الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : صعود “المؤلف الذكي”

ترجمات خاصة : صعود “المؤلف الذكي”

هبة

بقلم : lochlan Bloom *

لقراءة المقال الأصلي اضغط (هنا )

 

خلال القرن الماضي أصبح السعي وراء الوقائع والحقائق المادية بمثابة الهدف الرئيس للتقدم البشري ، خاصة في ظل التصور السائد بأن الحقائق وحدها هي ذات الأهمية ، أما الخيال فإنه على أفضل الأحوال أمر ثانوي زائد عن الحاجة .

وبالرغم من أن الدلائل المتزايدة تشير أننا كبشر مجبولون على تقبل القصص والحكايات ودمجها في أعمق طبقات البنية المجتمعية -كالحكايات الشعوبية والاجتماعية والدينية – إلا أن القدرة على تحديد الحقائق مازال ينظر إليها على أنها السمة الأكثر أهمية وحيوية من الخيال ذو الأهمية الثانوية ؛ فالقراءة أو مشاهدة فيلم السهرة إنما هي أمور نفعلها طلبا للاسترخاء بعد يوم شاق من العمل ، يوم شاق من إدراك وتمييز الوقائع والمعلومات المادية  المتعلقة بمجال العمل ايا كان . ولكن ، كما يقول الفيلسوف والمؤرخ Yuval Noah Harari    :

” إننا إنما نتعامل مع ملايين البشر الغرباء فقط في حالة إذا ماكنا نعتقد جميعا في نفس القصص والتصورات الخيالية ، فالقوة الفائقة للإنسان إنما تعتمد بصورة أساسية على الخيال ، وكما نعلم فإن الإنسان هو الحيوان الوحيد القادر على خلق القصص الخيالية والاعتقاد بها ، ومن ثم فإن هذا المدى الطويل من التعاون بين البشر إنما هو قائم على الخيال “

عند هذه النقطة أريد أن أوضح أن الصعود القادم للذكاء الاصطناعي إنما يشكل تهديدا لطريقة حياتنا ، ليس فقط بسبب احتمالية أن نصبح كبشر أقل مقدرة من الآلات (الذكاء الاصطناعي ) على تحديد الحقائق المادية ، ولكن أيضا لأننا سوف نصبح – بكل الاحتمالات- أقل منها قدرة على إبداع الخيال !

الفئات عديمة النفع :

 سوف تتفوق الآلة، ذات البرمجيات المتصلة بالشبكة العالمية للمعلومات/ الإنترنت ومصادر البيانات، على الإنسان في مجال تقييم ما هو صحيح واقعيا ، ايا كان مجال التقييم ، سواء كان ذلك في مجال سوق الأوراق المالية او مجال إدارة الشركات ، بل وحتى في مجال تقييم الحالة العاطفية للإنسان.

حيث أنه في الوقت الحاضر يستغرق تدريب المتخصصين على تحديد والتمييز بين الحقائق المادية في كل مجال ، عدة سنوات ، ونظرا لتفوق آلات الذكاء الاصطناعي على الإنسان في أداء تلك المهمة ، فسوف يتوقف في المستقبل تدريب البشر على أدائها (ويستعاض عنهم بالآلة ) ، ومن ثم فكيف يمكن لأي إنسان حينها أن يتمكن من ممارسة تلك المهمة الخاصة بتحليل المعلومات وتمييز الحقائق؟!

في تلك النقطة يتحدث Harari  عن ظهور ما يسمى “الفئة عديمة الجدوى ” ويقصد بها تلك الفئة التي لن تتمكن من فعل أي شيء بصورة أفضل من الآلة .

فبالرغم من عدم توفر مؤشرات يقينية حتى الأن حول مدى الدور الذي ستلعبه الآلة مستقبلا، إلا أنه مما لا يمكن إنكاره أن الغالبية العظمى من البشر لن تكون هناك أية حاجة إليهم لأداء المهام المتعلقة بالتعامل مع المعلومات الفعلية والحقائق المادية ، أي لن تكون هناك حاجة للتخصص البشري في غالبية المجالات،  بداية من فنيي الأشعة   وصولا إلى الاقتصاديين.

هذا التحول سيمثل نقلة جذرية كبرى عندما يطال أكثر المجالات ارتباطا بالخيال : مجال الرواية.

