الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: هل الحياة جديرة بالعيش إذا سيطر العمل على كل لحظاتها؟

ترجمات خاصة: هل الحياة جديرة بالعيش إذا سيطر العمل على كل لحظاتها؟

Very busy business

ترجمة: سارة الجريوي

لقراء الموضوع الأصلي: (هنا)

     تصور لو أن العمل قد استولى على العالم، وأن العمل أصبح جوهر الحياة ومحورها وأمسى كل شيء خاضعا للعمل، وببطء وبشكل غير محسوس، تقلصت الألعاب والأغاني والمهرجانات في نهاية مطافها إلى العمل، ومن ثم سقطت تلك العوالم التي كانت موجودة قِبلاً في جب النسيان، واختفت من السجل الثقافي تماماً، وكيف سيفكر ويتصرف البشر في عالم يتكون من العمل فحسب؟ في كل مكان ينظرون، سيرون مراحل ما قبل الوظيفة، وما خلال الوظيفة، وما بعد الوظيفة، ومن هو عاطل عن الوظيفة، ولن يسقط أحد سهواً عن هكذا إحصاء، وفي كل مكان سيتحدثون مراراً وتكراراً عن العمل، وحبهم له، وكم يتمنى كل شخص للآخر يوم عمل مثمر يستيقظ فيه المرء على مهام ويغلق عينيه للنوم فقط! وسيتم الدفاع عن روح العمل الشاق، وسيحتفى بها كوسيلة لتحقيق النجاح والإنجاز، وسيعد الكسل خطيئة كبرى، وستتداول حكايا سماسرة المعرفة، ومهندسي التعاون، ورؤساء الأقسام الجديدة، حيال وتيرة العمل وخططه وتوسيع نطاقه وتحقيق مزيد من الدخل والنمو!

     إن تناول الطعام والاسترخاء وممارسة الرياضة والتأمل والتواصل في هكذا عالم سيكون من أجل البقاء بصحة جيدة، والتي من دورها إمداد الجسم بالطاقة من أجل انتاجية أكبر في العمل، فلن يشرب أحد أكثر من اللازم، وسيعيش الكثير إلى أجل غير مسمى، وبالطبع ستكون هناك شائعات بين الحين والآخر حول حالات انتحار جراء الضغط من العمل، ولن تعتبر هكذا حوادث سوى أكثر من مظهر محلي لروح العمل، وسيفكر بها البعض وسيلة منطقية وجديرة بالثناء والاحتفاء لأنها تضحية في سبيل العمل، ولذلك سيتصرف البشر بغرض ملء توقهم تجاه الوصول إلى العمل بأبهى حلله وكماله!

     هذا العالم ليس ببعيد عن واقعنا الحالي إذ أنه يقترب منا!

     قام الفيلسوف الألماني (جوزيف بيبر) بعد الحرب العالمية الثانية بصياغة مصطلح (العمل الكلي) في كتاب يدعى الترفيه، وهي العملية التي يتحول فيها البشر إلى عمال ولا شيء آخر، وبهذه الطريقة سيتحول العمل إلى (كل) فعندما يكون العمل مركزاً يتحول فيه إلى (كل) حياة الإنسان، وعندما يسخر كل شيء لدعمه، وعندما تصبح أوقات الفراغ، والترفيه كالعمل وعندما لا يبقى هناك أي بعد آخر للحياة خارج نطاق العمل، ويعتقد البشر بأنهم ولدوا من أجل أن يعملوا، فإن الحياة ستختفي تماماً من الذاكرة الثقافية، ونحن اليوم على وشك أن نحقق العمل الكلي، إذ أني أتحدث كل يوم مع أناس سيطر العمل على حياتهم، وحول عوالمهم إلى مهمة مثقلة لا يمكن الحديث عنها على عواهلهم، وعلى عكس أولئك ممن كرسوا حياتهم للتأمل فإن العامل الكلي يحمل نفسه على محمل جد كعامل يقف أمام العالم الذي يفسره على أنه مجموعة لا نهائية من المهام التي تمتد إلى مستقبل غير محدد، وبناء على أسلوب حياة يتكون من هكذا مهام، فإن العامل الكلي دائماً قلق حيال الوقت، فهو يفكر بالمهام التي يمكن إنجازها، وقلق دائماً فيما يخص الإنجاز والكفاءة وتعزيز الإنتاجية! وكيف يتم كل ذلك؟ عن طريق أنواع من التخطيط الفعال، ومهارة تحديد الأولويات، والتفويض بالوقت في المناسب، ويمكن اختصار العامل الكلي بالقول أنه حالة من النشاط المتواصل، والتي تظل متوترة وقلقة وتعاني من أزمة وجود عميقة تمنحها عدم الارتياح من أجل تحقيق فائدة أكبر.

      إن ما يبعث على الانزعاج إزاء العمل الكلي ليس مجرد أنه يسبب معاناة غير ضرورية للبشر، بل إنه يقضي على أشكال التأمل والمرح والإجابة على أبسط أسئلة الوجود، ويمكن تصور ذلك من خلال تخيلك عزيزي القارئ لنمط تفكير شخص يرى نصب عينيه الحاجة للإنجاز، والتوتر، والضغط، بينما يتساءل بشكل مستمر حول ما إذا كان النشاط الذي يفعله هو أفضل شيء يستطيع استغلال وقته به؟ وما إذا كان وقته الحالي يكلفه فرصاً أخرى في مكان آخر!

     هكذا أفكار إذا اجتمعت تتآمر كالأعداء لمضايقة صاحبها، والذي يفترض دائماً بأنه السبب حيال عدم اكتمالها، وتشعره أيضاً بالذنب بأنه لم يكن مثمراً قدر الإمكان، وبالتالي فإن ذلك تعبير عن الفشل في مواكبة والحفاظ على أعلى مستوى من الجودة مع وجود مهام تفيض من كل جانب بسبب الإهمال المفترض أو الكسل النسبي، وأخيراً فإن الدافع المتواصل لإنجاز الأمور يعني أنه من المستحيل تجريبياً من داخل هكذا نمط لتجربة الأشياء تماماً كما هي فعلاً، مما يقودنا إلى نتيجة شعور المرء بالعبء ودورة مستمرة لا نهاية لها من عدم الرضا.

عن سارة الجريوي

mm
مترجمة من السعودية .. فتاة تؤمن بأن الكتاب يصنعون أدبا قوميا ، بينما المترجمون يصنعون أدبا عالميا لذلك هي تترجم .