الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة:إبن خلدون”فيلسوف العصر الإسلامي الوسيط ورائد النظرة العلمية للتاريخ”

ترجمات خاصة:إبن خلدون”فيلسوف العصر الإسلامي الوسيط ورائد النظرة العلمية للتاريخ”

79-160353-ramadan-ibn-khaldun_700x400

بقلم : Emadeldin El Gubouri

لقراءة الموضوع الأصلي(هنا)

يرى البعض أن الفيلسوف الإيطالي فيكو1744-1668 ” هو مؤسس فلسفة التاريخ، في حين يرجع البعض الآخر الفضل في تأسيس هذا العلم إلى الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو 1755-1689

ولكن في حقيقة الأمر يعد الفيلسوف والمؤرخ العظيم ابن خلدون1406-1332 “هو بحق رائد النظرة العلمية للتاريخ ، حيث اعتبر التاريخ بمثابة “علم ” يتطلب البحث والاستكشاف ، مثله في ذلك مثل أي علم آخر … {التاريخ هو علم الظروف والأحداث ، وعادة ما تكون جذوره ومسبباته ضاربة في العمق ، لذا فهو يمثل جزءًا قديمًا وأصيلًا من الحكمة ، جدير بأن يكون من علومها } .

في مقدمته الشهيرة والتي ترجع إلى عام 1377  كتب ابن خلدون :{التاريخ مذهب نفيس ، عديدة مزاياه ، نبيل مقصده.. يخبرنا التاريخ أنباء الأمم التي خلت، في سياق عاداتها وتقاليدها ،ويخبرنا عن الأنبياء ، في سياق ظروف حياتهم ، ويورد لنا أخبار الملوك ، في سياق دولهم وسياساتهم }

اعتبر ابن خلدون أن للتاريخ قسمين : المظهر التاريخي والجوهرالتاريخي ، ووفقا لنظريته ينبغي ألا يكون التاريخ مقتصرا على تسجيل ظاهر الأحداث فقط ، وإنما يجب أن تتعدى مهمته ذلك وأن تمتد إلى فحص السياق البيئي والاجتماعي الذي وقعت في إطاره الأحداث والأسس السياسية التي ارتكزت عليها ؛ فالتاريخ الحقيقي إنما  وجد: {ليخبرنا عن الحياة الاجتماعية للإنسان والبيئة العالمية له ، وإنما تتضح تلك البيئة من خلال الأحداث المتباينة التي تقع ، فالتاريخ إنما يتعامل مع الأنماط والنظم المختلفة التي اتخذتها الأمم الإنسانية عبر أطوارها ، سواء النظم الحضارية المتمدينة أو النظم البدائية الهمجية أو النظم القبلية . أي أن التاريخ يتناول الطرق المختلفة التي من خلالها حاز البشر على القوة واستطاعت جماعات منهم السيطرة على الجماعات الأخرى ، وما نتج عن ذلك من نظم سياسية وهياكل طبقية ، وما انبثق عنه من علوم وفنون وحرف وأساليب حياة متنوعة ،وغير ذلك مما تولد في سياق بيئة الحياة الإنسانية تحت مختلف الظروف }

منهج ابن خلدون في دراسته للتاريخ

ارتكزت منهجية ابن خلدون في دراسة التاريخ على عدة عوامل قوامها الملاحظة والنقد والمقارنة ، حيث استخدم منهج النقد العلمي في تحليله للأحداث التاريخية وأسبابها وجذورها ، وفحص العلل والمسببات الكامنة وراء الواقعة التاريخية فحص نقدي دقيق ، ملتمسًا بذلك التمييز مابين الأسباب الفعلية وراء الواقعة ، وبين المبالغات والزيف المحيطين بخبرها، حتى يتمكن في نهاية البحث من الوصول إلى تصور موضوعي عن ” حقيقة” ما حدث فعلاً بعيدًا عن الإضافات والتحريف في مجرى الحدث التاريخي. فلكم من روايات و أخبار لأحداث تاريخية قد شابها كثير من الكذب والتزييف عند تدوينها أو روايتها ، ربما سعيًا وراء تحقيق مصالح شخصية للراوي عبر نفاق حاكم ما ، أو غير ذلك من الأسباب التي لطالما أوعزت لرواة الأخبار التاريخية أن يحرفوا الأخبار التي يروونها .

