الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: أولى يوميات تولستوي الشاب: من أنت؟ ما أنت؟

ترجمات خاصة: أولى يوميات تولستوي الشاب: من أنت؟ ما أنت؟

leotolstoy

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

“هذا هو الجوهر الكامل للحياة: من أنت؟ ما أنت؟”

ناصر البعض من أعظم الكتاب في تاريخ البشرية المزايا الإبداعية لكتابة اليوميات ولكن لم يقم أيًا من عمالقة الأدب باستقصاء القيمة الروحانية والوجودية لتلك الأداة على نحو أكثر خصوصية من الكاتب الروسي ليو تولستوي (09 سبتمبر 1828 – 10 نوفمبر 1910)، تلك النظرة الداخلية المتأملة والعميقة ذاتها التي أنتجت سجل الصحوة الروحانية لدى تولستوي التي تحولت في نهاية حياته إلى محاولة لتجميع دليل لمعنى الوجود.

 إلا أن المذكرات التي كتبها تولستوي في شبابه هي الأكثر تأثيرًا من الناحية النفسية والأكثر إثارةً وتشويقًا من الناحية الإبداعية.

كتب تولستوي أول يومية له في سن الثامنة عشرة في شهر مارس من عام 1847، بينما كان يرقد في سرير إحدى المستشفيات للعلاج من أحد الأمراض التناسلية، وكان بالفعل على وشك أن يُطرد من الجامعة بسبب أدائه الأكاديمي السيئ، ولهذا ساعدته تلك الإجازة الجبرية في المستشفى على بدء رحلة استكشاف الذات، بالمعنى المزدوج لدراسة ذاته وتأمل فكرة الذات، تلك الرحلة التي ستمتد على مدى حياته كلها.

تلك الرحلة التي تستكشفها عالمة الأدب والمؤرخة الروسية إيرينا بابيرنو في كتاب: من أنا وماذا أكون؟”: محاولات تولستوي المستميتة لسرد الذات الذي يمثل وصفاً ثاقباً لما يرويه لنا من “المحاولات المتناقضة التي قام بها مؤلفنا المحبوب لإنتاج تمثيل سردي للذات والكائن الإيثاري”، كما تمثل أيضاً استقصاءً للاهتمامات الأشمل والأكثر كونية لما يشكل الذات بالفعل، تلك الذات التابعة و المراوغة والانهزامية للوجود.

30714531_1654566341291215_6749682664530017519_n

فالأمر المثير خاصةً في تلك اليوميات هو وجودها الموازي في الماضي والمستقبل، لقد جمع تولستوي التأملات السردية على المستوى الأصغر للسيرة الذاتية مع القرارات الأخلاقية على المستوى الأكبر للشخصية، ولكن ما يتضح قبل كل شيء هو ذلك الحس بأن تولستوي كان يتمتع بفكرٍ عظيم ويعاني باستمرار بسبب الواجبات القهرية التي كان ذلك الفكر ذاته حبيسًا لها، وبينما كان غارقًا في مشروعه الهاجسي للتنظيم الواعي للأخلاق، كان يرى الذات على أنها وظيفة إجبارية لما يجب أن يكون وليس شاهدًا مسالمًا على الوجود متقبلاً ما هو كائن فيه.

تولستوي الذي كان يحب أن يعزي أصل ذلك الافتتان بهذا السؤال إلى مربيته العجوز التي اعتادت الاستلقاء بمفردها وهي تستمع إلى ساعة الحائط وتسمع في تكاتها السؤال التالي: “من أنت ـــــ ما أنت؟ من أنت ـــــ ما أنت؟” وترى بابيرنو إن تولستوي وجد مسعاه الأبدي في ذلك السؤال الخاص بالساعة:

“هذا هو الجوهر الكامل للحياة: من أنت؟ ما أنت؟”

وهكذا كانت اليوميات تمثل لتولستوي الشاب الراقد في المستشفى “أداةً لتحقيق الكمال الذاتي” حيث يمكنه باستخدامها قيادة وتسيير حياته صعبة المراس, كما كانت أيضًا “مشروعًا تجريبيًا يهدف إلى استجلاء طبيعة الذات” باستخدام بعض المفاهيم مثل الأخلاق، والذاكرة، والوعي والزمن.

لقد كانت يوميات تولستوي المبكرة في حقيقة الأمر قائمة مرجعية للأخلاق وخريطة سردية للزمن في آنٍ واحدٍ، وتشير بابيرنو إلى إحدى المفكرات المثيرة على وجه الخصوص والتي كتبها في منتصف العشرينيات وتحمل عنوان”يوميات الوهن”، والتي جاءت وسطًاً بين “يوميات المناقب” للكاتب بنيامين فرانكلين و بين قائمة إسحاق نيوتن الطويلة للأخطاء التي اعترف بها بنفسه. فقام تولستوي مثل فرانكلين بتتبع نموه الأخلاقي على مدى التطور الزمني للمذكرة، لكنه ركز مثل نيوتن على حماقاته وليس أعماله الفذة، فقام بتقسيم صفحة المفكرة الزمنية إلى أعمدة لتسجيل النقائص المحتملة مثل الكسل والتردد والغرور، وكان يضع علامة × صغيرة أمام الأيام التي ظهرت فيها كل واحدة من تلك العيوب.

وتقول بابيرنو إن تولستوي احتفظ بجانب المفكرة بمفكرة أخرى بعنوان “سجل المشاغل اليومية”، وهي سجل زمني تم تقسيم كل صفحة فيه إلى عمودين رأسيين، أحدهما للمستقبل والآخر للماضي، وكان تولستوي يسجل في العمود الأول ما ينوي عمله في اليوم التالي وفي الثاني هل تحققت تلك الخطط في اليوم التالي أم لا، وبالتالي كان كل يوم يبدأ باستخدام اليوم الذي يسبقه كنقطةً مرجعيةً، فكان الأمر في الأساس عملية تقييم ـــــ سلبية دائمًا ـــــ لمدى تحقق ما هو كائن مقارنةً بطموحات ما يجب أن يكون.

فلم يكن هناك عمود للحاضر على الإطلاق، وهذه الحقيقة تؤكد أيضًا على الإحساس بأن تولستوي كان يسيطر عليه استبداد:ما يجب أن يكون ,وما يجب أن يفعل.، فكان يميل دائمًا إلى مستقبل متخيل أفضل, وفي الوقت ذاته يطارده الإحساس بالفشل عند الإدراك المتأخر لأفعاله.

وتورد بابيرنو إحدى اليوميات التي توضح ذلك بتاريخ 24 مارس 1851، وفيها نجد تولستوي يقحم على نحوٍ دقيق في السرد اليومي النقائص الأخلاقية التي أدت إلى الفشل في اتخاذ قرارات اليوم السابق:

استيقظت متأخرًا إلى حدٍ ما، وقرأت، لكنني لم أجد الوقت للكتابة، جاء بويريت وتبارزنا لكني لم أقم بتوصيله (كسل وجبن). جاء إيفانو وتحدثت معه أكثر من اللازم (جبن). جاء كولوشين (سيرجي) لاحتساء شراب الفودكا ولم أصاحبه للخارج (جبن). جادلت عند أوزيروف دون داعٍ (عادة المجادلة) ولم أتحدث عما كان ينبغي أن أتحدث عنه (جبن). لم أذهب عند بيكليميشيف (قلة الحماس). أثناء ممارسة الألعاب الرياضية لم أمش على الحبل (جبن)، ولم أقم بأحد الأشياء لأنه يؤلم (ضعف). — عندما كنت عند غورشاكوف كذبت (كذب). ذهبت إلى حانة نوفوترويسك (عدم الكرامة). لم أذاكر اللغة الإنجليزية في المنزل (ضعف الإصرار). عند فولكونسكي كنت متصنعًا ومشتت الذهن وبقيت حتى الواحدة صباحًا (تشتت الذهن والرغبة في التباهي وضعف الشخصية).”

