الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : هل يُجْدِ المجموع ثراء القلة ؟

ترجمات خاصة : هل يُجْدِ المجموع ثراء القلة ؟

12

بقلم : زيجمونت باومان

ترجمها عن الإنجليزية: إسلام علواني

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

تقديم :

قليلون يعلموننا لماذا، وليس كيف، نفكرُ بدقة. لا تتسم النزعة البحثية لدى زيجمونت باومان بتوجهٍ أجوف. يرى ثراء القلة وفاقة الغالبية فيتبع ذلك القبس. ليس زيجمونت باومان بين ظهرانينا اليوم، فلعله يغفر بعض تأويلات قمت بها ليستقيم المعنى، دفعتني إليها بلاغة وفلسفية الأسلوب. لا يعني ذلك بحال الانحراف عن مقصد المؤلف، رغم ما أوحت به وشجعت عليه بلاغته وغزارة جمله الاعتراضية التي كادت تدفعني إلى محاكاتها في بعض المواضع. مقال شيق وشائك يستجوب به نفسه ويتحقق عبره من مدى صواب نظره. إليكم نص المقال.

تُفيد إحدى الدراسات الأحدث التي أجراها المعهد العالمي لبحوث اقتصاديات التنمية بجامعة الأمم المتحدة بانفراد الواحد بالمائة (1%) الأكثر ثراءً من البشر البالغين بحيازة أربعون بالمائة (40%) من موجودات العالم في العام 2000، وكذا استحواذ العشرة بالمائة (10%) الأكثر ثراء من البشر البالغين على خمسة وثمانون بالمائة (85%) من إجمالي ثروة العالم. يحتكم النصف السفلي من سكان العالم على واحد بالمائة (1%) من ثروة العالم النقدية. لا يعدو ما سبق عن كونه قنص نظرة من مسيرة تمضي قدمًا… ومع ذلك يصطف بشكل يومي إلى جانب السابق المزيد والمزيد من الأخبار منقطعة النظير في السوء عن المساواة بين البشر، وكذلك عن جودة الحياة التي نحياها جميعًا.

“التفاوتات المجتمعية كانت لتُخجل مبتكري الحداثة”. – هكذا عقب ميشيل روكار، دومينيك بور، وفلوران أوجانير في مقالهم المشترك “الجنس البشري، مهدد بالانقراض” والمنشور في جريدة لوموند في الثالث من أبريل 2011. في عصر التنوير، أثناء حيوات كل من فرانسيس بيكون، ديكارت أو حتى هيجل لم يتجاوز مستوى المعيشة في أي من بقاع الأرض ضعفيه في أفقر أمصاره. اليوم، أغنى الدول، قطر، تباهي بدخل فردي يعادل 428 ضعف مثيله في أفقرها، زيمبابوي. وتلك، دعونا لا ننسى أبدًا، مقارنات بين متوسطات وليدة معايير موضوعة سلفًا – ما يجعلها – المقارنة- أشبه بوصفة طريفة لتحضير فطيرتي الأرنب والحصان: خذ أرنبًا واحدًا وحصانًا واحدًا[1]

إن التشبث العنيد للفقر بأهداب كوكب يشهد مخاضات أصولية النمو الاقتصادي يدعو المتأمل للتوقف برهة والتفكر في الخسائر المباشرة وغير المباشرة التي أحدثتها إعادة توزيع الثروة على النحو السابق. ومما يدعو إلى القلق الشديد أن الفجوة الآخذة في الاتساع بين الفقراء ومن لا باع لهم من ناحية، والميسورين، المتفائلين، الواثقين من أنفسهم وصاخبي الأصوات من ناحية أخرى هي فجوة لا يقدر على تسلق عمقها إلا الأكثر حنكةً وشدةً من المتسلقين. وكما يحذر كاتبو المقال المُشار إليه آنفًا، فإن أول ضحايا تلك الهوة ستكون الديمقراطية – ذلك أن لوازم المروق إلى عيش كريم، الآخذة أصلًا في الشح، النادرة، التي يصعب الحصول عليها، باتت محلاً لتنافسٍ شرس، وفي بعض الأحيان “موضوعًا لحروب تُشَن” بين الميسورين الذين يحصلون فعلاً عليها، والمحتاجون فعلاً إليها.

