الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : الباقي هو الصمت*

ترجمات خاصة : الباقي هو الصمت*

music-notes4

بقلم : ألدوس هيكسلي Aldous Huxley

بدءًا من محض الشعور إلى بداهة الجمال، من السعادة والألم إلى الحب والنشوة الصوفية والموت، كل الأشياء الجوهرية، كل الأشياء التي بالنسبة للروح البشرية هي عميقة الجلالة -يمكن فقط تجربتها واختبارها وليس التعبير عنها. والباقي دائمًا وفي كل مكان هو الصمت.

بعد الصمت تأتي أقرب الأشياء للتعبير عن ما هو غير قابل للتعبير: الموسيقى، (والصمت يبرز كجزء من التكوين الداخلي للموسيقى. بالمقارنة مع موسيقى بيتهوفن وموزارت فإن الدفق المتواصل لموسيقى فاغنر فقير جدًا من حيث الصمت. ربما ذلك أحد أسباب قلة أهميتها بالنسبة لأعمالهما. إنها ‘تقول’ أقل لأنها دائمًا تتحدث).

في مقام مختلف وفي كوكب آخر من الوجود؛ فإن الموسيقى هي المعادل لأخطر وأعصى تجارب الإنسان على التعبير. إنها تثير في ذهن المستمع تناظرًا غامض، وفي بعض الأحيان أطياف تجارب، وأحيانًا التجارب نفسها بكامل أثرها في الحياة -إنها مسألة كثافة، الطيف معتم، والحقيقة تشرف على الإحتراق. قد تثير الموسيقى كل هذا، لكن الصدفة أو التدبير هما من يقرر. لا قانون يحكم تقاطعات الفؤاد.

هناك خاصية أخرى للموسيقى (يشاركها إلى حد ما كل الفنون الأخرى) وهي أنها تستدعي التجارب والخبرات مثالية وكاملة (كاملة ومثالية أي باعتبار إمكانية كل مستمع على امتلاك أي خبرة) مهما كانت أصول تلك التجارب المستدعاة جزئية أو ملتبسة بصورة غامضة.

نحن ممتنين للفنان، وخاصة الموسيقي، ‘لأنه يقول بوضوح ما كنا نشعر به دائمًا وكنا عاجزين عن التعبير عنه’. بالاستماع للموسيقى التعبيرية، فنحن لا نملك تجربة الفنان الأصلية بالطبع (التي تتجاوزنا؛ لأن الشربات لا يُصنع من الفسيخ)، لكن نملك أفضل التجارب من نوعها والتي تستوعبها طبيعتنا -أفضل وأكمل من تلك التي حدثت لنا بالفعل قبل سماع الموسيقى.

قدرة الموسيقى على التعبير عن المستعصي اعترف بها أعظم الفنانين الحَرفيين/اللفظيين. إن الرجل الذي كتب Othello و The Winter’s Tale كان قادرًا على التلفظ بالكلمات عن كل ما جُعِلَت الكلمات للإشارة إليه، ورغم ذلك (أنا مدين هنا لمقال مثير بقلم ويلسون نايت Wilson Knight) رغم ذلك كلما كان لابد له من تبليغ عاطفة ذات طبيعة غامضة أو بديهة، كان شيكسبير عادة يستدعي الموسيقى لمساعدته لجعل ذلك ممكنًا. إن تجاربي المتناهية الصغر مع الإنتاج المسرحي أقنعتني أنه إذا أحسن اختيار موسيقاه فما كان ذلك ليكون عبثًا.

في المشهد الأخير من المسرحية المأخوذة من روايتي “Point Counter Point” -تأخذ مختارات من الحركة البطيئة من الرباعي الوتري لـ بيتهوفن المعزوفة على A Minor مكانها كمكون داخلي للدراما. لم تكن المسرحية لي ولا الموسيقى؛ لذلك لدي الحرية للقول أن تأثير Heilige Dankgesang عندما تم تمثيلها أثناء الأداء كانت، لعقلي على الأقل، معجزة.

“لو كان لنا عالم ووقت كافٍ…” ولكن هذه بالضبط هي الأشياء التي يعجز المسرح عن تقديمها لنا. من المسرحية المذكورة كان من الضروري حذف كل “المواجهة” الضمنية والمحددة/الظاهرة تقريبًا، والتي خففت أو على الأقل أردت لها أن تخفف حدة النقاط في الرواية. كانت المسرحية كلها قاسية ووحشية بصورة تثير الفضول. بدت Heilige Dankgesang عندما انفجرت في هذا العالم كبيان لشيء غير طبيعي. كانت كما لو أن إلهًا تنزل واقعيًا ومرئيًا؛ فظيعة ولكنها تبعث على الاطمئنان، مغلفة في سلام يتجاوز فهمنا بغموض، جمال إلهي.

ربما كانت روايتي The Book of Job**، ومحولها السيد كامبل ديكسون Mr. Campbell Dixon، كاتب ماكبث، لكن أيًا كانت إمكانياتنا، أيًا كان الألم الذي قاسيناه كنا نجد الأمر ليستحيل التعبير عنه تمامًا بواسطة الكلمات أو الأفعال الدرامية. ما فعلته تلك الدقائق الثلاث أو الأربع من عزف الكمان جعلت هذا التألق يتبين لأي مستمع حساس.

عندما كان لابد من التعبير عن المستعصي على التعبير، وضع شكسبير قلمه واستدعى الموسيقى. ولو فشلت الموسيقى؟ إذن، فهناك دائمًا الصمت لنلجأ إليه، لأنه دائمًا، دائمًا وفي كل مكان؛ الباقي هو الصمت.

– هامش:

* مقال مختار من كتاب لألدوس هيكسلي بعنوان Music At Night.

** هذا الكتاب The Book of Job هو ‘سفر أيوب’، ويقصد الكاتب قول “حتى لو كانت روايتي سفر أيوب” للمبالغة في وصف جودة الرواية، فهذا الكتاب معروف بجودته الأدبية منذ زمن قديم وغير محدد

عن يس المك

mm
قاص ومترجم من السودان