ثم يتابع تخطيط جدول أعماله لليوم التالي، 25 مارس:

من العاشرة حتى الحادية عشرة: يوميات الأمس والقراءة. من الحادية عشرة حتى الثانية عشرة: ممارسة الألعاب الرياضية. من الثانية عشرة حتى الواحدة ظهرًا: دراسة اللغة الإنجليزية. بيكليميشيف وباير من الواحدة ظهرًا حتى الثانية ظهرًا. من الثانية ظهرًا حتى الرابعة عصرًا: ركوب الخيل. من الرابعة عصرًا حتى السادسة مساءً: تناول العشاء. من السادسة مساءً حتى الثامنة مساءً: القراءة. من الثامنة مساءً حتى العاشرة مساءً: الكتابة. – الترجمة من لغة أجنبية إلى الروسية لتنمية الذاكرة وتحسين الأسلوب. – كتابة أحداث اليوم بكل الانطباعات والأفكار المصاحبة لها.”

ولكن عندما يأتي يوم الخامس والعشرين يقدم تولستوي ثانيةً قائمة بنقائصه وهو يتأمل ما فشل في تحقيقه من واجبات:

استيقظت متأخرًا بسبب الكسل. كتبت يومياتي ومارست الألعاب الرياضية على عجل. لم أذاكر اللغة الإنجليزية بسبب الكسل. مع بيغتشيفوإسلافيش كنت مغرورًا. عند بيكليميشيف كنت جبانًا وعديم الكرامة. عند تفر بوليفارد أردت التباهي. لم أمش على قدمي حتى كاليمازني دفور (ضعف). ركبت الخيل بقصد التباهي. ولنفس السبب سرت بالخيل حتى أوزيروف، ولم أعد إلى كاليمازني (طيش). عند غورشاكوف نافقت ولم أسمي الأشياء بأسمائها (خدعت نفسي). ذهبت إلى ليفوف بسبب قلة الحماس وعادة الكسل. جلست متلكئًا في البيت بسبب شرود الذهن وقرأت لويرثر دون انتباه على عجل.”

تقول بابيرنو إن ذلك الجلد القاسي للذات الذي كان يمارسه تولستوي في تلك اليوميات الشبابية أصبح تجربة تمثل أساسًا قويًا في ظل المرونة الزمنية والصراع من أجل النمو الأخلاقي، وهي العناصر التي حددت في النهاية الأدب ذاته الذي جعل تولستوي محبوبًا على هذا النحو إلى الأبد، فهي تقول:

دخل في صراع مع القيود التي تفرضها اللغة والسرد على قدرة الكاتب على معرفة “الأنا” وتمثيلها، وفي النهاية رفض تولستوي قبول أن الذات ـــــ ذاته ــــ تقيدها حدود ما يمكن أن يُقال، إن بنية جميع أنواع السرد اللفظي تتميز فطريًا برؤية للحياة تعطي دورًا مهيمنًا للترتيب الزمني التسلسلي، ما يشير ضمنيًا إلى المحدودية، فقد كانت محاولة تولستوي على مدى حياته لوصف تلك الحياة (أو الذات) مشروعًا له نتائج فلسفية وأخلاقية ودينية.

[…]

لقد تحولت رحلة البحث الطويلة على مدى حياته عن الذات الحقيقية إلى مهمة مستحيلة لتعريف ذات الكائن غير المستقلة بحكمها الذاتي,و التي تكمن خارج حدود اللغة والزمن، فكان تولستوي معذبًا بسبب رغبته المتناقضة لكتابة ذاته وسط حالة من الصمت.

[…]

فكان لصراعاته الشخصية مع الإحساس بالذات أثره البالغ: إذ تحول تولستوي إلى قدوة للكثير من القراء داخل روسيا وخارجها، في سعيهم لتوجيه حياتهم الخاصة.

عن علي زين

mm
كاتب ومترجم من اليمن