الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: مغامرات الروح

ترجمات خاصة: مغامرات الروح

كتب

بقلم: أناتول فرانس*

لقراءة النص الأصلي إضغط ( هنا )

      كما افهمه؛ فالنقد مثل الفلسفة، والتاريخ. رواية من نوع ما، لاستخدام العقول المتفردة، والفضولية. وكل رواية، إذا فهمت بشكل صحيح، هي سيرة ذاتية. الناقد الجيد هو الذي يحكي مغامرات روحه، وسط الأعمال الفنية العظيمة. لا وجود لشيء يدعى نقد موضوعي، مثلماً لا وجود لشيء يدعى فن موضوعي، وكل الذين يطرون انفسهم بأنهم وضعوا كل شيء ما عدا ذواتهم في اعمالهم؛ مخدوعين بأكبر المغالطات وهماً. الحقيقة هي أن المرء لا يخرج من ذاته أبداً. هذه واحدة من مآسينا العظيمة. ما الذي قد لا نهبه لنرى، ولو لدقيقة واحدة، السماء والأرض بالعين متعددة الأوجه لذبابة، أو لفهم الطبيعة بالعقل الفظ البسيط لقرد؟، ولكن ذلك محرم علينا. لا يمكننا، مثل تيريسياس، أن نكون رجال ونتذكر اننا كنا من قبل نساء. نحن محبوسون داخل شخوصنا، كما في سجن دائم. أفضل ما يمكن أن نفعله، كما يبدو لي، هو أن ندرك هذه الحالة المروعة، ونعترف بأننا نتكلم عن انفسنا في كل مرة، لا نمتلك فيها القدرة على الصمت. لأكن صريحاً جداً، ما يجب على الناقد قوله هو: “السادة الأفاضل، سأقوم بالحديث عن نفسي في موضوع شكسبير، أو مواضيع راسين، أو باسكال، أو جوته التي تقدم لي فرصة جميلة”.

      لقد تشرفت بمعرفة السيد كوفيلير فلوري، الذي كان ناقد عجوز جدي. في يوم ما عندما جئت لأراه في منزله الصغير في جادة رافائيل، أراني مكتبته المتواضعة التي كان يفتخر بها. “سيدي” قال لي، “فن الخطابة، الأدب الخالص، الفلسفة، التاريخ، كل الأنواع ممثلة هنا، دون احتساب النقد الذي يشملهم كلهم. نعم، الناقد بدوره خطيب، فليسوف، ومؤرخ”. السيد كوفيلير فلوري كان محقاً. الناقد هو كل ذلك، أو على الأقل، يجب عليه أن يكون. هو يمتلك الفرصة لإظهار الملكات النادرة، الأكثر تعدداً وتنوعاً للعقل. وعندما يكون سانت بوف، تين، جول ميتر، فرديناند برونتير فإنه لا يفشل في فعل ذلك. ببقائه داخل ذاته قطعاً يخلق التاريخ الفكري للإنسان. النقد هو الأصغر من بين جميع الأشكال الأدبية، ربما سينتهي بالاستحواذ على كل الأشكال الأخرى. إنه مناسب بشكل رائع لمجتمع متحضر جداً، ذو ذاكرة غنية وتقاليد عريقة. هو مناسب خصوصاً للإنسانية الفضولية، المتعلمة والمهذبة. ولازدهاره يتطلب ثقافة اكثر من أي شكل ادبي آخر. خالقوه كانوا مونتين، سانت ايفرموند، بيل، ومونتسكيو. إنه ينبثق من الفلسفة والتاريخ معاً. لقد تطلب، لنشأته، عصر من الحرية الفكرية المطلقة. لقد حل مكان اللاهوت، وإذا كان على المرء أن يبحث عن طبيب كوني، ليكون القديس توما الأكويني للقرن التاسع عشر، في من سيجبر المرء نفسه أن يفكر سوى سانت بوف؟.

