الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : دوغلاس كوبلاند ” الكتابة على متن طائرة من الدرجة الأولى “

ترجمات خاصة : دوغلاس كوبلاند ” الكتابة على متن طائرة من الدرجة الأولى “

douglas-coupland-001

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

اعتدت أن اكتب كل صباح بانتظام، ولكن في ربيع عام 2010 كنت في زيارةٍ إلى أحد مصانع الموجهات الشبكية في شنغهاي في حي “بودونغ” في الصين وشهدت آلاف العمال وهم يرتدون تلك الملابس الزرقاء المخضّرة, ويصنعون تلك الأجهزة التي ستقفز بالصين عاليًا في مجال الاتصال التكنولوجي لتسبق جميع الأمم الأخرى في النظام العالمي الجديد، وبعد رؤية هذه الصورة الحية أدركت برفق أن العالم يتغير على نحوٍ أسرع مما كنت أظنه،  وأنه من الأفضل أن أعيد تنظيم أوراقي الإبداعية حتى أواكب هذ التغيير.

وجهت لنفسي بعض الأسئلة: كيف يمكن أن أصبغ الأدب بذلك الإحساس الغريب بأننا في بلاد العجائب الذي نشعر به جميعًا عندما نكون على الإنترنت؟ كيف يمكن للكتابة أن تنافس شركة نتفلكس؟ وكيف يمكن لي أن أضغط المشاعر في أقل عددٍ من الكلمات: ليس فقط في صفحة ولكن شيء يمكن للناس قراءته في سيارة تسير بسرعة 50 ميلاً في الساعة؟

وللقيام بذلك قلبت رأسًا على عقب روتينًا للكتابة دام معي 20 عامًا؛ فلا مزيد من ساعات الصباح السلبية، وانتظار الكلمات بهدوء: كلمات قد تأتي أو لا تأتي تبعاً للمزاج؛ ولا مزيد من القدرة على التنبؤ؛ فبدلاً من الجلوس هناك بشعور الحنين إلى عقليتي قبل استخدام الإنترنت، حاولت معرفة كيف أصبحت عقليتي الجديدة وكيف يؤثر ذلك على كتاباتي؛ ولذلك إذا سألتني كيف يبدو روتين الكتابة عندي؟ فليست لدي إجابة محددة، مجرد مجموعة من الاتجاهات التي تحدد طريقتي الجديدة في الكتابة.

أولاً: أكتب معظم كتبي في الطائرات؛ فأنا أكون فعلاً في قمة سعادتي عندما أكتب على متن طائرة، فأنا أكتب هذه الكلمات على متن طائرة في الوقت الحالي: خطوط “لوفتهانزا” رحلة 1436 من فرانكفورت إلى سان بطرسبرج؛ ولا يوجد واي فاي (إنه ملاذ!)، وأشعر بذلك الشعور الذي لا يبدو سيئًا: الشعور بأنك ليس لك جنسية في عهد معاهدة شنغن التي على وشك أن تنتهي، ذلك النوع من التنقل عبر الحدود دون قيود الذي تروج له مجلة “مونوكل” بدقة، إنه مكان في الفضاء حيث تجد جميع الرجال يرتدون ملابس ضيقة, وجميع السيدات يرتدين أثوابًا سوداء قصيرة, ويعُدن إلى مكاتبهن بعد إنهاء يوم عمل في السفارة للقيام ببعض البرمجة بلغة C++ في الساعات المتأخرة من الليل.

في الطائرة:                                            

المضيفة: هل ترغب في كوب من الماء مع الفودكا؟

أنا: لا، فلماذا وُجدِت مكعبات الثلج إذًا؟

ثانيًا: أكتب الكثير في غرف الفنادق، خصوصاً إذا كان هناك موعد نهائي؛ في الواقع، بعد أن انتهيت من كتابة الفقرة السابقة هبطت الطائرة، وأنا الآن في فندق سانت بطرسبرغ الذي يحتوي على شبكة واي فاي ممتازة وتصميم داخلي غريب وكأن من قام بتصميمه (ولا يمكن وصفه بأفضل من ذلك) عشيقة أحد الطغاة؛ هناك شيء يتعلق بالوجود في غرفة فندق، ومعظم الكتّاب يعرفون ذلك ضمنيًا: إنها تحرر التفكير من قيوده؛ فأول ما أبدأ به هو وضع علامة عدم الإزعاج في حساب البريد الإلكتروني (الرد التلقائي: “أنا ميت، ولا يمكنني بالتالي الرد على رسالتك”)، وأقوم بعد ذلك بإخفاء الهاتف المحمول في درج المكتب …إن الغرفة تشبه تمامًا الطائرة، فلا يمكن أن يصل إليك أحد: أنت آمن.

ثالثاً: أكتب في أماكن مرتبطة بوضوح بتأييد العولمة ومناهضة العولمة في الوقت ذاته: مثلاً مرافق لصنع الموجهات الشبكية (الراوترز) في شنغهاي، أو الفصول الدراسية في تشيلي التي استولى عليها الطلبة المحتجين، حيث تم تحويلها الآن إلى مراسم للفنانين، والبيت الدولي للفطائر على الجانب الشمالي من الطريق الدولي السريع رقم 15 في لاس فيغاس؛ فكلما كان المكان أكثر عشوائية وغير متوقع كان ذلك أفضل بالنسبة لي.

إن التخلي عن الروتين يصاحبه نوع من التوتر المتعلق بوجود المرء، فيتساءل: ماذا لو فقدت مهاراتي ولم أتمكن من استعادتها مرةً أخرى؟ وماذا لو أصبحت مشتتًا؟ وماذا لو أن قوى المستقبل الذي أحاول كتابته ووصفه سحقتني مثل حشرة؟ ولكن ذلك التوتر يقضى على روح المغامرة وليس منه طائل؛ فالعالم لم يكن مشوقًا إلى هذه الدرجة من قبل؛ ومن المحزن حقًا ألا أتمكن من القيام بقفزة البانجي نحو هذا العالم من فوق أحد المنحدرات الصخرية الشاهقة في نيوزيلندا.

قبل بضع سنوات، قامت صحيفة نيويورك تايمز بالتقاط سلسلة من الصور للكتاّب في الأماكن التي يكتبون فيها؛ وكل الصور التي شاهدتها للكتّاب الآخرين كانت لغرفٍ بيضاء فارغة إلى حدٍ ما, وبها مكاتب وستائر من الكتّان تتلاعب بها الرياح في النوافذ؛ أما صورتي فكانت لغرفة صغيرة مطلية باللون الأسود, وجميع الجدران مغطاة بالرفوف المليئة بالكثير من التصميمات, والعناصر الفنية وكأنها مخزن؛ أنا لا أفهم لماذا يرغب الكتَّاب في العمل في غرفة بيضاء فارغة؛ وكأنها كناية عن انعدام الحياة بعد الحياة بعد الموت، إن الأماكن التي أكتب فيها ليست أماكن عادية مطلقًا؛ فأنا لا أحب مطلقًا ما هو معتاد، فالكلمات هي حبي الأول والأخير.

 

عن علي زين

mm
كاتب ومترجم من اليمن