الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: الهواء الذي نتنفسه ملآن بالمفاجآت: لقد شكّل التاريخ، وزاد من قوة الحضارات، ورفّه عن الصبيان

ترجمات خاصة: الهواء الذي نتنفسه ملآن بالمفاجآت: لقد شكّل التاريخ، وزاد من قوة الحضارات، ورفّه عن الصبيان

سوزي2

حوار أجراه Simon Worrall مع الكاتب العلمي(1) Sam Kean

مترجم عن ناشيونال جيوجرافيك

ترجمة: سوزان عواد

لقراءة الحوار الأصلي (هنا)

 

      إن الغازات في الهواء حولنا غير مرئية، ولكن تأثيرها واضح بشكل مفاجىء؛ فعلى سبيل المثال، هل كنت تعلم أنه الآن، في هذه اللحظة بالذات، أنك غالباً تتنفس الهواء من آخر أنفاس يوليوس قيصر في 44 قبل الميلاد؟ أو الهواء السام الذي ألهم آينشتاين ليخترع الثلاجة؟ أو هل كنت تعلم أن هناك رجلاً أصبح محور الحديث في باريس بقدرته على السيطرة على غازاته الخاصة؟

      هذه بعض التفاصيل المدهشة التي ملأ بها سام كين الكاتب والباحث العلمي كتابه الجديد “نفس قيصر الأخير”. عندما التقت ناشيونال جيوجرافيك بــ كين في منزله بالعاصمة واشنطن، فسّر لي لماذا تحليل الغازات في الغلاف الجوي لكواكب أخرى هو أحسن طريقة لإكتشاف حياة ذكية، وكيف اخترع فيزيائي ألماني حرب الغازات التي قتلت الآلاف في الحرب العالمية الأولى، وتستمر في إزهاق الأرواح في سوريا اليوم، وأيضاً شرح لي لماذا إطلاق ثاني أكسيد الفضة في الغلاف الجوي قد يكون أفضل طريقة لتقليل الإحتباس الحراري.

      س/ إن فكرة أننا قد نستنشق آخر نفس أخرجه القيصر وهو يموت، هي خيال لطيف لعنوان كتاب، ولكنها ليست فكرة علمية. أليس كذلك؟

      ج/ يمكننا القول، إنها فكرة منطقية. إنها تعتبر نتيجة حتمية لــ أ (كم جزئية تستنشقها في كل مرة تتنفس)  ب (لكم من الوقت ستستمر هذه الجزيئات في غلافنا الجوي). إنه ليس شيئاً مؤكداً أن كل نفس تتنفسه ستصل إليك واحدة من هذه الجزيئات ولكن بالقياس، إنه من الحتمي أنك ستستنشق بعضاً من هذه الجزيئات على مدار اليوم.

      في درجة حرارة الغرفة والضغط الطبيعيين، تتنفس حوالي 25 سيكيلتون جزيء في كل نفس: هذا يساوي 25 وبجانبها 21 صفر. بالتأكيد رقم هائل! إذا أخذت كل إنسان يعيش اليوم – السبعة بليون شخص – وتصورت كل فرد منهم لديه 7 بليون حفيد، وضربت السبعة بليون في سبعة بليون، لا زلت لم تصل إلى العدد الصحيح وأقل بــ 500 مرة. أنت تتنفس هذا العدد كلما شهقت. عندما أخرج قيصر نفسه الأخير تناثرت كل هذه الجزيئات وانتشرت حول الأرض، أولاً مع مجموعة رياح في مدى إيطاليا ثم على نصف الكرة الشمالي في حوالي سنتين، مع الأخذ في الاعتبار تيارات الهواء ومداراته، سيكون هذا النفس انتشر حول العالم كله.

      س/ أنت ذكرت في كتابك أن “الهواء قد شكّل ما هو أكثر من أساسيات الأحياء – لقد شكّل الحضارة الإنسانية أيضاً. زدنا ببعض التفاصيل عن ذلك. 

      ج/ أولاً عليك تخيّل فكرة (البخار): قدرتنا على استخدامه، أو استخدام الغازات عموماً لنحرك أشياء. كان هناك الكثير من العناصر للثورة الصناعية، ولكن أهمها كان الحصول على القوة، والبخار كان أكثر الأساليب شيوعاً لتشغيل المحولات، السفن البخارية، والقاطرات التي قادت الثورة الصناعية.

      المتفجرات كانت شيئاً آخراً مهماً للغاية، تفجير أنفاق القطارات أو أي مشروعات بنائية أخرى، كان يعتمد على المتفجرات، وهي مجرد طريقة أخرى لتسخير قوة الغازات واستخدامها بطريقة منتجة. بنفس الطريقة، كانت ثورة الصُلب (الفولاذ): فقد كانت الفكرة التي نشرها هنري بسمر حول العالم هي أن تستخدم الهواء لتصل داخل الحديد، وتستخرج جزيئات الكربون، فتحولّ الحديد إلى معدن أقوى وأكثر ليونة نسميه اليوم (الفولاذ).

      س/ إنها المئوية الخاصة بنظرية آينشتاين للنسبية، ولكنني أشك في أن قلّة قليلة فقط من قُرّائنا تعلم أنه أيضاً ساعد في اختراع الثلاجة. كيف يندمج هذا مع قصة فيزيائي عظيم؟ 

      ج/ [ضاحكاً]، إن هذا هامش غريب في قصة آينشتاين. في هذا الوقت كان يمرّ بطلاق وزواج جديد، فكان لديه عائلتين ليعيلهما، وكان وضعه الماديّ صعباً ويحتاج لمصدر دخل زائد. وفي يوم قرأ قصة عن عائلة ماتت مختنقة بسبب أن الثلاجة في شقتهم كانت تُسرب، والغازات التي كانوا يستخدمونها في الثلاجات وقتها كانت كلها مسممة. ففكر أن هذا رهيب ودعا صديقه ليو سيزلارد، وقال: “بالتأكيد يوجد طريقة أفضل من هذه، هيّا بنا نحاول أن نخترع شيئاً”. وبهذا جلس الاثنان معاً وصمما نوعاً جديداً من الثلاجات التي تستخدم سائلين غير ساميّن معاً.

      للأسف، كانت مجموعة منافسة لجنرال موتورز تعمل على الثلاجات أيضاً، ولحل مشكلة الغازات السامة، اخترعوا ما نعرفه الآن باسم (الفريون). كان هذا غاز أكثر أماناً، وأيضاً جيد في التجميد. مؤخراً فقط عرفنا أن الفريون سيء للغاية، فقد كان يأكل طبقة (الأوزون) وبهذا ساعد في خلق ثقب الأوزون وظهور الاحتباس الحراري. كان العالم سيكون مكاناً أفضل بكثير لو كنا استمعنا لـ آينشتاين واخترنا تصميم الثلاجة الخاص به، ولكن هذه ليست الطريقة التي اختارها التاريخ.

      س/ إنك أشرت إلى عالم ألماني آخر وهو فريتز هابر، على أنه واحد من أكثر الشخصيات تعلقاً بفاوست في تاريخ العلم. أخبرنا عن إنجازاته – ولماذا قد ترجع الهجمات بالكلورين في سوريا الفترة الأخيرة له؟

      ج/ إن هابر واحد من هذه الشخصيات المزدوجة في العلم، فقد فعل بعض الأعمال العظيمة جداً والأخرى السيئة جداً، التي لا تزال ترهبنا حتى اليوم، فقد كان الشخص المسئول تماماً عن عملية هابر، التي تتلخص في استخلاص النيتروجين من الهواء وتحويله إلى أمونيا، والتي استخدمت لاحقاً في المخصبات التي تساند اليوم بلايين الناس حول العالم.

     للأسف الشديد مع هذا الإرث العظيم، كان أيضاً واحداً من الأشخاص الأساسيين المساهمين في إختراع حرب الغازات أثناء الحرب العالمية الأولى، لقد كان هناك حرب بالغازات قبل اختراعه لكنه حولها بإستخدام الكلورين ومواد أخرى إلى هذا الشيء البشع الذي نسمع عنه الآن. فعندما نسمع عن هجمات بغازات سامة في سوريا، يمكننا أن نقتفي أثرها رجوعاً إلى هابر منذ مائة عام.

      س/ من الحقائق التي استمتعت بها للغاية في كتابك أن “الفرد البالغ يخرج حوالي ثلاث بينتات (2) من الريح يومياً، في حوالي 20 حزمة”. أخبرنا عن علم إخراج الريح والحالة المدهشة الخاصة بــ لي بيتومان(3).

