها، مرات أخرى أوصلتهم الهاوية، الكلمة وقود نار الحرب تهيجها وتطفئها أيضًا، وحين تخبو النار يحتاج الناس لكلمات من نوع آخر لغسل قلوبهم، كل شيء تخلق في الأصل في رحم العبارة، الايدولوجيا، المسلمات، المخيلة، المقصد والمدلول، البداية كلمة كما النهاية، حتى الموت والحياة هي حقائق تستند أساسًا على كلمة، العزاءات في ساعات اليأس كلمات، التهاني عند لحظات الفرح القصيرة القليلة” اللولبية” لا تعدو كونها كلمة، الخيبات أيضا كلمات، أعضاء الإنسان جميعًا معالجات تستقبل وترسل الكلمات ولكل عضو أبجديته الخاصة، هذا يقود إلى فكرة أن الإنسان ما هو إلا مستودع يضم بلايين الكلمات!

الآلاف من السنين مضت منذ أن فقد الإنسان قدرته على إنتاج كلمات جديدة وقتها بدأ الوجود بالفناء، للدقة بدأت النهاية حين فقد الناس قدرتهم على إجتراح كلمات تعين على إعادة إنتاج الوجود بشكل مغاير، كلمات الأقوال وكلمات الفعل على حد سواء، عالقين نحن في دائرة من هلام، دائرين في فلك من كلمات محددة قديمة وبعضها جديد من الخارج وقلبها كتفاحة متعفنة يسكنها الدود، سجن بجدران من مفردات قديمة أربع _ غيرة، دم، موت، دمار _ ذاك سجننا اللئيم الذي لم يترك للأيام سوى خيار وحيد، إعادة نفسها مرات ومرات متناسلة بقرف، بينما ينسحب الوقت ملولًا يخرج ببطء شديد من بطن العالم.

ولأن للوجود طرق خاصة في إعادة ترتيب نفسه، تحريك الدماء في عروقه فقد حدث ما لم يكن ينتظره أحد، حتى أولئك المجاهرين بأمنيتهم بنهاية العالم لم يخطر ببالهم أن شيئًا مماثل يمكن أن يقع، لم يصدق أحد عيناه حين اختفت الكلمات من الصحف الصباحية الماسخة، المارة كذبوا أعينهم وهم ينظرون إلى الحروف والجمل المنمقة تتبخر من لوحات الإعلانات المبالغ في بهرجتها، أطفال المدارس ابيضت كتبهم لم يتبق فيها سوى خطوط مموهة من رسومات توضيحية كانت تعج بها قبل وقت قصير، طلاب الثانوية سعداء حين شعروا بأن هذا الظرف الطارئ يعني بالضرورة إجازة محتملة، رجال الدين امتعضوا لدرجة احتقنت أودجتهم ورأس مال أعمالهم يبتلعه العدم، يحجبه عنهم الشيطان كما ذهب بعض المشائخ، الساسة حانقون شرعوا سريعًا في تنفيذ فكرة تشكيل لجنة تدير الأزمة، وزراء الدفاع في جميع بلدان العالم اجتمعوا معا لتوضيح أن الأرض تتعرض لهجوم غريب يُعتقد أنه من كائنات فضائية، وقف وزير أقوى دول العالم بصفته متحدثًا باسم الوزراء انتصب أمام مكبر الصوت وحين شرع بالحديث لم يخرج من فمه أي صوت فقط هواء متقطع خرج من بين شفتيه، مفزوع رفع يداه عاليا في الهواء كغريق يبحث عن ما ينقذ روحه، يحررها من أضراس البحر النهمة، المجتمعين رغبوا في مطالبة المتحدث باسمهم بأن يرفع صوته قليلًا، لكن أفواههم لم تصدر سوى تأتآت متقطعة، فاضت أعينهم بالدموع والقلق حين طارت الكلمات واختفت من أوراقهم المُعدة بتكلف، تبخرت خطاباتهم أمام أعينهم المرتعشة بجنون، ثقب غير مرئي أمتص الحروف جميعًا من الورق، وحتى من أذهان الناس، حررها من أدمغتهم، صلب الناس في حائط الحيرة بمسامير الرعب.

                          

صباح اليوم التالي جاء مختلفًا ومختنقًا، كقيامة سابقة لأوانها وغير متوقعة، عجت الشوارع بملايين من وجوه مرتجفة فزعة، تسير بلا هدى ودون وجهة محددة كما لو أنهم أحياءً أمواتًا، تصادموا في الطرقات المؤدية إلى اللا يعلمون، وقعت حوادث سير كثيرة جدًا ومريعة، ربما كانت لتكون مؤلمة لو أن الناس في حالة تمكنهم من الشعور بما يدور حولهم، لكنهم كما جثث قديمة متحللة انتفخت وامتلأت بالقدرة على الحركة بفعل قوة غامضة حررتها لتطير خارجة من القبور لتتكدس بالشوارع والأزقة الضيقة الطويلة المتعرجة.

الجرائد والمجلات بيضاء كلية كما كف رضيع، الكتب المدرسية بلا حروف، صفحاتها رمادية وغبشاء كلسان مريض فشل كلوي مزمن، الكتب الدينية بصفحاتها المبالغ في بهرجتها بعلامات التنوين عادت إلى حالتها الأولى، أي قبل أن تدخل أمعاء ماكينات الطباعة وتخرج مخضبة بالخبر، ببساطة يمكن أن تقول دون وجل: “اختفت الكلمات”، مكتوبة كانت أو منطوقة طارت من العالم وتسربت عبر ثقب ما صغير يقبع بمكان ما غير معروف.

هناك في العدم عند نفس اللحظة التي سبقت ميلاد الوجود بقليل، خارج الزمن، ما قبل الضوء والظلمة، وقبل امتلاك العالم اسمًا أو خبرة في المواسم والفصول اجتمعت الكلمات، الحروف الأبجدية للغات العالم أجمع، وهمهمات الجن، طنين النحل، حفيف الأشجار وخرير الماء، التقت بفحيح الأفاعي والعبارات الملتوية، صهيل الخيل، وشوشة الريح، ثم لحقت بالجمع حروف النوتات الموسيقية، وحركات لغة الإشارة، في مهرجان الكلمات اتفقت حروف العالم والأصوات بأن تكون الدلالة متحدثة بالنيابة عن الجميع، في المنصة المعدودة على عجل ودون تكلف ابتدرت الدلالة الحديث:

” ها هو العالم يعود نقيًا كيوم ولادته الأولى، بلا أنبياء أو كفرة، لا مؤمنين ودون عصاة، دون غبن أو نهم للسيطرة، خاليًا من الكلمات، مجردًا من الحروف والمعنى، مُنح الإنسان فرصة ليعيد خلق العالم، فهل يا ترى سيغتنمها؟ سننتظر ولنرى ماذا سيكتب الناس، ونتطلع لما سوف يعطونه للحياة من معنى..!”

 

عن متوكل الدومة

mm
قاص من السودان