الرئيسية / احدث التدوينات / رحلة لغوية ممتعة

رحلة لغوية ممتعة

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2015-03-24 08:30:09Z | |

اللغة تصقل الأرواح وتغسلها لتضميد جراحها التي سبرت غورها دهشة الوجود الأول،فذلك الرهق الذي يتركه الهبوط الجماعي للأشياء يجعلها تسكن تحت جبل من الركود، مثخنة بجراح التساؤل،و بين الدهشة وزوالها خيط رقيق من الوقت المتحرك بتأني يساوي تمامًا حركة شوكة ساعة حائطية كبيرة تقفز بتكاسل من نقطة إلى أخرى لتتوج دقيقة كاملة الثواني ومن ثم تنكث عرشها طالبة تتويج جديد قبل أن يبلى تاجها بمقدار ثانية ، وفي نقطة ما من ذلك الخيط الرتيب يجلس الدواء, ولكن لحين وصول البشارة نظل نرى أن الأشياء كبيرة ًوعصية المنال، يلفها غشاء سميك من الجهل.

 كيف يرى الأطفال العالم قبل أن تطلق ألسنتهم ؟ ، هذا السؤال جوهري ظل عصي على الإجابة، لأن وعينا وُجد متزامنًا مع اللغة. ولكني أجزم بأن الوجود بلا لغة لا يعني سوى البؤس والضياع الأبدي.

                                                               
واللغة كميزة يتفرد بها البشر في عالمنا المحسوس تظل علامةً فارقةً، ونقطةً تستحق الوقوف ، وقد كان الإنسان واعي بهذه الفضيلة للدرجة التي جعلت علماء الاجتماع يفسحون لها مساحةً في مجال أبحاثهم الضاج بالتفاصيل ؛ يقول أبن خلدون في مقدمته : (( ميَّز الله الإنسان عن سائر الحيوانات بالفكر،الذي جعله مبدأ كماله ونهاية فضله على الكائنات وشرفه. فالحيوانات تشعر بما هو خارج عن ذاتها، بما ركب الله فيها من الحواس الظاهرة: السمع والبصر والشم والذوق واللمس. ويزيد الإنسان من بينها أنه يدرك الخارج عن ذاته، الفكر الذي وراء حسه، وذلك بقوى جعلت له في بطون دماغه، ينتزع بها صور المحسوسات، ويجول بذهنه فيها 1 )) هنا يبرز ابن خلدون ميزة التفكر والتدبر والتي هي بفضل امتلاك الإنسان للغة.

غالبًا ما يجري الحديث عن اللغة الأم شجونًا وذكريات غائرة في أعماق النفس، لأن اللغة الأم هي كاميراتنا الأولى التي صورنا بها عالمنا الذي ما فتئنا نكتشف تفاصيله يومًا بعد يوم منذ وصولنا الأول؛ أعني : عندما يولد الإنسان يظل العالم أمامه طلسم غامض لا تفك تعقيداته إلا اللغة التي يجاهد في أن يقتحم عالهما الخاص. لا أدري ؛ ولكن هناك شيء ما يخص اللغة التي تعرفنا بها على العالم لأول مرة، شيء يظل مفقودًا في أي لغةٍ أخرى نتعلمها ؛ حتى ولو وصلنا لدرجة الموسوعية في تلك اللغة الثانية، ذلك الشيء الغامض يربض تحت وعينا الحسي في كل مرة نشير فيها للأشياء، قد تكون دهشتنا الأولى باكتشافها، أو حميمية اللقاء الأول بها، أو إسقاط الاسم على الشكل -عند معرفتنا الأولى أيضًا ؛ مهما كان يظل شيئًا مميزًا

يزعم علماء اللغة النفسية(Psycholinguistics) أن اللغة هي المفتاح لمعرفة عقل الإنسان وهي الاختلاف الجوهري – بحسب رأيهم- الذي يميز الإنسان عن بقية الكائنات الحية الأخرى (2) ، وهو قول يبين فضيلة المَلَكة الكلامية الناتجة عن معرفة الإنسان للغة ، كما أن اللغة هي وسيلة الإنسان للتواصل، فهي أيضا مصدر إلهامه للرؤى، والأفكار ؛ بل تتجاوز اللغة الإنسان في تكوينه الفردي لتمثل الحضارة البشرية فلا أحد يستطيع تخيل حال الكرة الأرضية وهي بلا ذاكرة!.

حسنا لندع مطاردة الأخيلة جانبًا ونعود إلى مسار الحديث؛ لنؤكد أن علاقة البشر بلغاتهم الأم هي علاقة شاعرية، وخاصة ، تكاد تكون من الأشياء القليلة التي لا يستطيعون التعبير عن شعورهم إزاءها، فهي مميزة للدرجة التي تجعلها عصيةً على الكلمات؛ وكم من طبيب عجز عن تطبيب نفسه!، ولو أننا سألنا أحدهم عن بداية علاقته بلغته الأم، لألقى علينا نظرةً مفادها، وهل يسأل أحدهم عن تاريخ معرفته بأمه ! ، وذلك بالضبط هو جوابي فيما يخص علاقتي باللغة العربية؛ فعندما عرفت الحياة لم أعرف اللغة العربية؛ ولكني عرفت لغة الحياة. والتي بدورها صارت فيما بعد “اللغة العربية” إذًا هي علاقة، قدرية/أزلية، وذلك بالضبط ما يجعلها مميزة على الدوام كما أسلفت.

وكأي لغة أم لا أستطيع توقيت بداية العلاقة ولكن أقدم ذكرى واعية لي مع تعلم اللغة العربية هي ترانيم سجع الحروف الأبجدية، تلك الصيغة المحلية بالتمام. كنت حينها في الثالثة أو الرابعة من العمر ؛ وكأني أراني جالس في حجر أحد إخوتي الكبار بساحة القراءة في مسيد تعليم القران الكريم، والترنيمة تأتيني مسجوعة ومموسقة بأصوات جديدة، وبإمكاني الآن القول أن ما جعل تلك الترنيمة مميزة عن غيرها من أصوات طلاب القرآن المتصايحة بشتى السور؛ هو أني وجدت نفسي واعيًا كليًا بمفرداتها، وبحكم ترددي على المسيد من حين إلى آخر رفقة إخوتي الكبار ، وجدتني أحفظ الكثير من حروف الأبجدية العربية في نسختها المحلية،وتلك هي الجريرة التي جعلت من المواظبة على الذهاب إلى هناك يوميًا أمرًا إجباريًا بعد شهور قليلة من تاريخ ذلك الاكتشاف.

” أليف واقفة، نون مرمية، واو ضنب الكلب، ياء عريجة” كانت هذه هي تلميحات الحروف عند بداية التدوين في اللوح الخشبي، فبعد اجتياز امتحان النطق الشفوي للحروف العربية، ينتقل الطالب إلى تدوينها على لوح خشبي لجعل الأمر أكثر جدوى ، وكأي طالب جديد بعد تخطي التمرين الصوتي والكتابي، انتقلت إلى معرفة التشكيل، فكانت هناك صيغة عامة لبيان تغيير التشكيل على الحروف اسمها ” باء نصب” وسُميت بهذا الاسم “الغريب” لأن النصب هو فاتحة التشكيل، وأيضًا أثر التنوين يكون أكثر وضوحًا الحروف الثابتة، لذلك تبدأ القاعدة من حرف الباء.

“با ؛ بي؛ بو ، بلا

تا ؛ تي، تو، تلا”

إذا هي قاعدة تبين – بالحرف الزائد- أثر حركة النصب والكسر والضم والربط بالأم والألف؛ على حرف الباء، وبحسب الرواية المحلية تقرأ هكذا “” باء نصب جابت أليف، بي خفض جابت ياء، بو رفع جابت واو، وإذ تقدمت لام أليف فهكذا…….الخ “

رويدًا رويدًا تعرفت على التنوين، ثم غرائب الكلمات العربية ” حينئذ، أولئك….” حدث كل ذلك ولمّا ابلغ الخامسة بعد! ، الجدير بالذكر هو أني أول ما دخلت عوالم اللغة العربية، دخلتها من باب رسم الإمام ورش أبو سعيد عثمان بن سعيد (3) ، وهي تجربة تحوي كثير من الاختلافات الشكلية في الأحرف ووضع الهمزة – القاف تنقّط بنقطة فوقية واحدة، والفاء بنقطة تحتية، النون عندما تكون في أخر الكلمة لا تنقّط…- والسبب في ذلك لأني عرفت درب العربية قبل أن اعرف طريق التعليم الرسمي. معظم دول إفريقيا تفضل تعلم القرآن – وبالتالي اللغة العربية- على طريقة الإمام ورش.

عندما كنت في الخامسة من العمر وجدت نفسي بين معمعة لغوية طويلة- قل يا أيها الكافرون …- زُججت فيها زجًا بواسطة والدي الذي كان محبًا حد الوله للعلوم الإسلامية التي يطمح أن يراني بارعًا فيها، كان شيخ الخلوة القرآنية ينتهج منهجًا تعليميًا دقيقًا جدًا، حيث أنه يعلم صبيته أولًا الأبجدية العربية بطريقة محلية ابتكرها الرواد الأوائل للتعليم الديني بغرض توطين اللغة العربية في بلاد السودان، تلك الطريقة التي تتوخى الدقة في أن تجعل طلابها يخرجون الحروف العربية من مخارجها، جعلتني حاذقًا بما يكفي لتخطي قصار السور القرآنية بسرعة البرق،وقد عشت أحاسيس خاصة جدًا وأنا أجاهد تكوين صور محسوسة لغرائب الكلمات التي كانت تنزل علي تترى كلما انكببت على اللوح الخشبي الصغير.