      ج/ [ضاحكًا]، إن هذا واحد من المواضيع التي توقت أن يكون الجميع فضوليين حولها. إنها تقريباً الغازات التي نصادفها كل يوم. أحد الأفكار المغلوطة أن الميثان هو الجزيء المسئول عن الرائحة السيئة للغازات، ولكن هذا ليس صحيحاً، فالميثان غاز قابل للإشتعال وبلا رائحة. أغلب الرائحة تكون بسبب جزيئات أخرى مثل (الميثانيثيول)، و(الديميثيل سلفات)، المرتبطين بالميثان ولكنهما ليسا نفس الشيء.

      في عام 1900، كان المؤدي الكوميدي ذو الراتب الأعلى في مولان روج هو جوزيف بوجول، الذي كان لديه القدرة لإستنشاق الهواء من مؤخرته ثم إخراجه في شكل ريح، [يضحك]، لم يكن بمقدوره أن يفعل هذا فقط، بل أيضاً تقليد الطيور والكلاب والحيوانات والأدوات الموسيقية، وشم دخان السجائر ثم إخراجه مرة أخرى. لقد أحبه الكثيرين من رفيعي الثقافة، فرويد ربما يكون احتفظ بصورة لــ (لي بيتومان) على حائط غرفته راسماً عليها عندما كان يطور نظريته بخصوص التشبث الشرجي، رينوار، ماتيس، سارة برنار، والملحن موريس رافال، كلهم عشقوه!

      س/ إن فكرة التصالح مع الغلاف الجوي لمنع الجفاف والأعاصير انتشرت منذ فترة. حدثني عن بعض التجارب، وإذا كان بمقدور هذه التقنيات مساعدتنا في ابطاء الاحتباس الحراري.

      ج/ إن فكرة التحكم في المناخ قد أصبحت موضة ثم زال الاهتمام بها خلال القرن العشرين. في الماضي نثر العلماء (أيوديد الفضة) على السحاب، آملين أن قطرات المطر ستندمج بـ (أيوديد الفضة) لتشتدّ كفاية وتسقط في شكل أمطار؛ فتكون متوفرة عند الحاجة. حتى أنهم فكروا في السيطرة على الأعاصير والعواصف الكبيرة الأخرى بتفريقهم قبل وصولهم الأرض.

      أما الآن فمعظم علماء القياس لا يعيرون الانتباه إلى هذه الأفكار، ففكرة السيطرة على المناخ تعتبر الآن مزرية، ولكنها قد تنجو في شكل مختلف، وهو السيطرة على الإحتباس الحراري. الفكرة الجديدة هي نثر شيء يماثل (ثاني أكسيد الفضة)، في أعلى طبقات الجو مما يجعله يعكس ضوء الشمس مرة أخرى إلى الفضاء، وبالتالي يجعل هذا الأرض أكثر برودة. إنها بلا شك فكرة مختلفة عن التحكم في الأمطار ولكنها لا تزال تتصالح مع الغلاف الجوي لتعطي الإنسان القوة على مستقبل المناخ والطقس.

      س/ بالقرب من نهاية الكتاب تضع هذا السؤال: “ما هي الأنواع الأخرى المختلفة من الهواء الموجودة بالفضاء الخارجي؟ أي هواء يتنفسه الفضائيون؟”. أجب عن سؤالك يا سام، واشرح لنا لماذا أحسن طريقة لإيجاد حياة ذكية هي دراسة الغلاف الجوي للكواكب الأخرى؟   

      ج/ كما يعلم معظم القراء، أننا بدأنا في اكتشاف كواكب بجانب نجوم أخرى، بعض منهم يشابه الأرض، والسؤال الأكبر، هل توجد حياة على هذه الكواكب؟ وبما أن إرسال أي استطلاع إلى هناك، لن يعود في الوقت الذي يسمح لأي من في وقتنا الحالي بفحصه، فبالتالي الطريقة المناسبة الوحيدة هي، فحص الغلاف الجوي.

      فسنبحث عن غازات نظن أنها تساند وجود أشكال الحياة، كانت هناك فكرة لمدة معينة، أننا إذا وجدنا أكسجين خالص، ستكون هذه علامة مؤكدة على وجود حياة، لأن أغلب الأكسجين هذه الأيام يستخرج من النباتات والكائنات الحية الأخرى. ولكن، العثور على الأكسجين وحده لن يكون كافياً لنقول أن هناك حياة على الكوكب. ما سنبحث عنه، هو مجموعة من الأكسجين وجزيئات أخرى، فمثلاً، كمية كبيرة من الأكسجين والميثان تعتبر إشارة كافية أن هناك شيئاً ما ينتجهم بشكل دائم، والحياة هي أكثر الاحتمالات لإنتاجهم.

