الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : المعجمي

ترجمات خاصة : المعجمي

تعبان

بقلم : تعبان لو ليونق

ترجمة: يدجوك اقويت                         

إلى: اموس توتولا

عٌثر على المخطوطات الستّ التالية بالقرب من سرير الضحية (وجد ميتًا). هذه سيرته الذاتية، ترك المدرسة في سن السابعة، متحججًا أن الدراسة مضيعة للوقت. في الأشهر الثلاث التالية، نًشًر مقالات حظيت بالثناء المستحق بصحيفة “الضوء” وهي مرادفة بالطبع لصحيفتكم “الوقت”. لأسباب غير معلومة، ترك الكتابة ولم يٌسمع عنه منذ ذلك الحين. خصني بالمعلومات التالية لأنني الشخص الوحيد المداوم على زيارته. قال انه كتب العديد من القٍصص القصيرة، بمعدل أربع قصص في اليوم، لماذا لم تنشر؟ لان الناشرون لم يتجرءوا على نشرها. عندما فشلت في إلقاء نظرة عليهم، لعنت الناشرين وحسهم التجاري الحكومي الذي منعهم من نشر  قصص استثنائية، أو مكتوبة باستثنائية!

قد كان منشغلاً  كما قال- كان يُخطط ليصبح ديكتاتورًا على جزيرتنا، ديكتاتور مطلق لها. ما إن يصبح ديكتاتورًا، سيشرف شخصيًا على كتابة معجم “الياء”، اللغة الوحيدة على الجزيرة، يتحدثها مائة وخمس وعشرون ألف نسمة وتتألف من خمسين ألف كلمة. التواصل بيننا مع العالم الخارجي نادر جدًا، حيث لا مصالح تجارية تجذب الأجانب لجزيرتنا، وكلنا فخر بذلك. آخر ما يتمناه قاطني الجزيرة هو مغادرتها. حتى دون وجود ديكتاتور، كانت الجزيرة منعزلة كليًا عن العالم الخارجي، وفي ديوان الديكتاتور،بلغُ الانعزال أوجه.

بخصوص المعجم قبل أن أنسى، كانت، (وقد استخدم كلمة “هي” عندما كان يخاطبني) مكتوبة بطريقة مختلفة عن المعاجم الأخرى، وبناءً على فكرة الفرادة، كتبت ليكون المعجم الوحيد على الجزيرة. يتم إعطاء كل فرد نسخته مع بداية العام (شهر مايو) حسب توقيتنا، وكل قاطني الجزيرة ملزمون باستخدام الكلمات الواردة في المعجم فقط، وإلا واجهوا الموت.

كان من السهل اكتشاف المهرجلين. كل سبت، عندما يذهب سكان الجزيرة لاستلام قوتهم الأسبوعي من الطعام،  كان بالسوق أجهزة لاكتشاف ما يدور بخلدهم من كلمات جديدة أو أفكار مختلفة . بنهاية كل عام، تسلم النسخ القديمة للسلطات لتبدل بالجديدة، و تسحب من المعجم خمسمائة كلمة.

المخطوطة الأولى:

الحادية عشر مساءً- زرت دار الرياضة مساء اليوم، رأيت مُحاربين- ملاكمين، لم يرق لي ذلك.

الرابعة صباحًا- حلمت أنني ملاكم- يا للعار: أولًا، قُدّت لدار الرياضة. ثانيًا، دخلت. ثالثًا، ذهبتُ لغرفة اللبس (لا ادري لماذا تسمى غرفة اللبس، بينما في الحقيقة نتعرى فيها). هذه إحدى تناقضات العيش في ظل نظام آيل للزوال.

المخطوطة الثانية:

العاشرة مساءً-اليوم كنت بالشاطئ استحم. الكثير من النساء والرجال أيضًا، عارضين أجسادهم العارية للماء، الشمس والهواء. أحجام مختلفة، قصر وطول- صراحة كل هؤلاء قد لا يتمكنوا من استرداد أجسادهم من الفقد والضياع.