لذا فقد دعا ابن خلدون المشتغلين بالتأريخ إلى ضرورة التسلح بالمعرفة ودقة الملاحظة والقدرة العالية على مقارنة النصوص التاريخية المختلفة -سواء الأصلية أو التي تفرعت عنها – المتعلقة بنفس الحدث التاريخي ، وعدم المبادرة إلى التسليم بصحة الخبر الوارد كما هو ، وإنما يتوجب عليهم إعمال المنهج النقدي في النص التاريخي.

الفصل بين ما هو ديني وما هو تاريخي

بالرغم من إيمان ابن خلدون العميق بالإله ، إلا أنه لم يأت أبدا على ذكر أية غايات سماوية دينية للتاريخ ، أو أي نهايات ذات طابع ديني لحركته ، كما كان يرى أن الماضي هو كالمستقبل  (وسيتضح المعنى الكامن وراء هذا الرأي لاحقا) ؛ بل لقد ذهب لما هو أبعد من ذلك حين انتقد المؤرخين الذين أصروا على إقحام الأفكار الميتافيزيقية الغيبية في الوقائع التاريخية ، فما كان منهم إلا أن قاموا بلي عنق التاريخ ليصبح تابعًا للغايات الإلهية ، وحولوا التاريخ من علم –  كما يفترض به أن يكون – إلى نوع من الآداب والفنون.

ولكن هذا الرأي ما كان ليمر دون أن يجر على ابن خلدون تهمة هو بريء منها … تهمة الإلحاد!

فقد اتهمه بعض من المسلمين ، بل والغربيين أيضا ، بأنه ملحد ، وهو الاتهام الذي كان بعيدا عنه كل البعد ، حيث لم يشكك ابن خلدون يوما في وجود الإله وقدرته ، بل كان يؤمن دائما أن عمله وأفكاره إنما هي بإلهام خالص من الإله ، فكيف لمن يؤمن بهذا أن يكون ملحدًا ؟!  ……إذن فالإلحاد لم يكن يوما قريبًا من أفكار ابن خلدون أو محركًا لها ، ولكن كل ما في الأمر أن ابن خلدون كان يصر على الفصل مابين ” علم التاريخ ” وبين ” الميتافيزيقا/ الغيبيات / ما وراء الطبيعة ” مع التأكيد على ضرورة عدم الخلط بينهما بأي حال من الأحوال.

الماضي كالمستقبل

 

 كان ابن خلدون شديد الاهتمام بالتجارب الروحانية للنبي محمد ،فطالما أن الوجود الإلهي حقيقة مطلقة وطالما أن الأنبياء وتجاربهم الروحية الدينية هي بمثابة دليل على تلك الحقيقة ، إذن فالأمر دائري يبدأ وينتهي عند نفس النقطة ،وفي ضوء ذلك يمكن لنا أن ندرك المعنى الحقيقي وراء مقولته :الماضي كالمستقبل ، فحركة التاريخ إنما تنطوي على سلسلة متصلة والأحداث التاريخية هي  بمثابة حلقاتها ، وهي لا تتوقف عند أمة بعينها وإنما تتتابع في دوائر متصلة .

وكان ابن خلدون ينظر للتاريخ على أنه ظواهر معقدة مركبة بعيدة كل البعد عن البساطة ، لذا فقد شدد على ضرورة دراسة وتمحيص كافة عناصر الوقائع  التاريخية مهما بلغت بساطتها أو ثانويتها ، فالتاريخ ” هو المعرفة العميقة بكيفية الأحداث وعلتها  ” وهو ما يشير بوضوح إلى أن ابن خلدون كان ينظر إلى الحدث التاريخي من منظور ” السبب والنتيجة ” ، وبالطبع فقد استمد ابن خلدون نظرية السببية تلك من الفلسفة وليس من الميتافيزيقا التي كان يرى عدم صلاحيتها لدراسة التاريخ ، فقد اتبع ابن خلدون المنهج الإستقرائي في دراسة التاريخ ، وكان يعتمد فقط على الملاحظة والتفكير العقلي ، و كان يرى أن هناك فجوة شاسعة مابين ” المنهج التجريدي” و ” المنهج التجريبي” ، فالمنهج التجريدي إنما يعتمد فقط على المنطق العقلي المجرد ، في حين يقوم المنهج التجريبي على الملاحظة الحسية الواقعية والاستنتاج العقلي بناءًا عليها ؛وطالما أن العالم الإلهي الغيبي “الميتافيزيقا” هو عالم مجرد لا يمكن قياسه تجريبيا ، ولا يمكن التعامل معه إلا في ضوء المنهج التجريدي ، فقد استبعد ابن خلدون عالم الغيبيات المجرد ” الميتافيزيقا” تماما من منهجه العلمي.

أكاذيب التاريخ

 

حاول ابن خلدون تشخيص ظاهرة امتلاء الأخبار التاريخية بالأكاذيب وحشوها بالمبالغات ، وتحليل الأسباب وراء ذلك ، فتوصل إلى أن هناك العديد من الأسباب التي ربما تقف وراء تلك الظاهرة ، منها : التحزب الطائفي … اعتماد بعض المؤرخين على مصادر غير موثوقة … التغافل عن بعض الأسباب الخفية أو تجاهلها عند التأريخ للحدث … الرغبة في مداهنة الحاكم تجنبا لبطشه أو لتحقق مكانة لديه..

وفي حقيقة الأمر قد وقع كثير من المؤرخين فريسة الخطأ والتضليل في تأريخهم للأحداث بسبب  اعتمادهم الكلي على الروايات المتواترة عن تلك الأحداث دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث وراء تلك الروايات والتفتيش عن مصادرها الأولى ، أو فحص مدى صحتها ومنطقيتها ، أو مقارنتها مع غيرها من الروايات للكشف عن مدى مصداقيتها أو كذبها ، بل أخذوها كما هي فوقعوا في فخ التأريخ المضلل.

ولو أننا فتشنا عن مثال واضح – من ضمن أمثلة عديدة تخرج عن الحصر – على التشوش والتناقض في عملية التأريخ ، فسوف نجده فيما أورده المسعودي ، وغيره طائفة من المؤرخين العرب ، عن أعداد بني إسرائيل الذين خرجوا مع نبي الله موسى ، فقد ورد لدى المسعودي أن عدد محاربي بني إسرائيل بقيادة موسى قد تجاوز الستمائة ألف رجل تبدأ أعمارهم من العشرين ؛ فلو فحصنا تلك الرواية بدقة وتمعن فسنجدها محاطة بالخطأ والتناقض ،فعندما دخل يعقوب / إسرائيل وأهله إلى مصر لم يكن عددهم يزيد عن السبعين ،ومن المعروف أن موسى لا يفصله عن سلفه يعقوب سوى أربعة أجيال فقط ، فكيف تأتى لموسى إذن أن يحوز كل هذا العدد المهول من بني إسرائيل ؟!!

نقطة أخرى قد تجاهلها المسعودي تماما في تأريخه عن تلك الواقعة بالرغم مما لها من أهمية كبرى وتأثير ما كان له أن يغفله ، تتلخص تلك النقطة في : مساحة الأرض ، فمساحة الأرض المعروفة في القصص اليهودي ب ” التيه” لا تكفي بأي حال من الأحوال لأن يحتشد بها كل هذا العدد المزعوم من بني إسرائيل وقت خروجهم مع موسى.

أما النقطة الثالثة التي غفل عنها المسعودي ، عن نفس الواقعة ، فهي أنه من المعروف تاريخيا أنه كان لكل مملكة حامية تتألف من عدد من الجنود ، فلو افترضنا جدلا أن مملكة بني إسرائيل كان قوامها ستمائة ألف جندي محارب ، إذن كان لابد لهم مع امتلاكهم لكل هذا العدد أن تمتد حدود مملكتهم  لما هو أبعد بكثير من الحدود التاريخية المعروفة لمملكة إسرائيل القديمة ! لكن هذا لم يحدث .