وقد شارفنا بالفعل على مرحلة صارت فيها الآلة / الذكاء الاصطناعي أكثر فهما لما يقرأه الإنسان ، ربما أكثر من الكاتب . فمثلا يستطيع موقع أمازون الشهير حاليا أن يقوم بجمع ملايين البيانات وتحليلها للتعرف على ذائقة كل قارئ بشكل فردي مستقل وما الذي يجذب كل منهم ، وذلك من خلال تحديد النصوص المقروءة التي يمر عليها القارئ سريعا ، وتلك التي يتوقف عندها ليقرأها بشكل متأن ، ثم يقوم الموقع بتحليل واستخراج البيانات اللازمة من أجل توفير مقترحات قراءة ملائمة لكل شخص وفقا لما يتناسب مع شخصيته وتفضيلاته الخاصة.

هذا التحليل لعملية التفاعل بين القارئ والنص سيشهد تحسنا أكبر مع زيادة كل من عدد القراء و قدرات نظم الحواسب الألية.

وكما ذكر Harari بالـ  Financial Times :

” قريبا سوف تقرأك الكتب أثناء قراءتك لها. وفي حين أنك كقارئ تنسى معظم ما قرأت ، ستجد أن برامج الحاسب الآلي تحتفظ بكل شيء “

قريبا سوف تتمكن البرمجيات من التحديد الدقيق لما يثير اهتمامك، وسوف تتمكن من معرفة ما الذي تستمتع بقراءته أكثر من غيره ، ربما بصورة أفضل من إمكانيتك أنت على تحديد ذلك لنفسك! . ستتمكن البرمجيات من تحديد ما إذا كنت تفضل الحكايات المثيرة عن السحر وقصص الفرسان القديمة ، أم أنك تفضل الروايات الفلسفية .

باختصار، ستصبح آليات الذكاء الاصطناعي المتطورة قادرة على إدراك نوعيات القصص والحكايات التي تدفعك كقارئ للتفاعل معها ، بما سيمكنها من صياغة المقترحات التي تلائم ذوقك الشخصي وتتوافق مع تفضيلاتك .

الخطوة التالية نحو التأليف :

لو أننا سرنا مع تلك الأفكار المعروضة اعلاه إلى ما هو أبعد من ذلك ، فسوف نكتشف أنه ليس من المستبعد  – وبمجرد أن تصبح تلك االبرمجيات متاحة – أن يتم الشروع في إعادة هندسة ألات الذكاء الاصطناعي بما يمكنها من ان تمارس التأليف بذاتها.

قد لا تدرك تلك البرمجيات ما تقوم بكتابته ، لكنها بالتأكيد ستكون قادرة على حساب وتحديد ما تكتبه بدقة  ، بما يتوافق مع اهتمامات القراء ومن ثم تصميم وبناء الروايات بما يلائم الطبيعة الشخصية المتفردة لكل قارئ .

في نوفمبر من عام 2016 اعلنت جوجل عن تطويرها لخدمة الترجمة التي تقدمها ،حيث تقوم تلك النسخة المتطورة بتحليل النص على مستوى العبارة عوضا عن أسلوب الترجمة الحرفية على مستوى الكلمة المعتاد . وكما قالBarak  turkovsky  مسؤول الإنتاج في جوجل ، في مدونته : ” تعد الترجمة العصبية الحديثة أفضل كثيرا من تقنيات الترجمة القديمة ، حيث يتم من خلال التقنية الجديدة ترجمة الجملة بأكملها كوحدة واحدة ، بدلا من تجزئة الجملة ، مما يجعل الترجمة أكثر دقة وأقرب لطريقتنا كبشر في استخدامنا للغة “

بمجرد تطوير وتحسين هذا المدخل فلن يكون من المستبعد ، كخطوة تالية ، أن تتمكن آلات الذكاء الاصطناعي من تأليف وإنتاج كتاب بأكمله ، بل وقد تتمكن من فعل ذلك بصورة فورية. أي ستصبح ذات مقدرة على كتابة مئات بل ملايين الكتب ، لكل قارئ من القراء على حسب طلبه ، وستتمكن من تأليف سلسلة لانهائية من الأجزاء المتعاقبة للروايات ، مصاغة خصيصا بما يتلاءم وتفضيلات كل قارئ وبصورة فورية بما يلائم مزاجه في لحظة القراءة .

