الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: جانيت وينترسون تتحدث عن قدرة الفن والسرد القصصي على تحرير كل ما يجول بدواخلنا

ترجمات خاصة: جانيت وينترسون تتحدث عن قدرة الفن والسرد القصصي على تحرير كل ما يجول بدواخلنا

رشا

“العمل الإبداعي يتخطى الأزمنة لأن الطاقة التي يملكها ليست مقيده بزمن معين… وهذا ما يجعلنا نتحمل فكرة بأننا سنموت في يومٍ ما”

بقلم: ماريا بوبوفا

ترجمة: رشا عبدالله المالكي

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

 

     قال ساول بيلو في خطابه المذهل حين استلامه لجائزة نوبل “وحده الفن يتسلل عبر الوقائع الظاهرة في هذا العالم. هنالك واقع مختلف عن البقية، صادق وغير مزيف ولكننا لا ننتبه لوجوده. دائماً يرسل لنا إشارات، ولكن لا نستطيع إدراكها بدون وجود الفن”.

      قليلٌ هم الكتاب الذين تحدثوا ببلاغة وحماس عن أهمية ذلك الواقع في حياة الإنسان، كما تحدثت عنه جانيت وينترسون، والتي امتلكت بصيرة تميزها عن غيرها، حيث طرحت سؤالاً، وهو كيف يقوم الفن بتغيرنا؟

     وقد ابحرت وينترسون في جوانب هذا السؤال المتعددة في حديثها الرائع الذي قدمته في مهرجان ايدينبرغ للكتاب في عام ٢٠١٠.

    قبل سبعين عاماً، أصرت ريبيكا ويست على أن “الفن ليس شيئاً لتعبث به، بل رغبه وضرورة… مثل كوبٍ تملئه بالحياة ثم تضعه بين شفتيك لتتذوقها”، فقامت وينترسون بطرح السؤال الذي يناقش اهمية وجود الفن مع دحضٍ قاطع للتهم الساخرة التي وجهت له، والتي تصفه بأنه مجرد رفاهية، وشيء كمالي لتفصله عن العالم الحقيقي: “يعتبر الفن راحة لنا جميعاً لأنه في الواقع هو عالمنا الحقيقي، فهو الواقع الذي نفهمه بعمق… الحياة تملك كياناً وجودياً كما تملك كياناً خارجياً، وفي زمننا الحالي، يتم الاهتمام بالكيان الخارجي، وإهمال الكيان الوجودي… يمكننا أن نهرب للكتب والصور، للموسيقى، الأفلام والمسرح، فنجد كلاً من التحرير وبعض الراحة لما يجول في دواخلنا، لذلك المكان الذي نعيش فيه حقاً ونقضي فيه الكثير من الوقت…

     جميعناً نملك حياة تقبع في دواخلنا، وتلك الحياة تحتاج أن نقدم لها الاحترام والرعاية. لذلك لا يمكننا تصنيف الفن كرفاهية – لأنه لو كان كذلك فهذا يعني بأن كونك انساناً يعد رفاهية بحد ذاته، أو بقائنا على ماهيتنا الحقيقية يعد كذلك. فالحياة ليست مبنية على المصلحة والانتفاع فقط، بل على المشاعر والمخيلة ايضاً. لابد بأن تكون مبنية على تقبل كل شيء على ماهيته الحقيقية حتى تكون رحلتنا في هذه الحياة ذات معنى، وليست مجرد شيء نحاول اتمامه بسرعه حتى ينقضي يومٌ آخر، أسبوع آخر، أو شهر آخر، مما يؤدي إلى توليد ضغطٍ يلازمنا…

     قراءة الكتب تساعدك كثيراً لتهدأ وتسترخي، فلديها القدرة على تنظيم تنفسك، وإعادته لوضعه الطبيعي، وتمكنُك من ملئ المساحة التي تملكها، ولم تتحكم بها مصالح أو اناسٌ آخرون بشكل كامل”.

     وتوافقاً مع ملاحظة الكاتب تشينوا اتشيبي، التي تنص على أن السرد القصصي يساعدنا على النجاة من مصاعب الماضي، ومع مفهوم جيمس بالدوين عن الفنان، حيث وصفه بـ”مؤرخاً عاطفياً وروحياً”، تتأمل وينترسون في قدرة السرد القصصي على مساعدة كل فردٍ منا على النجاة من ماضيه الخاص فتقول: “هنالك قصص تستطيع كتابتها، وقصص لا تستطيع كتابتها. وفي النهاية تقوم بكتابة القصص التي تستطيع كتابتها، وبالتالي تساعدك على تقبل وتحمل القصص التي لا تستطيع كتابتها. ولا أرى أي شيءٍ مضر في هذا الأمر، بل وبكل بساطة تعتبرُ وسيلةً للنجاة. كما أنها الطريقة التي تساعدنا على إطلاق قوتنا في هذا العالم عوضاً عن الغرق والقلق تماماً في كل ما يحصل معنا. فعندما نقوم بكتابة تلك القصة، وبالطريقة التي نذكر فيها كل ما مررنا به، نقوم باعتناقها وتقبلها بدلاً من الضياع بلا حول ولا قوة، غارقين فيها”.