      طبقاً للمعجم؛ الكتاب هو حزمة مقيدة من الأوراق، مكتوبة باليد كانت أم مطبوعة. ذلك التعريف لا يرضيني. سأعرف الكتاب على أنه عمل سحري، تهرب منه كل أنواع الصور، لتقلق الأرواح، وتغير قلوب الرجال. أو بصورة أفضل، الكتاب جهاز سحري صغير، ينقلنا بين صور الماضي، أو وسط الظلال الخارقة للطبيعة. أولئك الذين يقرأون كتباً كثيرة، مثل متعاطي الحشيش. يعيشون في حلم. السم الخفي الذي ينفذ إلى عقولهم يجعلهم غير مدركين للعالم الحقيقي وفريسة لخيالات رهيبة، أو مبهجة. الكتب أفيون الغرب. إنها تفترسنا. سيأتي اليوم الذي نصير فيه كلنا امناء مكتبات، وتلك ستكون النهاية. لنحب الكتب كما تحب محبوبة الشاعر حزنها. لنحبها؛ إنها تكلفنا غالياً. نعم، الكتب تقتلنا. قد تصدقني أنا الذي أعشقها، أنا الذي وهبت نفسي لها منذ مدة طويلة دون تحفظ. الكتب تذبحنا. لدينا الكثير جداً منها والكثير جداً من انواعها.  لقد عاش البشر لعصور طويلة بدون القراءة وفي تلك العصور بالضبط افعالهم كانت هي الأعظم، والأكثر فائدة، لأنهم في ذلك الحين عبروا من الهمجية إلى الحضارة.  ولكن كون البشر حينها بدون كتب، لا يعني انهم كانوا خلو من الشعر والأخلاق؛ لقد عرفوا الأغاني بالقلب، وبالتعاليم الشفاهية الصغيرة. في طفولتهم حكت لهم النساء المسنات قصص الجلد السحري، والقط ذو الحذاء، التي بعد ذلك بوقت طويل، صدرت منها طبعة لمحبي الكتب. الكتب الأولى كانت صخور ضخمة مغطاة بنقوش ذات طابع ديني أو حكومي.

      لقد مر وقت طويل منذ ذلك الحين. ياللتقدم المخيف الذي صنعناه في هذه المدة!، الكتب تضاعفت على نحو مدهش في القرنين السادس والثامن عشر. اليوم إنتاجها تضاعف مائة مرة. في باريس وحدها يصدر يومياً خمسون كتاباً بدون احتساب الصحف. إنها عربدة وحشية. سوف نخرج منها مجانين تماماً. إنه قدر الإنسان أن يسقط على التوالي في الأطراف المتناقضة. في العصور الوسطى، تولد الخوف عن الجهل. لذلك سادت حينها امراض العقل التي لم نعد نعرفها. اليوم، خلال الدراسة، نحن نسرع نحو الشلل التام. ألن يكون اكثر حكمة وروعة أن نحافظ على قليل من الانضباط، لنحب الكتب، ولنقم بقراءتها، ولكن دعنا لا نقم بجمعها بعشوائية، لنكن مرهفين، ومثل ذلك اللورد في إحدى مسرحيات شكسبير لنقل لباعة الكتب عندنا :”أريد لها ان تكون مقيدة بإحكام، وأن تتكلم عن الحب”.

*روائي وناقد فرنسي

عن محمد جمال

mm
كاتب ومترجم من السودان

4 تعليقات

  1. يا رااائع يا محمد
    أبدعت موضوعاً وترجمة
    أستمتعت وتماهيت للغاية
    شكري العظيم لك
    تحيتي

    – علي زين..

  2. I would like to thank you for the efforts you’ve put in writing this web site. I am hoping the same high-grade website post from you in the upcoming also. In fact your creative writing skills has inspired me to get my own web site now. Really the blogging is spreading its wings fast. Your write up is a great example of it.

  3. most certainly i personally love that betterscooter.com http://adf.ly/6249830/banner/www.scamadviser.com/is-betterscooter.com-a-fake-site.html!!! they may be comfotorable n soft n model!! i exploit them sense of humor lean skinny jeans s a good polo clothing !!!! i actually recomend those to each and every gurl ! north never be less expensive purchase them in these are durabule in case oughout take care of them!!!!!

  4. Indulgence pour celui joli Peruvian deep wave https://www.youtube.com/watch?v=k1oaz7n0ILk, identique à la portrait faite. Recu le lendemain

أضف تعليقاً