حسنا يمكننا اعتبار هذا التقديم مدخلًا للحديث عن علاقة لغوية وطيدة، أو لنسمها “رحلة لغوية ممتعة” فالعربية كلغة عريقة تتمتع بذخيرة خرافية من المفردات وتراث ثري من التصورات الأدبية، بل أنماط متباينة عديدة ،وبالطبع ذلك يجعل سبل التعبير متاحة بسخاء لمتحدثيها، ومن أجل ذلك جاءت البحور اللغوية، فهي من اللغات التي تتوفر فيها الأوزان الموسيقية بألفاظها، ففي العربية هناك قوالب لفظية لها نغمات موسيقية ثابتة، مثل القالب الدال على الفاعلية من الأفعال الثلاثية، ( فعل، يفعل، فعّال)، وبذلك يسهل البناء والتحليل اللفظي، وحتى التتبع، هذا من جانب اللفظ، أما من جانب الخيال والترجمة، فما يميز العربية، هو تعدد مترادفاتها لتسمية الأشياء، والتدرج في وصف الظواهر، وهذا يجعل الخيال الخصب حرًا يستطيع ترجمة جولاته كما يراها العقل، – مهلا بإمكانك أن تكتشف سرًا هنا هو سر عشقي للغة العربية – ، فالتكرار في الوصف أجده أمرًا باعثًا للاكتئاب، بل منفرًا.

فأول ما عشقته في اللغة العربية، هو الشعر لأنه يعطيك أنماطًا جديدة على الدوام، عطفًا على جاذبيته الوصفية الدقيقة، وعندما اكتشفت علم النحو لاحقًا – من الصف السادس الابتدائي – وجدته خير معين ، لاسيما في التكهن بمعاني الكلمات الجديدة، وتنظيم الكلام عندما يتعلق الأمر بصياغة الأفكار، فلم أجد مطلقًا صعوبة في حفظ الشعر، لطالما قد فهمت القواعد النحوية التي بني بها البيت الشعري، وبذلك كنت احتفظ بصيغ تعبير قصيرة، هي مقتطفات من قصائد شعرية، ولعل ذلك هو ما جعل ذخيرتي اللغوية في تضخم دائم، ونهم المطالعة لمّا يفتر قط.

فمن كتاب مهترئ وجدته في الركن الشمالي الشرقي لرف الكتب الذي يخص أخي الأكبر، قرأت المعلقات السبعة، وبعض القصائد الخالدة، كان ذلك الكتاب هو “المنتخب في أدب العرب ” كنت أجلس الساعات الطوال وأنا أهيم مع عنترة في جولاته الدامية، أتتبع أثر رحلات صيد امرؤ القيس، ثم أشاهد صدق الحب بين ثنايا قصائد ابن الملوح؛ وقليلًا عرفت دروب أخرى من اللغة، ” مقالات، كتب قصص، سير، ومن كتب القصص الأسطوري الذي ترك أثرًا لن يمحى على مخيلتي كتاب سيف ابن ذي يزن ملك اليمن، فالكتاب يحوي متن لغوي متماسك، وتصوير دقيق للمشاهد الكثيفة التي تحويها القصة، والتي هي قصة خلق برواية أخرى.

عندما دخلت المرحلة الثانوية بت أنتظر “علي” بائع الكتب لأسلمه ما ادخره من مصروفي اليومي لقاء كتاب قصصي جديد – بعد إعادة القديم- كل أسبوع.

لست بارعًا في التعبير عن العلاقات الخاصة، لاسيما إن كان التعبير من جنس العشق!؛ ولكن يمكنني الزعم بأن عشق القراءة سره عشق اللغة، وأظن أنه من نافلة القول أن اللغة هي مفتاح الكتابة الإبداعية.

_____________________________

(1) مقدمة ابن خالدون،ج3،ص108

(2) النظريات اللغوية والنفسية العصيلي ص73

(3) الإمام ورش( ابحث بالاسم في ويكيبيديا)

عن دهب تلبو

mm
قاص وشاعر من السودان

4 تعليقات

  1. Looking forward to reading more. Great blog post. Want more.

  2. I would like to thnkx for the efforts you have put in writing this blog. I am hoping the same high-grade blog post from you in the upcoming as well. In fact your creative writing abilities has inspired me to get my own blog now. Really the blogging is spreading its wings quickly. Your write up is a good example of it.

  3. I conceive this web site contains some real wonderful information for everyone. « As we grow oldthe beauty steals inward. » by Ralph Waldo Emerson.

أضف تعليقاً