      يمكنك أيضاً أن تقفز إلى الجانب الآخر من الخيال، وتحاول أن تتحقق من وجود حياة أخرى ذكية، عن طريق البحث عن غازات لا يمكن أن تنتج من عملية بيئية مثل الفريون، الكلورفلوروكربون، أو الملوثات الأخرى التي تصنعها الحضارات المتقدمة كمنتجات، هذان هما الجانبين الموجودين للتخيل الذي ننظر إليه.

      س/ ما أكثر شيء فاجاءك وصدمك خلال بحثك لهذا الكتاب؟ 

      ج/ عندما نفكر في الغازات، نفكر في الأكسجين والنيتروجين، لأن هذان الغازان يشكلان معاً حوالي 99% من كل الجزيئات التي نتفنسها، وكنت أفكر ماذا أيضاً سأقول عن 1% المتبقيّة، ولكن كلما تعمقت في البحث وجدت أن هذه الغازات الأخرى، التي تشكّل نسبة صغيرة من الهواء، لها تاريخ أثري إذا بحثت أعمق.

      إنني أقارن هذه الغازات الأخرى بالجزيئات التي تعطي النبيذ مذاقه المعقد، جزيئات المياه في الكحوليات، تصنع أغلب الجزيئات في النبيذ، ولكن لا يمكن أبداً أن تقول أن المياه والكحول هما فقط الموجودين في النبيذ، فأنت تحتاج كل الجزيئات الأخرى حتى تصل إلى هذا الطعم الفريد.

      إنها نفس الحالة في الهواء، إذا كنت تتكلم عن التخدير، المبردات، النتائج العرضية الناتجة من الإنفجار النووي، أو حتى صنع الصلب، هذه الجزيئات تكون مهمة للغاية، إن أكثر شيء صدمني، أننا نستنشق كل هذه الغازات المختلفة ولكننا لا نفكر في الدور الذي يلعبونه ليس فقط في الحياة البشرية، ولكن للحضارة البشرية نفسها.

__________

(1) سام كين، كاتب علمي، ولد في ساوث داكوتا وتلّقى تعليمه بمينيسوتا- مقيم بواشنطن، له عدة مؤلفات أشهرها الملعقة المختفية، والذي رشحته الجمعية الملكية لأحد أهم الكتب العلمية للعام 2010، وكتاب إبهام الكمان وكان المرشح النهائي لجائزة الكتابة الأدبية للعلوم، وكتاب  مبارزة الجراحين وكتاب النفس الأخير لقيصر عن أسرار الهواء من حولنا.. تتميز كتابات كين بأنها تتناول الجوانب العلمية بطريقة سردية أدبية، ففي كتابه الملعقة المختفية يحدثنا عن اسرار الجدول الدوري للعناصر، وفي كتاب إبهام الكمان يحدثنا عن الحب والحرب والعبقرية كما كتبها قانوننا الوراثي، أما كتابه مبارزة الجراحين، فيكشف لنا أسرار الدماغ البشري. تصدرت كتبه المبيعات على موقع أمازون. وله مقالات علمية على نيويورك تايمز ، ولائحة، وعلماء جدد، وعلم النفس اليوم. من أطرف ما يروى عنه أنه كان يهوى تجميع الزئبق من الترمومترات الطبية المكسورة.

(2) بينتات هي وحدة حجم أو قدرة في أنظمة القياس، وهي كلمة فرنسية الأصل، تعود جذورها اللاتينية لكلمة بينكتا، بمعنى رسمت، وتعني العلامات التي ترسم على جانب حاوية لإظهار السعة.  ويختلف البينت البريطاني عن البونت الأمريكي، فالأول زيادة عن الثاني بما يقرب من 20% .

(3) لي بيتومان، بالفرنسية Le Pétomane وتنطق لوبيتسمان، وهو اسم يطلق على مهنة الإضحاك بإخراج الغاز المعوي (فارتور) أو فلاتوليست أو فارتيست وارتبطت المهنة بإسم الفرنسي جوزيف بوجول لبراعته في التحكم بغازاته لحدّ تقليد أصوات الطيور والآلات الموسيقية.

عن سوزان عواد

mm
مترجمة من مصر