الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : التفكير مقابل الإدراك “الفروق عند حنة أردنت بين كيفية إنارة الفن و العلم لحالة الإنسان”

ترجمات خاصة : التفكير مقابل الإدراك “الفروق عند حنة أردنت بين كيفية إنارة الفن و العلم لحالة الإنسان”

hannaharendt

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

للفن و العلم – و بغض النظر عن تعاطفهم الإبداعي المميز- أدوار مختلفة بدون نزاع في التجربة الإنسانية. لكن السؤال حول اختلافاتها و كيف يؤثر ذلك هو السؤال الذي حاول الفلاسفة و الفيزيائيون الجواب عليه، و الذي بقي مصدر ارتباك ثابت.

و أحد أكثر الإجابات بصيرةً و إطلاعًا على الحياة كان من جواب حنة أردنت (المولودة في الرابع عشر من أكتوبر في سنة 1906- و المتوفاة في الرابع من ديسمبر في سنة 1975) المفكرة التي قاومت ضد لقب “فيلسوفة” عندما أنتجت و ابتكرت أفكارًا قوية و غير اعتيادية حول المواضيع المرتبطة بوقتها و بجميع الأوقات مثل: الكذب في السياسة، اندفاعنا في إظهار ذواتنا، قوة الانفصال عن المجتمع والغرابة عنه،الاختلافات الجوهرية بين الحقيقة و المعنى، و ما ستعنيه الحرية في الواقع.

عدت حنة أردنت في كتابها المؤثر الصادر سنة 1958 حالة الإنسان وظيفة الفن في حياة الإنسان: تحديدًا دوره في تهدئة اللهفة المتضادة و المتعارضة في استقرار العالم المعروف بالتغير الدائم.

حيث كتبت:

نظرًا لاستقرارها المميز و الواضح فإن الأعمال الفنية هي الأكثر حدة من بين كل الأشياء الملموسة في العالم، فاستقرارها غير ملموس تقريبًا بفعل تأثير التآكل للعملية الطبيعية لكونها ليست مادة للكائنات الحية لاستخدامها، و هو استخدام بعيد كليًا عن تحقيق هدفهم الأساسي – فالكرسي مثلًا يحقق الهدف عندما يُستخدم للجلوس – و الذي وحده يمكن أن يدمرها. بالرغم من أن استقرارها هو من المتطلبات شديدة الأهمية أكثر من كل ما تحتاجه الأشياء الأخرى حتى تُوجد، فهي يمكن أن تحافظ على استقرارها و ثباتها عبر العصور. ففي هذا الاستقرار لا يمكن مطلقًا لهذا الثبات الشديد للحيل البشرية التي استخدمها البشر و استفاد منها أن يكون أكيدًا و مُطلقًا و أن يحقق تمثيلًا و عرضًا لنفسه. لا مكان آخر ينحرف عن استقرار الأشياء التي تظهر في العالم بهذا النقاء و الوضوح، و لا مكان آخر أيضًا يطبق هذا الكشف عن الذات في العالم بشكل مدهش جدًا مثل المنزل غير البشري للبشر. يبدو الأمر كما لو أنه و بالرغم من الثبات العالمي أصبح متنقلًا في ثبات الفن، لذا أصبح هاجس الخلود وليس خلود الروح أو الحياة بل خلود شيء غير حي أرشفته و أبقته أيدي حية محسوس الحضور، ساطعًا و مرئيًا، مسموع الصوت، محكيًا و مقروءًا.

كما عدت أصل الفن ذاك الدافع الذي يمنح لهفتنا للخلود شكلًا:

إن المصدر المباشر للعمل الفني هو قدرة الإنسان على التفكير، فالأفكار مرتبطة بالشعور وتحول صمته و العجز اليائس عن التعبير كتبادل يحول الرغبة الجشعة العارية و الاستخدام و الذي يحول اللهفة اليائسة للحوائج حتى تكون جميعها مناسبة للدخول في العالم والتحول إلى أشياء، حتى تتجسد. في كل مثال تكون القدرة البشرية و التي بطبيعتها عالم مفتوح و متسامية بوضوح و متحررة باتجاه الشغف الحماسي بالعالم المحبوس في الذات.

إن التجسيد في حالة الأعمال الفنية هي أكثر من مجرد تحويل،هي تجلي، هي انسلاخ واقعي حيث هو الطبيعة التي تكمن إرادتها في أن كل النيران التي احترقت فأصبحت رمادًا يمكن أن تُلغى بل و حتى الغبار يمكن أن ينفجر و يتحول إلى لهب. يمكن أن يتحول هذا التجسيد بدون تفكير إلى شيء محسوس له ثمن دومًا وهذا الثمن هو الحياة نفسها.

لكن وبالرغم من أننا نجمع بين التفكير و المنطق والذي هو المادة الخام للعلم، فإن أرندت تعت على الخلط و بين التفكير و الإدراك، فقبل عقد و نصف من اكتشافها لكيف يعيق المنطق نفسه بوضع المثقف في طريق الفكر كتبت:

إن الفكر و الإدراك مختلفان. فالفكر الذي هو مصدر الأعمال الفنية واضح وبين بدون تحول أو تجلي في الفلسفات العظيمة، بينما العلم البارز في عملية  الإدراك الذي نكتسبه و نخزن فيه علمنا هو العلوم. يلاحق الإدراك دومًا هدفًا محددًا الذي يمكن أن يُحدد باعتبارات عملية و كذلك بـ ” الفضول الفارغ” و لكن متى ما حقق هذا الهدف تصل عملية الإدراك إلى نهايتها. بالمقابل فإن الفكر ليس له نهاية و لا هدف خارج ذاته، كما أنه أيضًا لا يُنتج حتى أي مُخرجات.

ينتمي الإدراك إلى كل شيء، و ليس فقط إلى عملية العمل الثقافي أو الفني – كالاختلاق نفسه-، فهو عملية ببداية و نهاية،و التي يمكن لمنفعته أن تُعرف، كما أنه وبالرغم من أنه لا ينتج أي مخرجات يمكن أن يفشل كما يفشل النجار في إتقانه عندما يخلق طاولة بقدمين فقط. إن عملية الإدراك في العلوم هي نفسها في الاختلاق،فالنتائج العلمية الناتجة عن الإدراك تُضاف إلى حيل الإنسان كغيرها من الأشياء.

و تجادل حنة بأن طبيعة الفن التي تتمحور حول كونه بلا هدف هي نابعة بشدة من هدفه:

إن نشاط التفكير قاسٍ و تكراري كما هي الحياة بذاتها، و يكمن السؤال إذا ما كان للفكر أي معنى في كل الأشكال هو سؤال يشبه الأحجية الدامغة كما هو السؤال عن معنى الحياة،فعملياته تخترق كل الوجود الإنساني مما يعني أن بدايته و نهايته متزامنة و مرتبطة ببداية و نهاية الإنسان نفسه.

 

 

عن عبير حماد

mm
مترجمة من الأردن أقرأ وأتطوع وأُترجم لجعل هذا العالم مكانًا أفضل للعيش .