     وبعد أكثر من عشرين عاماً من ابداء ادريان ريتش لملاحظتها التي تنص على أن “الشعر لديه القدرة على فتح حُجَرٍ ملآه بالإمكانيات، دب المشاعر في مناطق خدرة، وإشعال الرغبة”، تتحدث وينترسون عن قوة الشعر على إعطاء دواخلنا الصامتة صوتاً وابعاداً: “تخذلنا اللغة في الأوقات التي نمر بها بحزن شديد، في أوقات اليأس، وفي أوقات الضغط. ما الذي يجب علينا قوله، وأين يجب علينا البحث عن الكلمات المناسبة، والتي ستجعلنا نتحمل الألم الذي نمر به؟

     لهذا أعود دائماً للشعراء، أو لبعض النصوص المفضلة لدي، لأنني أجد فيهم الكلمات المناسبة. فيبدو الأمر وكأنما قام أحدهم بالغوص في أعماقي لينتشلها ويحضرها للسطح عندما احتاجها، ليقوم بالغوص بها مجدداً في اعماقِ مكانٍ يخلو من الكلمات، مكانٍ سيء لا تصل إليه اللغة، حيث لا يمكننا التعبير أو الكلام. والسبب الذي يجعلنا نثق بكُتابِّنا، شعرائنا وفنانينا، هو بأنهم يملكون القدرة على الغوص عميقاً لذلك المكان وإحضاره للأعلى حتى تتمكن من إيجاده، حتى لا تبقى بدون لغة، حتى لا تبقى عالقاً في ذلك المكان السيء حيث لا يوجد شيء تستطيع قوله.

    فمن الجيد جداً احتفاظنا بتلك القصائد والنصوص في داخل عقولنا لنتمكن من إيجاد لغة نستخدمها في اوقاتٍ كهذه، لأننا لا نستطيع الثقة بالعبارات المبتذلة من المسلسلات التلفزيونية، أو الأخبار الصحفية المسجلة. لا نستطيع الثقة بهذا الكم من المعلومات الخالية من المعنى التي تغزونا كل يوم. يجب علينا إيجاد لغة تلائم المشاعر التي نشعر بها لأجل الأشياء الحقيقية في حياتنا، والأشياء التي تعني لنا الكثير. وهذا يحدث فقط من خلال الأدب والشعر، فلغتهم تملك اشد انواع القوة وأقصاها. هي ليست لغة مصطنعة أو مزيفه، ولكننا لا نستطيع إيجادها في محادثاتنا التي نجريها في حياتنا اليومية، بل لغةً تتسم بالعمق والصدق لأنها تخاطبنا في مواقف تماثلها عمقاً وصدقاً”.

    وفي لحظة تذَّكرِها لتعريف جاين هيرشفيلد الرائع الذي تصف فيه الشعر بـ”توضيح وتعظيم لكينونتنا” اضافت وينترسون قائله: “تحتاج لاستحضار تلك اللغة عندما تمر بلحظة صعبة حتى تتمكن من خلق لغتك الخاصة من خلالها. وبهذا يصبح الأمر شبيهاً بمعالجة الهوميوباثي، أليس كذلك؟ فأنت تحتاج إلى كمية هوميوباثي قليلة من الشعر، كسطر واحد أو حتى كلمة، فبالرغم من بساطتها، لديها القدرة على إحداث تأثيرٍ عظيم في جسدك ونفسك”.

     طرحت وينترسون في كتابها الرائع لماذا تصبح سعيداً بينما يمكنك أن تصبح طبيعياً؟ فكرة الانتماء وكيف نستطيع انقاذ أنفسنا من خلال السرد القصصي، فقامت بالتحقيق بشكل أدق في دور الفن الفعال في العمل كوسيط بين الركيزتين الأساسيتين لحياة الإنسان، وهما الوعي والوقت، فتضيف قائله: “العمل الإبداعي يتخطى الأزمنة لأن الطاقة التي يملكها ليست مقيده بزمن معين. فلو كان مقيداً بزمنً معين لما أصبح لدينا اهتماماً للفن الذي خُلق في الماضي، باستثناء رؤيته كجزء من التاريخ أو فقط لتوثيقه، لكن اهتمامنا بالفن يكمن في اهتمامنا بأنفسنا، في الحاضر وإلى الأبد. فالروح البشرية خالدة، وهذا ما يجعلنا نتحمل فكرة بأننا سنموت في يومٍ ما. الحياة + الفن تولد مشاركة وصلة مع الموتى، فبالتالي يكون هذا المزيج متجانساً مع الوقت”.

عن رشا المالكي

مترجمة من السعودية، أرى في الكتابة تجريداً للروح وتطهيراً لها، وفي القراءة خلقاً للحياة فيها، فأكتب حيناً واترجم حيناً آخر.