المخطوطة الثالثة:

الثالثة صباحا- اشعر بالتعب بعد كتابة نظريتي- اقصد إنجيلي الجديد. ذهبت لنزهة، دخلت صالة ما، كان هناك ارتال من البشر – موسيقي- اعتلت سيدة ما المسرح، كنت أظن أن لا سيدات هنا، لكنها كانت هناك على المسرح، تحمل مظلة أيضًا وتتماوج بغنج. ألقت المظلة- تقدمت-ألقت القبعة- تقدمت- الموسيقي صادحة. تخلصت من القفازات- تساءلت لماذا؟! لكنها استمرت في ما كانت تفعل،غافلة عن نظراتي المستجوبة، خلعت ثوبها، لامس شعرها أسفل ظهرها. عندما مالت للأمام غطى شعرها نهديها، كانت للنهدين صدرية مما تعني عدم احتياجها للتخفي خلف الشعر. تبقت لها ملابسها الداخلية فقط- رقصت باهتياج شديد. (للقصة بقية).

المخطوطة الرابعة:

الثالثة  والنصف صباحًا. اشعر بالنعاس، غير قادر على مواصلة السرد أعلاه بتسلسل وتناسق. أتذكر جيدًا أني طردت من أعلى المنزل الرابعة والنصف صباحًا.

المخطوطة الخامسة:

الرابعة ونصف صباحًا. طردت، ذاهب لمنزلي، اعترض طريقي أربع رجال عراة ملثمون. كانوا بلا مال،  أو أدوات كتابة، ولم يختبروا يوما متعة العيش طريدًا ليومين. إن شئت، كان بإمكاني أن اصنع لهم جميلًا ببدلتي وجيوبها، بنظاراتي ومقبضها وعلبتها إن وجدت. أو بساعتي، لفافتها وطوقها. حذائي بخيوطه والجوارب (ثقوبها ورائحتها يستحقون العناء كما يقال)- بنطالي (أزراره وثقب الأزرار أيضًا) والسوستة. حزامي، إن كنت املك واحدة-(حيث أنهم ضليعين في ذلك)- قميصي, وربطة العنق ومشبكها، الصدرية وملابسي الداخلية- لكنني لم أتمكن من فهم لغتهم.

المخطوطة السادسة:

 الخامسة صباحًا، حلمت الليلية الماضية أنني داخل فصل- محاضر (حلم الطفولة)، هناك أمام تلاميذي، دخل مخربون. حشد منهم تمتع بالجراءة لدخول الفصل ونعتي بالمديون. خلال ثوان استردوا كل ما أدين لهم بها، كل شي، كل قطعة، الأعواد والحشائش التي زعموا أني أخذتها منهم. واصلوا قضم بشرتي (ملمتر مربع-ملمتر مربع) بدءًا من أصابعي وأظافري. أحسست بالزوال الحتمي. لحسن الحظ، زلت سريعًا لأنهم كثر. توقفوا لبرهة قبل أن يهاجموا قلبي، حتى أنهم لفتوا انتباه تلاميذي المتحيرين لقلبي- قائلين انه “كان بإمكان قلبي أن ينقذني لكن……..”ضج الفصل بالاستهزاء قبل أن تكتمل هذه الجملة القدرية- واصلوا العمل مرة أخرى بحيوية متجددة، استخدموا مخالبهم، أسنانهم وحلوقهم الواسعة، كانت مهمة في غاية السهولة- مروا من الرئة للكبد والحلق والرقبة. عندما بلغوا راسي، أمروا ملاكها باسترداد ممتلكاتهم والرحيل. هؤلاء من سعوا للظفر بحواجبي، رموشي، لحيتي (أنا مثقف إن كنت لا تعلم) وأي شعر على وجهي واصلوا مهمتهم- أزاحوا الجلد عن وجهي (الأذن والأنف أيضًا)، فصلوا الفك الأسفل، اللسان والأسنان والحنجرة أيضًا. مخلوقين (أظنهم، رجل وامرأة) لعقوا عيوني، أكلوا جمجمتي. وحظي ديدان الأرض بامتياز التمرق في مخي.

خاتمة:

اذكر رجلًا اعتاد التهربُ من دفع الضرائب بادعاء الجنون. كان يُغني، يضرب على الطَبل ويرقص. وأخيرًا، ينهي العرض بمشاهدة نفسه يغني، يضرب على الطبل ويرقص .

ــــــــــــــــــــــــ

تعبان لو ليونق، روائي، شاعر و ناقد جنوسوداني. ولد بمدينة قولو بيوغندا عام 1934. درس بيوغندا ونال درجة الماجستير في الكتابة الإبداعية بأميركا.

حاضر في أقسام الآداب بعدة دول، يعمل حاليا بجامعة جوبا. نشر له أكثر من 14 كتاب، تتراوح بين القصة القصيرة، الرواية، الشعر و كتابات نقدية. طريقته الشاذة في الكتابة كانت ولازالت محط أنظار النقاد.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة