الرئيسية / العدد الثاني والأربعون / تجليات أناشيد الرياح 8

تجليات أناشيد الرياح 8

5457b27b0c5a4807872577.jpg

عمرو جنيد:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

***

الأنشودة الثامنة: المُفارق

انقضى زمنًا يقارب الدهر الكامل، توقفت عن الاهتمام بمجريات الساعة الرملية أو حتى استخدامها، ما عاد قياس الزمن إلا حبات رمال تذروها الرياح في أنفاس الجحيم المستعر.

اهتم بي الدرويش بأبوية صادقة، بعد وصولي حد الجنون، عقب تجربة النوم الفاشلة، كدت أن أفقد ما تبقى لي من عقل، لكنه يصر أنني خضت حومة الجنون و ارتقيت، يقول لي أن البريق الوامض في عيناي هو الدليل الصادق، مرحى لقد عمدت كالوثنيين و ضاجعتني العرافة المتبصرة.

طلب مني أن أرتاح و أعفاني من المهام اليومية، قضيت أيامي أطالع رقوقه الصفراء، كأن تلك المخطوطات الغابرة قد فتحت لي أبواب عالم يقع خلف العالم الفاني، الكلمات المكتوبة بلغة ضاربة أطنابها في أرواح سامية، مدادها دماء العارفين سلاطين الحقيقة أسياد الطريقة، التهمت المخطوطة الأولى و أرهقتني الاصطلاحات المرموزة، لِمَ يكتب الحكماء بصيغ يصعب إدراكها على العوام؟

سألت شيخي، قال لي: الله نور احتجب عن بصائر عباده، و لما تجلى على الجبل انبث، مع فتح أبواب الوصول للمجتهدين، الحكمة أيضا لا تتجلى إلا على المختارين يا بني.

في النصف الآخر من الليل، قبيل استعلان الفجر الأحمر، انتصبت على فراشي الأرضي، و صدري يعلو و يهبط انفعالا، زادني ألق النار وسط الكهف ارتعاشا، الظلال تغري الخيال على الجدران، و الرؤية التي نفضتني من نومي الشحيح تجلت في الماهية الكامنة في فراغ الكهف المجوف.

رأيت فيما يرى النائم نفسي واقفا ارتدي رداءً أزرق خشنًا ثقيلًا كأنه حُيك من زفرات المحرومين، أقف وسط وادٍ ليس كمثله وادٍ محاطًا بالجبال، سائلة ، تتفتت و تتداخل في تحولات و حالات تشبه الزئبق الأحمر، الذي لم يُرى مثله في البلاد.

التفت الجبال الرواسي جدرانًا في شكل دائري، أغلقت الوادي المستطيل، فبدت الساحة كقرص الشمس في عين حمئة.

هلّت الرياح من جهاتها الأربعة، رياح الشرق المحملة بضغائن العربان و أحلام صبايا الخدر الحارة، رياح الغرب الحبلى بأطماع الملوك و رماد الساحرات، رياح الجنوب المعبقة بتوابل البراءة و بدائية النار المقدسة، رياح الشمال الباردة السابح فيها أرواح الأطفال التائهين.

طافت و تراقصت و انغمست كمشكاة تضاء من زيت بلا جذوة، صريرها أيقظني من الغفوة.

عند انبلاج الصبح، وجدت شيخي يقترب مني يضع أمامي خرجًا من الصوف و رقوقًا خالية و محبرة و قلمًا، أشار إلى باب الكهف ثم قال:

– أتتك بشارة الطريق، احمل متاعك و اتبع سببا إلى الوادي، و استعن على الوحدة بمداد التدوين، سجل مشاهداتك حتى تستخلص نتاج حرثك..

فعلت كما قال و ودعته دامعا، أشار إلى منبت الأفق، ثم أخبرني أن اخلف الدموع ثم اذهب حتى مفرق البحرين و لا انظر خلفي.

حملت الخرج الصوفي، و شددت مئزري على جسدي النحيل و أسلمت قدمي للطريق و روحي تسابقني إلى المجهول.

عن عمرو جنيد

mm
كاتب من مصر

تعليق واحد

  1. You made some clear points there. I looked on the internet for the subject matter and found most individuals will consent with your site.

أضف تعليقاً