في تلك الظروف ومع تلك الإمكانيات التقنية المستقبلية ، فسوف يصبح من المستحيل على أي مؤلف من البشر أن يتنافس مع الألة تجاريا ، فماذا بيد الكتاب من البشر أن يفعلوه والوضع كذلك ؟ وكيف لأي مبدع من البشر أن يتمكن من إنتاج ما يسمى “الرواية الأكثر مبيعا ” ، في حين يمكن للحواسيب الذكية – في لمحة من الزمن – أن تنتج ملايين من الروايات { المشخصنة } المحاكة بشكل ممتاز لتلائم تفرد كل قارئ وتمايزه ؟

كما ستتمكن البرمجيات من تحديد ما الذي قرأته فعلا وما الذي تطمح له ومن ثم ما الذي سيبدو لك – كقارئ- جديدا شيقا ، وما الذي سيبدو قديما باليا . في تلك الأجواء ، من ذا الذي سيكلف نفسه عناء قراءة أعمال أقل تماسا مع شخصيته وأقل تعبيرا عنه؟!

صحيح اننا وقتها قد نجد بعض من الناس سيظلون على تفضيلهم للأعمال التي أبدعتها المخيلة البشرية ، إلا أن تلك الأعمال والكتب  بلا شك  ستكون أقل إمتاعا .

ما الغرض إذن من الاستمرار في التأليف الخيالي في عالم ستصبح فيه الحاسبات الآلية أكثر قدرة على أداء تلك المهمة وبشكل أفضل؟ وهل سيحمل المستقبل نهاية الإبداع البشري في مجال الكتابة ؟

إحدى الاحتمالات المرجحة أنه سوف يتم استغلال الأدوات التي تتيحها آليات الذكاء الاصطناعي ، في صياغة نوع جديد من الكتابة ، حيث ان عملية الكتابة تتعلق في المقام الأول – أو يجب ان تكون كذلك – بالأمور التي تثير مشاعر الإنسان وتمس أعماقه –  أي تلك الأمور التي يتم تطوير الذكاء الاصطناعي من اجل إجادتها – وبالتالي فالسؤال هنا ليس ما إذا كانت الآلات الذكية ستصبح أفضل من البشر في عملية  استنتاج المخرجات – وهو أمر مرجح بالطبع – وإنما السؤال هو : أية مخرجات نريدها بالضبط  من أجهزة الذكاء الاصطناعي ؟ ومن ثم فإنني ارى أن وظيفة المؤلف البشري في عصر الذكاء الاصطناعي ستتركز في تحديد أفضل أنواع المخرجات المطلوبة للإبداع بما يمس مشاعر القراء ويثيرها ، وسيتوقف شكل ونوعية تلك المخرجات المطلوبة على نوع الرواية او العمل الذي يريد المؤلف البشري إبداعه.

يقول فرانز كافكا :” أعتقد أنه يتوجب علينا أن نقرأ فقط ذلك النوع من الكتب التي تدمينا ، فلو لم تقم الكتب التي نقرأها بإحداث صدمة توقظنا من ثباتنا ، فما جدوى القراءة إذن؟ أنقرأ لنصبح سعداء ؟ إن الكتب التي من شأنها جعلنا سعداء هي تلك الكتب التي يمكننا كتابتها بأنفسنا لو اضطررنا ؛ وإنما نحن نحتاج حقا لتلك النوعية من الكتب التي تفعل في نفوسنا مفعول الكارثة ، تلك الكتب التي تثير أعماق أحزاننا ، تماما كموت احد الذين لطالما أحببناهم أكثر من أنفسنا …كنفينا بعيدا عن البشر ..كفعل الانتحار. في اعتقادي إن الكتاب الذي يجب أن نقرأه هو ذلك الذي يكون كالمعول يحطم الجمود والتبلد بداخلنا “

(Letters to Oskar Pollack, 27th January 1904 )

■ ■في القريب، سوف تتيح التكنولوجيا للقراء من ذوي حس المغامرة القدرة على شق طريقهم نحو هذا النوع من الأدب الناشئ ، فبمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي سوف يتمكن القراء من كتابة نصوصهم الخاصة وتأليف كتبهم بأنفسهم .

تخيل أيها القارئ أنك صرت تقرأ تلك الكتب التي تمنحك لحظة الاستفاقة وتحطم الجمود بأعماقك ، بدلا من التنقل بين كتب تدرك متأخرا انها ما كانت إلا مضيعة للوقت ، ذلك الأمر قد يصبح واقعا فعليا لو اننا استطعنا جعل عاداتنا في القراءة بمثابة جزء لا يتجزأ من عملية التأليف والإبداع وذلك من خلال الاستكشاف اللانهائي للاحتمالات الكتابية واللغوية.

* روائي وقاص وكاتب سيناريو بريطاني.

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر