الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : الاستعمار الجديد و تناقضات إفريقيا الذاتية

ترجمات خاصة : الاستعمار الجديد و تناقضات إفريقيا الذاتية

africadevelopment

بقلم: قاسم إبراهيم مؤرخ و باحث كميروني

ترجمه عن التركية:  صبحي آدم  

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

القارة الأفريقية بجغرافيتها الشاسعة و ثرواتها الطبيعية و قوتها البشرية الهائلة لطالما لفتت انتباه القوة الخارجية و احتلت موقعاً مهماً في سياساتها، بعد أن عاشت أفريقيا عصوراً من الاستعباد و من ثمة  فترة طويلة من الاستعمار بدأت فيها في ستينات القرن المنصرم الحركات الاستقلالية رغم ذلك مازالت أفريقيا و إلى الآن ترزح تحت وطأة الاستعمار الجديد و يحاول البعض إعاقة نهوضها و تطورها، رغم ما تمتلكه من حضارة و موارد بشرية و طبيعية و سوق كبير إلا أن موقعها في السياسة و الاقتصاد العالمي مازال محلًا للنقاش، فاليوم عندما تذكر أفريقيا يأتي إلى العقل النزاعات و الفقر و المرض. مثل ما أن أسباب هذا التأخير ذات صلة بالاستعمار الذي مازال مستمرًا إلى اليوم كذلك مرتبطة بوضع الأفارقة الذين لم يستطيعوا أن يواكبوا العالم المعاصر.

 في حقيقة الأمر احتكاك أفريقيا بالغرب أدى إلى انفصام ماضيها عن مستقبلها ونتيجة لذلك الاحتكاك فإن الدول الأفريقية اليوم فقيرة لمشاعر الوطنية و القومية و عاجزة عن تحقيق الوحدة الشعبية. بالإضافة إلى أن الشعوب الأفريقية تجد صعوبات في التفريق بين الحداثة و الغرب و بين ثقافة و حضارة أفريقيا و النهضة و بين النمو و التطور، و كل هذه الظروف تشكل عوائق أمام نهوض هذه القارة.

مآزق أفريقيا المحافظة و أفريقيا المتغربة

قام الأوربيون بتجارة الرقيق في سواحل أفريقيا و من ثمة في أواسط القرن التاسع عشر و من دون أي اعتبار لموجودية و ثقافة و حضارة القارة بدؤوا في استعمار أفريقيا، و خلال هذه الفترة الاستعمارية التي استمرت لقرن من الزمان تقريباً سعى الأوربيون لنشر دينهم و ثقافتهم في القارة وعندما قرروا المغادرة  في ستينيات القرن العشرين قسموا القارة – وفقاً لمصالحهم كما فعلوا في مؤتمر برلين-  لدول على الشكل الأوربي مع تجاهل تام لأهمية التجانس بين المجموعات الأثنية، و لأن هذه الدول لم تمر بمرحلة تكون طبيعية عاشت بعد الاستقلال مشاكل حدودية و نزاعات دينية و حروب أهلية و أثنية.

رغم مرور نصف قرن من الزمان بعد الاستقلال إلا أن التعاضد الشعبي لم يتم و الدول القومية لم تتشكل في القارة، سبب هذا الفشل أنه في مرحلة المرور من البدوية الزراعية إلى الجمهورية لم يكن هنالك  وعي و إدراك شعبي للأمر بالإضافة إلى أن هذا التطور لم يكن ذاتياً. بعد الاستقلال تمكنت بعض الإثنيات و بمساعدة الغرب من  السيطرة و امتلاك هذه الدول ذات الإثنيات المتعددة.  وجود السلطة و الثروة في يد مجموعة واحدة أدى إلى عدم تطور الاقتصاد و البنية التحتية و كذلك أعاق تشكل الهوية القومية بين الشعب.

لذلك نلاحظ اليوم في عديد من الدول الأفريقية أن الشعب لا يهتم كثيراً بالعملية السياسية، رغم أن الوطنية و القومية تدرس في المدارس لكن عدم اهتمام الدول بهذه المسائل تطبيقاً جعلتها مبهمة لدى الشعب. في الفترة الأخيرة ساهمت منظمات المجتمع المدني المتمركزة حول الأفريقانية في تجميع أفارقة الخارج و لكن لأنها كانت رد فعل ضد الاستعمار و الغرب  فلم تفكر هذه الحركات في إحياء الثقافة و القيم الأفريقية المهملة و لم تفكر في التأطير لنظام حكم مناسب و خاص بأفريقيا يؤدي إلى توحيد شعوبها، حيث أن الكثير من الأفارقة اليوم و مع ظهور العولمة و التأثر بتطور التكنولوجيا –تلفزيون، وسائل التواصل الاجتماعي- حتى من دون فهم ماهية الحداثة يتركون القيم و الثقافة الأفريقية و يميلون إلى الغرب.

مثلما أن الأوربيين قاموا بتشكيل خريطة القارة الإفريقية و وحدوا و فصلوا من يشاءون كذلك أثروا على الثقافة الأفريقية تأثيراً عميقًا، نتيجة لذلك بعد الاستقلال  نُظر إلى أن بنية الدول الأوربية و الثقافة و أسلوب الحياة الأوربي هو السبيل الوحيد لحداثة و نهضة أفريقية،  الإنسان الإفريقي في  سعيه للحداثة و إن لم  يفقد ثقافته تماماً لكن تبنيه للثقافة الأوربية من دون أي نقاش و سعيه للتشبه  بالأوربيين أدى إلى فقدانه هويته الأفريقية.

كيف نقرأ فقر أفريقيا

في الحقيقة مصطلحات مثل الحداثة و التغريب و التنمية و التطور ليس فقط في أفريقيا بل حتى في بعض الدول المتقدمة فهمت بشكل ملتبس مما يؤدي إلى تعريفها بشكل خاطئ بنفس الشكل حينما نصف أفريقيا بأنها فقيرة فإن فقر القارة و خصوصًا في الدول المتقدمة يفهم بشكل خاطئ. لأن الإنسان الأفريقي المعاصر محروم من كثير من الإمكانيات المتوفر في الدول المتقدمة و الدول النامية لذلك هو في نظرهم فقير. و لأن الرفاهية المعاشة في الدول الأخرى لا تتوفر في أفريقيا فالأفريقي يرى نفسه في تعاسة دائمًا، بالإضافة إلى أنه خلال حملات جمع المساعدات و في السعي للتعريف بأفريقيا بواسطة تكنولوجيا الاتصال الحديثة توصف أفريقيا بأنها القارة التي يموت فيها الناس من التعاسة و الجوع.

golddigger

هذا الوضع أدى إلى رسم صورة سلبية لأفريقيا في العالم الخارجي، و إن لم تكن هذه الصورة خاطئة تمامًا فهي مبالغ فيها، مثلما أن تخلف أفريقيا لا يعني فقط الفقر فكذلك الفقر لا يعني فقط الموت من الجوع، لأن الإنسان المدرك للواقع يعيش حسب إمكانياته، عندما ننظر إلى القروي أو المزارع الأفريقي الذي لا يعرف شيئًا عن الحداثة و أسلوب الحياة الأوربي (هذا لا يعني سعينا لتمجيد حياته) نجده لا يفكر في الحصول على هاتف ذكي أو حاسوب أو شقة فخمة و لا ركوب قطار سريع و فهو في سعادة و صفاء بأساليبه التقليدية في الزراعة و الرعي، لكن الجانب السلبي لذلك هو عيشه في حياة روتينية و بالتالي عدم التفكير في التطور،  من الطبيعي أن يستغرب الأمر مواطني الدول المتقدمة عندما يقارنوا حياتهم بحياة القروي الأفريقي و يحاولوا حساب دخله باليورو أو الدولار  فيظنون أن الأفريقي يعيش في فقر و يموت من الجوع.

لكن الفقير الحقيقي هو غير السعيد بوضعه المادي و الحالم بحياة على الطراز الأوربي و رغم كل ذلك لا يفعل أي شيء لتغيير الوضع، و هذا أسوء نمط لذهنية الأفريقي و سببه عدم إدراك الشخص لفقره الشخصي و الواقعي، و هذا الفقر يعيق حركة الشخص و يحبسه في عالم الخيال بهذا الشكل يتقبل الشاب الوضع الموجود و لا يفعل أي شيء لتغيير الوضع بحجة أن النظام و الظروف لا يسمحان بذلك، و سياسياُ لا يهتم الناس بحركة الدولة ولا حتى يشاركون في العملية السياسية بحجة أن الأصوات تسرق، و في الغالب يضيع  الناس وقتهم  بانتقاد النظام السياسي من دون إنتاج أي فكره أو إستراتجية أو التحرك لتغييره.

باختصار فإن أزمة أفريقيا تتمثل في الاحتكاك الذي تم مع الغرب مما أدى إلى انفصام ماضيها عن مستقبلها و بعيدًا عن الصورة السياسية و الاقتصادية الموجودة الآن و كمسألة ثقافية فإن الأزمة هي أزمة حضارية، فالأفريقي لأنه لا يعرف تاريخه و ثقافته و مستقبله بشكل جيدًا فهو لا يعرف إلى أين مصيره، و هو في حالة  فقدان لشخصيته و هويته خلال سعيه للحداثة و التغريب، كون أفريقيا غنية بالموارد و فقيرة من ناحية البنية التحتية و التنمية أمر غاية الإشكال و فهمه يحتاج تفكير عميق.

من هنا يمكن أن نقول أن احتياج الإنسان الأفريقي ليس للمساعدات الإنسانية و المادية بل احتياجه مرتبط بفهمه لثقافته و حضارته. يجب أن يفهم الأفريقي تاريخ أفريقيا ككل متكامل بربط فترة ما قبل الاستعمار و ما بعد الاستعمار مع بعضها البعض، بهذا يمكن للإنسان الأفريقي أن يفهم تاريخ و يدرسه بشكل جيد و يعرف من أين جاء و إلى أين مصيره.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة