تحت الماء

1380359_1408329779400340_707544787_n

ساره النور :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

إني أغرق.. إني أغرق…

أنغام أغنية لم تعرفها من قبل.. نفضت رأسها بحثاً عن بعض هدوء.. فوقعت عينها على كوب الماء الكائن في الطاولة قربها.. تناولته فسقط منها منفجراً على الأرض مخلفاً حشداً من قطرات الماء الناقمة على انتزاع سكينتها.. حاولت استرداد قدر من الإستفاقة لتجمع شتات الماء والزجاج عن الأرض.. فانتبهت إلى إن الماء يتكاثر.. يتكاثر ويسبح مضطرباً نحوها.. متسللاً بين أصابع قدميها.. وسط دهشتها تسلق ساقيها يرافقه إحساس مريب باللاشيء.. لم تعد تدرك أين الأرض من تحتها.. عبثاً حاولت نفض ذرات الماء الشرهة عن جسدها دون جدوى.. أغلقت عينيها.. ربما بقايا حلم لم يكتمل بعد.. تتساءل هي وقطرات الماء تعرف طريقها.. معانقة بشرتها.. تنزلق عليها تارة هنا وهناك متشبثة بثناياها وبعض شعيراتها..

لم تكن بعد قادرة على استيعاب  ما يحدث لها.. نظرت إلى ذرات الماء الصاعدة.. أخذت تراقبها في شيء من الفضول.. وهي تدغدغ بشرتها تاركة إحساساً لطيفاً خلفها.. متسلقةً ببطء تحت ملابسها.. تحولت حوريةً بحريةً وسط حجرتها التي أصبحت أشبه بحوض ماءٍ مؤثث.. يُؤْثِر فيه الماء جسدها على غيرها.. فمازالت شراشفها ناشفة.. أوراقها لم يعتريها البلل.. لم تلحظ سوى قطرات الحبر التي حملتها المياه عن الورق وبعثرتها حول المكان في توزيع أشبه بالترانيم الموسيقية.. هي تستشعر أن الماء يرقص من حولها.. يرقص على جسدها.. إنها موسيقى الغرق التي لم تسمعها من قبل.. نشوة الماء على انتصار مرتقب..

بحثت عن أنفاسها بصعوبة فجاءتها بسلاسة أدهشتها.. صرخت “من أنا؟”..

فاجأها صوت من بين يديها أو ربما من خلفها “أنتِ حورية أدركت أنفاسها بعد انقطاع”..

لم تدري ما هو ولكنها أحست ذبذباته تثير وتيرة الماء من حولها..

“ربما بعض استفاقة تهديك بعض السكينة”..

ولكنني لست نائمة..

“أدرك ذلك.. فهل أنت تدركين؟”..

إنقبضت دواخلها.. كم من بُعدٍ في الحياة يلزمنا أن ندرك حتى نعرف درجة الاستفاقة التي نعيشها..

انتبهت أنها لا تدري من تخاطب..

من أنت؟؟

“أنا بعض قلقك.. سواد ارتيابك وشكوك.. أنا انغلاقك على ذاتك”..

إلتهت عن الصوت باهتياج ذرات الماء حول صدرها.. وهي تطرق بعنفٍ كأنها تبحث عن مدخل.. ارتعبت صارت تضرب الماء بيدها بعيداً.. ثم أحست بثقل على يديها ضاق بها المكان على اتساعه.. تتنفس ولكنها عطشى للهواء.. بين الحياة و اللاحياة  هي.. لم تعد تقوى على ذلك فألقت نفسها بين يدي قطرات الماء الثائرة..

ليأتيها الصوت :

دعيها إنها تعرف طريقها..

ربما بعض الغرق ينجيك..

أو ربما تعلمت إلتقام الهواء رغم أنف الماء..

إستسلمت وهي تقرأ ترانيم الحروف ترسم من حولها إيقاع الماء وهو يخترق صدرها..

تساقطت دموعها تائهةً في ذلك الفيضان.. فقلبها المأخوذ في حضن الماء إبتل.. أحست خفقانه مرحباً بفيض الماء.. ربما كان حبيساً بين جوانبها يتنسم الندى.. ربما هي حرب التحرير خاضتها عنه حبيبات الماء.. ربما عاشق للحرية مأسور بخوفها.. ربما.. وربما.. وربما…

فتحت عينيها لتجد نفسها على سريرها.. طرقت بقدميها الأرض فأحستها.. مررت يدها على جانب صدرها الأيسر فأحست بسرعة دقات قلبها.. توجهت نحو النافذة.. فتحتها على مصراعيها.. واتكأت على إحدى جوانبها مراقبة النجوم غارقة في ظلام الليل تطعمه بعض ضياء.. أخذت نفساًً عميقاًً ثم أغلقت النافذة.. إستلقت على سريرها بعد أن إستشعرت بعض الأمان.. وقعت عينها على كوب الماء بقربها.. فابتسمت.. قبضت على قلبها بكلتا يديها وتكورت تحت بطانيتها وهمست..

“إني أتنفس تحت الماء”…

 

 

 

عن سارة النور

mm
سودانية بحب هى أنا .. طبيبة محبة للحروف .. ومابين سماعتى وقلمى أتوه .. متفائلة حد الأمل ما وُجِد له حد .. باحثة عني ولعلي إذ أكتب فإننى أكتب لأعرفنى أكثر .

أضف تعليقاً