الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: حكمة الأشجار: عما تعلمنا إياه صديقاتنا الصامتات عن البقاء بدلًا من الظهور عند “والت وايتمان”

ترجمات خاصة: حكمة الأشجار: عما تعلمنا إياه صديقاتنا الصامتات عن البقاء بدلًا من الظهور عند “والت وايتمان”

arthurrackham_grimm5

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

كتب هرمان هيسه في رسالة الحب الغنائية التي وجهها لرفيقاتنا الأشجار: “حين تعلمنا كيف ننصت للأشجار حقق الإيجاز و السرعة و العجالة الساذجة لأفكارنا متعة لا تُضاهى”. و قبله بجيلين مدح شاعر عملاق الأشجار لا كمصدر للمتعة فقط بل كمصدر للحكمة الأخلاقية غير المعروفة و النموذج غير المرجح و لكنه في الوقت نفسه هائل وضخم لما هو الأنبل في شخصية الإنسان.

في عمر الرابعة والخمسين وبعد عقد من تطوعه كممرض في الحرب العالمية عانى والت وايتمان من سكتة دماغية خطيرة تركته مشلولًا، واستغرقه الأمر سنتين حتى يتعافى بمساعدة عظيمة في فترة نقاهته، ليؤمن حينها بتعميده بالطبيعة وقوتها الشفائية. حيث كان جذلًا حين قال: “كيف تنتعش كلها تهدهدني،بالطريقة الأكثر حاجة لها: الهواء المفتوح،حقول الجودار،بساتين التفاح”.

في السنوات التي أعقبت إصابته بالسكتة غامر وايتمان كثيرًا بالذهاب إلى الغابات “المكان الأفضل للتأليف”. و في أحد أيام الصيف المتأخرة من سنة 1876 وجد نفسه أمام إحدى عجائبه المفضلة من الأشجار: “شجرة حور صفراء حسنة” ترتفع تسعة أقدام لتبلغ عنان السماء،واقفًا على جذعها الذي يقارب طوله الأربعة أقدام تأمل أصالة الأشجار الحصينة مضادًا بذلك ما سترثيه حنة أردنت بعد قرن ما سمته “نزعة الإنسان إلى الظهور بدلًا من الوجود”. و في إحدى تأملاته في نهاية صيف 1876 كتب وايتمان:

كم هي قوية،حيوية،ثابتة ! كم هي جزلة بصمت ! أي شكل من أشكال رباطة الجأش تمثله و الوجود على النقيض من صفة البشر بالظهور المحض. و عندها فإن الصفات الشعورية للأشجار تقريبًا فنية و بطولية بصورة واضحة، وساذجة جدًا وغير مؤذية ولكنها همجية أيضًا ! إنها مع ذلك لا تقول شيئًا.

حوالي قرن ونصف قبل كشف الباحثين للعلم المدهش لما تشعر به الأشجار وكيف تتواصل أضاف وياتمان:

يهزأ العلم (أو فلنقل نصف ما وصل له العلم) بذكرى حوريات الغابات أو حوريات الشجر وقدرة الأشجار على الحديث. و لكن إذا لم تكن الأشجار كذلك فإنها تمارس ذلك كما يمارس البشر الكلام، الكتابة، الشعر، الموعظات أو ربما أنها تمارس كل ذلك أفضل بكثير من البشر. علي أن أقول ببساطة أن ذكرى هذه الحوريات حقيقية كأي ذكرى و عميقة أكثر من أي ذكرى أخرى نملكها.

و يعد وايتمان حكمة الأشجار الهادئة كنموذج لشخصية البشر فيقول:

اذهب واجلس في أيكة أو غابة بصحبة واحدة أو أكثر من هذه الرفيقات الصامتة واقرأ ما سبق وفكر.

strangetrees4

إحدى الدروس المنتمية للشجر على الأرجح الدرس الأخلاقي الأعظم من الأرض الصخور والحيوانات هو نفس الدرس الفطري لما يعتبر على الأقل ما يجب أن يقوله الرائي (أو الناقد) أو ما يعجبه أو لا يعجبه. أما ما هو أسوأ: المرض العام الذي يجتاح كل واحد منا، يجتاح أدبنا وتعليمنا وأفعالنا تجاه بعضنا البعض (بل وحتى تجاه أنفسنا) أكثر من المشكلة المرضية المتحورة حول الظهور (التي تبدو مؤقتة) وليست مشكلة بالنسبة للجميع، أو بالكاد للعاقل، لبطيء النمو، للسرمدي، للأجزاء الحقيقية من الشخصية، للكتب، للصداقة، للزواج، للأسس البشرية الخفية و للترابط؟ (حيث أن كل الأساسات،الأعصاب، العاطفة المتقدة، الاكتمال في البشرية كلها تمنح طابعًا لكل شيء هو بالضرورة مخفي).

عن عبير حماد

mm
مترجمة من الأردن أقرأ وأتطوع وأُترجم لجعل هذا العالم مكانًا أفضل للعيش .