الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات : «المميّزات العظيمة لكتابة المسودّة الأولى بخطّ اليد»

ترجمات : «المميّزات العظيمة لكتابة المسودّة الأولى بخطّ اليد»

2560

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

الروائي يتحدّث عن المكتبيْن في غرفته والعثور على القلم المثالي وانتظار ساعة الكوكتيل.

– ويليام بويد.

من بين عديد التقسيمات الثنائيّة الّتي تناسب الكتّاب مثل: نيئ أم مطبوخ، رعاة بقر أم هنود، مدينة أم ريف، إلى آخره…. أطرح الثنائيّة التالية: هل هم من فئة القبّرات أم من فئة البوم؟ يلازمني شعور بأنّ معظم الكتاب هم من فئة القبّرات، حيث يستهلّون يومهم في وقت مبكّر ويباغتهم الخمود مع وجبة الغداء؛ أمّا أنا فأنتمي إلى فئة البوم أكثر، ولكن ليس بسبب نومي في وقت متأخّر من الصباح، بل لأنّ مشكلتي ذهنيّة، فـ «عقلي الكاتب»لا يعمل بفعّالية -على ما أظنّ- إلاّ في النصف الثاني من اليوم، أي من بعد الغداء حتّى المساء. وكنتيجة لذلك، أدّخر صباحي لشؤون المعيشة الدنيويّة مثل: رسائل البريد الإلكتروني، والذهاب في نزهة على الأقدام، والتسوّق، وإجراء الاتّصالات الهاتفيّة، وإرسال رسائل البريد التقليدي؛ وبعد تناول غدائي (ساندويتش مع وعاء من الحساء، والخبز المحمّص مع الجبن، وهذا ليس كثيرًا بالنسبة إلى الغداء)، يبدأ يومي فعليًّا.

كتبت أوّل مسودّة رواية لي بخطّ عادي، فقد وجدت قلمي المثالي باسمه الغريب «RotringTikkyGraphic»، ورأسه الدقيق(0.2mm)، وهو يناسب تقريبًا خطّي الصغير، عسير القراءة. فأنا أكتب دائمًا في كرّاسات سلك مقاس A4))، محاولاً الحفاظ على عادتي الكلاسيكيّة هذه أكثر ما يمكن؛ كما أمتلك مكتبيْن في مكتبي، لكن يبدو أنّني أفضّل الكتابة دائمًا على المكتب الّذي يحمل الكمبيوتر، ربّما لأنّه يقع قرب النافذة التي تطلّ على منظر خارجيّ، رغم اعتياديّته: فهو شارع جانبي مقوّس، فيه منازل متجاورة بشرفات في تشيلسي. ويقع خارج ذلك المنظر البيت الّذي اعتاد الشاعر الإنجليزي “جون بيتجيمان” على العيش فيه.

عندما خضت غمار الرواية أوّل مرّة في حياتي، كنت قادرًا على الاسترسال لساعاتٍ طويلة في الكتابة: ستّ أو سبع أو ثماني ساعات، لا مشكلة. أمّا الآن، وأنا أكتب روايتي الخامسة عشر، فيمكنني أن أتحمّل ما يناهز ثلاث ساعات لا أكثر، فإذا ما تجاوزت هذا الوقت، يهيمن عليّ تعب الدماغ، وأشعر كما لو أنّه قد تمّ نزع مقبس الكهرباء فأتوقّف مثل بطاريّة نفذت طاقتها. وقد يستمرّ هذا التدهور لا محالة كلّما تقدّمت في السنّ، لكن لا تبدو الثلاث ساعات سيّئة بالنسبة إليّ على أيّة حال، فغالبًا ما أتمكّن من كتابة ألف كلمة تقريبًا.

إنّني أكتب يوميًّا إذا ما استطعت، لكن هناك حياتي الّتي يجب أن أعيشها رغم كلّ شيء، و1000 كلمة يوميًّا هو معدّلٌ جيّد بالنسبة إليّ.

بعد أن أفرغ من كتابة المسودّة بخطّ اليد آخذ قسطي من الراحة، فساعة الكوكتيل تلوح في الأفق والنبيذ ونشرات الأخبار على التلفزيون والمحادثة والأسرة والأصدقاء وتناول الطعام يلهيان المرء قليلاً. وما يثير الاهتمام هو أنّ روتيني في الكتابة لا يتطلّب العزلة أو الصمت، فقد يرنّ الهاتف أو يطرق أحدهم الباب الأمامي، ولا بأس في ذلك، فيمكن أن أتوقّف عن الكتابة قليلاً، ثمّ أعود لها مرّة أخرى. وفي معظم الأمسيات، يحدث أن أعود إلى المكتب لأنقل ما كتبته في ذلك اليوم بخطّ اليد طباعةً إلى الكمبيوتر.

أستغرق في كتابة رواية واحدة عامًا تقريبًا، بعد أن أكون قد قضّيت ما يناهز العامين في تخيّلها وإكمال التخطيط والبحث اللازمين، أمّا يوم العمل أثناء كتابة الرواية فيسير في تصاعد بطيء، فهو لا يبدأ في وقت مبكّر، ولكنّه يستمرّ لفترات طويلة.إنّ البومة الّتي بداخلي تسيطر عليَّ. وعندما يصل الكتاب إلى مرحلته الأخيرة، يمكن أن يمتدّ عملي المسائي إلى ما بعد منتصف الليل، أو حتّى ساعات الصباح الأولى؛ ومن المفارقات العجيبة، أنّك كلّما أنهيت جزء أكبر من الرواية وجدت نفسك ترنو إلى الكتابة أكثر.

ومن بين المميّزات العظيمة لكتابة المسودّة الأولى بخطّ اليد، هي تكرار كلّ كلمة مرّتين عند نقلها إلى الكمبيوتر، لتتحوّل بعد ذلك إلى مسودّة إلكترونيّة، تتواصل فيها المراجعة والتنقيح إلى ما لا نهاية. إنّ الكتابة العاديّة بخطّ اليد مهمّة جدًّا حسب رأيي، ليس لأنّني روائي أنتمي إلى عصر ما قبل الحاسوب فحسب (لقد اشتريت لنفسي أوّل آلة كاتبة من نوع «أوليفيتي» بمناسبة عيد ميلادي الحادي والعشرين)، بل لأنّه يحدث اتّصال بين الذهن واليد والورقة أثناء الكتابة بخطّ اليد، ذلك الاتّصال الّذي تمحوه لوحة المفاتيح. فعندما تكتب بخطّ اليد، ستهتمّ دون وعي بشكل ما تكتبه ووقعه، مثل: طول الجملة، والإيقاع، والنظم، والتكرار، والإسهاب. ولا أظنّ أنّ باستطاعة لوحة المفاتيح أن تنبّهك إلى تلك النقاط بالطريقة ذاتها؛ كما يمكنك أن ترى كلّ الجهد الّذي بذلته في ذلك اليوم: الكلمات الّتي أزلتها، والسهام، والكلمات الّتي أدخلتها، والدوائر حول الكلمات، وخيارات الحبكة والأحداث: الخيار الثاني والثالث والرابع… الخ؛ هذا هو الجهد الذهني الّذي تبقيه الورقة العاديّة وتُلغيه شاشة الحاسوب، إنّ كتابة رواية عمل صعب وفوضويٍّ، وهذا ما أشعر به عند الذهاب إلى السرير منهك القوى، فأنام جيّدًا.

 

 

عن علي زين

mm
كاتب ومترجم من اليمن