إذن فتأريخ المسعودي لتلك الواقعة ، بكل ما فيه من تناقض وعدم دقة ، إنما يثبت أنه للأسف لم يكن الأفضل في مجال التأريخ وأنه قد وقع – مثله في ذلك مثل كثير من المؤرخين – في خطأ عدم الدقة التأريخية .

السمات الأساسية للمؤرخ عند ابن خلدون

 

في توصيفه لما يجب أن يكون عليه المؤرخ ، أورد ابن خلدون طائفة من الصفات والمؤهلات الأساسية التي يجب أن يتمتع بها من يأخذ على عاتقه مهمة التأريخ ،والتي من شأنها أن تؤهله لتحقيق فهم موضوعي للوقائع وقدرة  ملائمة على تحديد مدى صدق الواقعة التاريخية  من زيفها  :

* حيث يجب أن يكون المؤرخ  على دراية كاملة وفهم تام لأصول الحكم والسياسة وطبائع الناس ،وذلك في سياق المكان والزمان الذي يتم التأريخ لوقائعه.

* أيضا يجب أن يكتسب المؤرخ المعرفة الكاملة بالبيئة الطبيعية وكيف تختلف من مكان لآخر وكيف تتغير عبر الزمن .

* وعلى المؤرخ أيضا أن يكون ملما بكافة جوانب البيئة الاجتماعية للأمم ،وتشمل الجانب الاقتصادي والجانب الأخلاقي ، والعقائدي ، وأسلوب الحياة و…..إلخ

* إضافة لما سبق ، ينبغي أن يكون لدى المؤرخ القدرة التامة على فهم الواقع الحاضر بكل تعقيداته ، والقدرة أيضا على مقارنته مع الماضي مقارنة موضوعية .

* كما تعد الدراية  الشاملة بجذور الأمم والطوائف وأصولها ، والإلمام بالأحداث التاريخية الكبرى التي شكلت ماضيها وأثرت فيه ، وفهم دوافعهم ومبادئهم المعلنة والقواعد الحاكمة لحياتهم ، من أهم السمات الواجب أن يتحلى بها المؤرخ.

ولتحقيق تلك المؤهلات – التي تشكل الأساس المتين الذي ينبغي أن يرتكز عليه من يرد الاضطلاع بمهمة التأريخ – فعلى المؤرخ أن يعكف على دراسة كافة الظروف والملابسات العامة المتعلقة بالحقبة الزمنية التي يريد التأريخ لها ، وأن ينقب عن الأحداث المماثلة التي وقعت عبر الأزمنة ، دون أن يغفل بالطبع عن السياق العام المحيط بكل حدث .

رأي ابن خلدون في العقل

 

اعتبر ابن خلدون أن للعقل حدود معينة لا يستطيع تجاوزها بأية حال من الأحوال ، و أن هذا هو ما يحول بينه وبين الإدراك الكامل للألوهية أو أي من الأمور أو الكائنات  التي تنتمي للعالم العلوي ، فهذا العالم  العلوي غير مادي وبالتالي  لا يمكن أن يخضع للقياس أو المشاهدة ، وليس للعقل  -بطبيعة تكوينه وحدوده -أن يدرك إلا الأمور االمادية الخاضعة للملاحظة و القياس ومن ثم الإثبات أو النفي .

*  لقد استغرق العالم وقتا طويلا حتى أدرك أهمية ابن خلدون وما قدمه للبشرية ، حيث بدأ الاهتمام الجدي بفلسفة ابن خلدون وعلمه منذ القرن الثامن عشر الميلادي  وذلك على يد علماء الغرب الذين ركزوا على آرائه العلمية التي وجدوا فيها تشابها كبيرا مع آرائهم وأفكارهم الحديثة التي سبقهم إليها قبلهم بقرون طويلة ، إلا أنه وحتى الآن لم ينل المكانة الحقيقية التي يستحقها كمؤسس لفلسفة التاريخ ورائد لعلم الاجتماع .

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر