الرئيسية / احدث التدوينات / لغة الحلم و القصص

لغة الحلم و القصص

82638696-figure1

في بلد فرنكفوني كالمملكة المغربية، تبدو اللغة العربية ليست مفضلة لدى الجميع، خصوصًا و إن كان الأمر متعلقًا بتنشئة طفل، حيث يتم الاعتماد بشكل كبير على لغات أجنبية كالفرنسية أو الإسبانية أو حتى الإنجليزية، غالبًا لكي يحجز الأهل مستقبلًا أفضل لأولادهم، الأمر الذي لم يكن من أولويات والدي، ربما لأنهما كانا قدريان، و يتركان كل شيء لمشيئة الله، أو ربما لأنهما كانا يواجهان مشاكل أكثر جدية من مستقبل طفلهما الأخير.

 لكن الأكيد هو أن والدي رحمه الله كان مولعًا بالسلف الصالح و أخبارهم و كتبهم، فكنت دائمًا أراه يتخذ من زاوية حجرة خالية هادئة ملجئًا له و لأفكاره، يقرأ فيها كتب الحسن اليوسي، أو مقدمة ابن خلدون أو سير السلف الصالح، كانت تلك أولى الأشياء التي أثارت فضولي جدًا، ما الذي يهم والدي في تلك الأوراق المجمعة في إطار واحد؟ لم يمض وقت طويل على ذلك حتى كان أبي قد لاحظ مراقبتي له و كيف أن عيني طفله مليئة بالأسئلة، فما كان له إلا أن بدأ في مشاركتي عالمه السحري، بأن ابتاع لي قصتين صغيرتين مصورتين، الأولى بالعربية و الثانية بالفرنسية، كل واحدة منهما جعلتني أدمن الكتب و أبحث عن القصص في كل مكان، ذلك السفر لعالم عجيب مليء بالمغامرات، لغة واحدة كانت تمنحني ذلك العالم بكل الألوان، كانت العربية، ربما لأنها لغة كثر تماسي بها، من الشارع إلى التلفاز، أو ربما لأن لها رونقًا خاصًا، طعمًا خاصًا لذيذًا يغري بتذوقه أكثر.. لا أدري حقًا.

أغرمت بكل القصص التي قرأتها، من جحا وشعيب إلى مغامرات الأميرات و الأمراء و قصص العفاريت و الخضر التي تكلمت.. كلها جعلتني أمتلئ برغبة كبيرة في أن أبني عالمًا مماثلًا لما قرأت، عالمًا به الكثير من المغامرات و القصص العجيبة، فكانت قصتي الأولى عندما لم يتجاوز عمري السابعة بلغة عربية ركيكة جدًا، بالكاد أكتب الكلمات بشكل صحيح، وهكذا، بدأت أكتب و أكتب و تشعبت علاقتي باللغة العربية لتتطور إلى لغة للتعبير عن الذات، حينما بدأت أكتب يومياتي الخاصة في دفتر اليوميات، بعد كل يوم مدرسة كنت أعود لأحكي لأوراقي كل شيء، و مع كل صفحة كانت مهارتي في الكتابة تتطور قليلًا، إلى أن أصبحت جيدة لأكتب أول مسرحية في المرحلة الإعدادية، كانت بالفصحى و هو الأمر الذي جعل أستاذ اللغة العربية فخورًا بي، كما كنت فخوراً بنفسي، لكن هذه العلاقة الجميلة سرعان ما تدهورت بعد أن أصبح المسار الدراسي لا يحتمل أن أتجاهل الفرنسية أكثر مما فعلت، فعلى عكس العربية، كانت الفرنسية بالنسبة لي لغة احتلال حقيقي، فلم أستسغها يومًا و لم أشعر بأي انتماء لها، كانت كشبح يطاردني في كل مكان، و كل ما حاولت الفرار منه، أصبح أكثر قوة، فلم يمض وقت طويل حتى أجبرت على الدخول في ما أسميته مرحلة الجفاء، تلك المرحلة التي حاولت أن “أتفرنس” فيها قدر المستطاع، لكنني فشلت في أن أحول الفرنسية للغة تحكي عن ذاتي، ناهيك عن إتقانها بالشكل التام.

بين الفينة و الأخرى كنت أعود لزيارة عالمي القديم، لكن الخيبة غالبًا ما كنت ترد لعالمي الفرنكفوني، لم أكن معجبًا بالروايات المغربية، و رغم أن روايات أجاثا كريستي تبدو ممتعة، لكنها لم تأسرني أبداً، حتى جاء ذاك اليوم الذي ابتعت فيه رواية الشيخ و البحر، و التي جعلتني أعاود النظر في القطيعة مع اللغة العربية، خصوصًا و أن علاقتي بالفرنسية لم تثمر عن أي شيء ذي أهمية، لكن رغم أنني أحببت الشيخ و البحر، و أحببت عالم إرنست همنجواي، لكنه لم يكن كافياً ليردني للكتابة مجددًا لكنه كان كافيًا ليجعلني أتسكع في أروقة المكتبات، بحثًا عن ذلك الموعد المبهم، في مرحلة الدراسة الجامعية، اتجهت بشكل كبير نحو الإنجليزية و صرت متقناً لها أكثر من الفرنسية و حصلت على علامات كاملة في كل امتحان خاص بها، حتى أنني عدت لكتابة يومياتي بها، لكنها لم تكن تحمل نفس الرونق القديم، فتوقفت عن ذلك بعد أشهر قليلة، قبيل أن أجد الكتاب الذي جعلني أعود للكتابة بلغة الضاد.

أذكر أنه كان يومًا ممطرًا، تتوزع صور السماء الزرقاء على برك الماء في شارع مرصف بحجيرات غير مستوية، بعد الفصل الدراسي الصباحي مررت نحو المدينة القديمة، في الطريق المؤدي نحو السوق، يوجد سوق الذهايبية، أو بائعي الذهب، حيث واجهات المحلات الزجاجية تلمع باللون الأصفر تحت ضوء الشمس، على الجانب الأيمن طريق مؤدي للساحة العامة لسوق سيدي عبد الوهاب، على نهاية ذاك الزقاق المفتوح على الساحة، توجد مكتبة تبدو قديمة، لكن الحركة فيها جيدة، و خصوصًا رفوف الروايات، حيث تفرغ بسرعة، في ذلك اليوم احترت أي الروايات أشتري، فلا أريد أن أضع مالي القليل في كتاب مخيب للأمل (كالعادة)، فاخترت بدون أي خطة مسبقة رواية بعنوان عجيب، و كانت عزازيل للكاتب المصري يوسف زيدان، لم أكن أتوقع أن تكون تلك الرواية بذلك الجمال و القوة التي قد تجعلني أعود للقراءة بوتيرة أقوى، لا بل العودة للكتابة مجددًا، كانت تلك العبارة هي مفتاح العودة للكتابة، للبيت القديم، لذاتي الأصلية في التعبير..

“أكتب يا هيبا، فمن يكتب لا يموت أبداً”

فقررت أن أكتب، لكي أعيش إلى الأبد.

 

عن يوسف أزروال

mm
كاتب ومترجم من المغرب

أضف تعليقاً