السابق يغمر بظلال من الشك، وإن لم تبلغ حد الرفض، إحدى أهم الحجج المناقبية، والمسوغات الأخلاقية التي تعضد اقتصاد السوق، ألا وهي أن طلب الربح الفردي يؤمِّن بدوره الوسيلة الأفضل لخير الجميع. خلال العقدين السابقين على بداية آخر أزمة مالية ارتفع فيما بين معظم الدول أعضاء منظمة التعاون والتنمية (OECD) الدخل الحقيقي للأسر بين أغنى عشرة بالمائة بوتيرة أسرع بكثير من مثيلتها بين العشرة بالمائة الأفقر. في بعض الدول انخفضت بالفعل الدخول الحقيقية لتلك العشرة بالمائة الأفقر فباتت على إثر ذلك التفاوتات بين الدخول جلية. ” في الولايات المتحدة بلغ متوسط دخل العشرة بالمائة الأغنى أربعة عشر ضعف دخل العشرة بالمائة الأدنى ” – أشعر حيال ذلك بوجوب التثنية على ما قاله جيريمي وارنر، مساعد رئيس تحرير الديلي تليجراف، إحدى أبرز اليوميات الجازمة بحذاقة ومهارة “اليد الخفية” للأسواق الموثوق بها من قبل المحررين والمكتتبين على السواء في حل أكبر عدد من المشكلات كلما زادت الأسواق. يقول وارنر: ” على الرغم من كونها مرفوضة من منظور مجتمعي، فإن التفاوتات بين الدخول لا تضيرُ أحدًا إذا كان الجميع يثرون معًا. ولكن حينما تذهب معظم ثمار النمو الاقتصادي إلى عدد قليل نسبيًا ممن بالفعل دخولهم مرتفعة، وهو ما يحدث واقعًا، فهذا يؤشر بجلاء إلى أن مشكلة سوف تحدث.”

ذلك الإقرار، على الرغم مما يكتنفه من حذر وفتور يُشعرانا بأنه، كما هو بالفعل، نصف حقيقي، يأتي متزامنًا مع، ومحمولاً على موجة صاعدة من النتائج البحثية والإحصاءات الرسمية التي توثق اتساع البون بين من يتربعون على قمة الهرم الاجتماعي ومن يلتصقون بقاعه. في تنافر مُزعج مع ما تهدف بعض التصريحات السياسات عبر إعلانه إلى تحويله إلى معتقد شعبي – مشكوك فيه ومسكوت عنه – الثروة المركومة في الأعلى مُنِع تدفقها إلى أسفل لإثراء أو طمأنة بقيتنا بشأن مستقبل أكثر إشراقًا أو بهجةً لنا ولأبنائنا

عبر التاريخ الإنساني لم تفاجأ البشرية مظاهر مثابرة اللامساواة لمد نطاقها وإعادة إنتاج نفسها. ومع ذلك يُعزى استحواذ الموضوع مرة أخرى على اهتمام الرأي العام، جنبًا إلى جنب مع مسبباته وتبعاته، إلى تمثله منصة لانطلاق العديد من السجالات الشغوفة والمفارقات التنويرية.

من أهم تلك المفارقات اكتشاف، أو بالأحرى كشف النقاب عن أن الفجوة الكبيرة في المجتمع الأمريكي والبريطاني والعديد من المجتمعات الأخرى باتت أقل بين الطبقات العليا والوسطى والدنيا منها بين الأثرياء القلة في أعلى الهرم الاجتماعي وذينك الطبقات الثلاث. على سبيل المثال، تضاعف عدد البليونيرات في الولايات المتحدة أربعون مرة في الخمس وعشرون عامًا السابقة على 2007، بينما ارتفعت الثروة الإجمالية لأغنى أربعمائة أمريكي من 169 بليون دولار أمريكي إلى 1500$ بليون. عقب العام 2007، أثناء سنوات انهيار الائتمان وما أعقبها من كساد اقتصادي وزيادة في معدلات البطالة، اتخذت الفجوة اتجاهًا مكوكيًا: فبدلًا من تأثر الجميع بالبلية بشكل متساو بدت –البلية- وكأنها متعنتة في تحيزها بشأن توجيه ضرباتها: بلغ عدد أصحاب البلايين في العام 2011 أعلى معدلاته على الإطلاق ليصل إلى 1210، حيث تمددت ثرواتهم مجتمعة من $3500 بليون في 2007 إلى $4500 بليون في 2010.

عام 1990، حسب التصنيف المُعد سنويًا بواسطة الصنداي تايمز، احتاج الفرد إلى 50 مليون جنيه إسترليني للانضمام إلى زمرة المائتين الأكثر ثراءً بين قاطني بريطانيا. بحلول عام 2008 قفز الرقم السابق إلى 430 مليون جنيه إسترليني، وهي زيادة تقارب التسعة أضعاف. ترتيبًا على ذلك، ” مجموع ثروات الأشخاص الألف الأكثر ثراءً في العالم تعادل تقريبًا مجموع ثروات البليونين ونصف الأكثر فقرًا.” وفقًا للمعهد العالمي لبحوث اقتصاديات التنمية الكائن بهلسينكي، فإن المنتمون لشريحة الواحد بالمائة الأكثر ثراءً في العالم أكثر ثراءً بألفي مرة تقريبًا من المنتمين إلى النصف الأسفل من البشرية. بمناسبة تدقيقه للمتاح من التقديرات فيما يتعلق بعالمية اللامساواة، عقب دانيلو زولو[2] ” نحتاج القليل جدًا من البيانات لنؤكد بجلاء أن الشمس، في زمن العولمة، تغرُب عن “عصر الحقوق”. تفيد منظمة العمل الدولية “ILO” بأن ثلاثة بلايين إنسان يعيشون الآن[3] تحت خط الفقر، والمُقدر بأقل من دولارين أمريكيين في اليوم الواحد. في توطئته لتقرير التنمية البشرية المُعد بواسطة الأمم المتحدة عام 1998، سجل “جون جالبريث”[4]  انفراد 20% من سكان العالم ب 86% من السلع والخدمات المُنتجة والمُقدمة عالميًا، بينما قُدر استهلاك ال 20% الأكثر فقرًا ب 1.3%؛ بينما اليوم، عقب مرور ما يقرب ما خمسة عشر عامًا ازدادت تلك الأرقام سوءًا: يستهلك ال 20% الأكثر ثراءً 90% من السلع المُنتجة، بينما يستهلك ال 20% الأكثر فقرًا 1%. تشير التقديرات أيضًا أن 40% من ثروة العالم يملكها 1% من سكانه، بينما يمتلك العشرون الأكثر ثراءً في العالم لموارد تعادل تلك المملوكة لأفقر بليونين ونصف من سكانه.

في عام 2003 لاحظ جلين فايربو[5] أن هناك انقلاب في الاتجاه الذي ساد طويلًا فيما يتعلق بعالمية اللامساواة – فمن منحنى للامساواة صاعدًا عبر الأمم ثابتًا أو هابطًا فيما بينها إليه هابطًا عبر الأمم صاعدًا داخلها.  بينما أحرزت الاقتصادات الوطنية “النامية” أو “عارضة النمو” تدفق هائل لرأس المال في إطار بحثه عن الربح السريع الذي تعد به “الأرض البكر” الآهلة بعمالة طيعة ورخيصة لم تُصب بعد بجرثومة النزعة الاستهلاكية مستعدة –لذلك- للعمل لقاء أجور زهيدة لا تتعدى حد الكفاف، تسارع اندثار الأعمال في الاقتصادات “المتطورة” تاركة العمالة المحلية في وضع مُتدهور وقابل للمساومة. في عام 2012 كشف فرانسوا بورجينون[6] أنه بينما تتقلص اللامساواة كوكبيًا بين الاقتصادات الوطنية، إذا ما قِيست بمتوسط دخل الفرد، فإن التباعد بين الاقتصادات الأكثر غنى وتلك الأكثر فقرًا يزداد، وتباين الدخول داخل الدولة الواحدة يتمدد.

عند استضافته بواسطة مونيك أتلان[7] و روجر بول دروا[8]  أجمل الاقتصادي والروائي الحائز على جائزة جونكور[9] إريك أورسنا ما تسعى تلك البيانات الكثيرة إلى إيصاله. لقد شدد على كون التحولات الحديثة لا يفيد منها إلا أقلية متناهية الصغر من سكان العالم؛ قد نضل عن حجمهم الحقيقي إن حصرنا تحليلنا، كما اعتدنا أن نفعل حتى عقد مضى، في متوسط مكاسب ال 10% الأعلى دخلًا. للإحاطة بآلية ذلك التحول، استقلالًا عن كونها مجرد طور في مرحلة، يحتاج المرء إلى التركيز على الواحد بالمائة (1%) الأعلى دخلًا، وربما ال 0.1%. الإخفاق في ذلك قد يحيد بنا عن استيعاب أثر التغيير الكامن أساسًا في انحدار الطبقات الوسطى إلى مرتبة متأرجحة[10].

يؤكد الطرح السابق كل الدراسات، المحلية منها والوافدة من كل حدب وصوب. إضافة إلى ذلك، تُجمع كل الدراسات على أمر آخر: ازدهار اللامساواة في جل بقاع العالم، وهو ما يعني أن الأغنياء، تحديدًا الأكثر غنى، يزدادون غنى، والفقراء، وتحديدًا من هم في فقرٍ مُدقع، يزدادون فقرًا – تتقاطع بعض الدراسات في توكيدها للسابق بشكل نسبي، ويتطابق البعض الآخر بشكل مطلق. علاوة على ما سبق: يزداد الأغنياء غنى فقط لأنهم أغنياء، والفقراء فقرًا فقط لأنهم فقراء؛ تزداد اللامساواة رسوخًا بقوة منطقها. لا حاجة إلى عوامل مساعدة خارجها – لا حاجة إلى مُحفزات، ضغوط أو حتى ضربات خارجية. اللامساواة المجتمعية باتت اليوم أقرب ما تكون لهاتف نقال لا ينقطع بثه أينما جال نجح البشر أخيرًا، بعد محاولات عديدة فاشلة، في تنفيذه وتفعيله. هذا هو ثاني المفارقات التي تدعونا إلى تناول اللامساواة المجتمعية من منظور مختلف.

حذرت دراسة لمعهد كارنيجي أُجريت عام 1979 استنادًا إلى الكم الهائل من الدلائل المتاحة حينها، والتي دأبت على تأكيده الحياة اليومية: أن مستقبل أي طفل تقرره ظروفه الاجتماعية، والرقعة الجغرافية التي وُلد فيها، ومركز والديه في تلك الرقعة – ولا تقرره عقولهم، مواهبهم، جهودهم أو تفانيهم. كانت لنجل أي محام عن إحدى الشركات الكبرى حينها فرص أفضل ب 27 مرة من تلك التي لابن أي من الموظفين الصغار محدودي المدة (كلا الابنين يجلس على نفس المقعد، في نفس الصف الدراسي، في نفس المستوى العقلي، يستذكر دروسه بنفس القدر من الانهماك، ويسجلان نفس الدرجة في اختبار الذكاء) وفي سن الأربعين يجني الأول راتب يضعه ضمن ال 10% الأكثر ثراءً في بلده، بينما تكون للثاني فرصة من ثمانية فرص للتحصل على دخل متوسط. الآن، وقبل انصرام أقل من ثلاثة عقود، تحديدًا عام 2007، ازداد المشهد قتامة – اتسعت الهوة وتعمَّقت وبات الربط بين جهتيها أصعب من أي وقت مضى. كشفت دراسة أجراها مكتب تابع للكونجرس أن ثروة ال 1% الأكثر ثراءً بين الأمريكيين تبلغ 16.8 تريليون دولار، أكثر ب 2 تريليون دولار من ثروة ال 90% التالية من الأمريكيين. وفقًا لمركز التقدم الأمريكي[11] خلال تلك العقود الثلاثة نما متوسط دخل النصف السفلي من الأمريكيين بمعدل 6% – بينما ازداد دخل ال 1% الأعلى دخلًا بمعدل 229%.

في عام 1960، تقاضى المدراء التنفيذيون لأكبر الشركات الأمريكية راتب صاف أكبر ب 12 مرة من متوسط أجر عمال المصانع. بحلول عام 1974 ارتفعت رواتب المدراء التنفيذيين – شاملة البدلات- لتبلغ 35 ضعف أجر الموظف المتوسط. في 1980 تحصل المدير التنفيذي العادي على راتب يعادل 42 ضعف أجر العامل اليدوي، وبمرور عشر سنوات أخرى تضاعف ليصل إلى 84 ضعف. ولكن 1980 مثلت بداية تسارع هائل في معدل التفاوتات بين الدخول. فبحلول منتصف التسعينيات، وفقًا لمجلة Business Week، وصل الرقم إلى 135 ضعف: وفي عام 1999 بلغ 400 ضعف، أما في عام 2000 فقد قفز مرة أخرى إلى 531 ضعف[12]. مرة أخرى، لا يعدو ما سبق عن كونه غيضٌ من فيض أرقام مُتدفقة، محاولةً فهم، حصر، وقياس الواقع الذي يُوَّلد تلك الأرقام. لن يُعجزنا اقتباس المزيد والمزيد منها، فلا شُح فيها، حيث تتوالى الدراسات في تراكمها فوق سابقاتها.

ما هي إذن الحقائق الاجتماعية التي تعكسها تلك الأرقام؟

هكذا يُجمِل جوزيف ستيجليتز[13] التبيانات التي خلَّفتها الحصيلة المثيرة للعقدين أو الثلاثة عقود الأكثر ازدهارًا في تاريخ الرأسمالية، كما هو مزعوم، وهي العقود الثلاثة السابقة على الأزمة المالية لعام 2007 والكساد الاقتصادي الذي تلاها: سُوِّغت اللامساواة دومًا على أساس أن أولئك الذين في القمة يسهمون اقتصاديًا أكثر من غيرهم عبر الاضطلاع بمهمة “خلق الوظائف” – وهو ما لم نرهم يضطلعون به في الأعوام 2008 و 2009، فقد رأينا أولئك الذين دمروا الاقتصاد يقنصون مئات الملايين من الدولارات ويتلاشون. “لا يمكن تبرير المكافأة تلك المرة على أساس من الإسهام المجتمعي لمستفيديها؛ فإسهام الأخيرين لم يتمثل في خلق وظائف جديدة، إنما طوابير طويلة من العاطلين عن العمل ممن لا حاجة للأعمال بهم ( حيث المُتبطلون اليوم ممن كانوا يعملون – وهو ما يجب ألا يتم دون الاستناد لأسباب وجيهة). في كتابه “تكلفة اللامساواة (الناشر: WW Norton & Company 2012)، يُعقب ستيجليتز بأن الولايات المتحدة آلت إلى دولة ” يقطن الأثرياء فيها في جاليات مُسيَّجة، يرسلون أبناءهم إلى مدارس باهظة، ويشتركون في الخدمات الصحية الممتازة. وفي تلك الأثناء يحيا البقية حياة مُتداعية؛ تعليم متوسط في أفضل الحالات، وخدمة صحية مخصصة. التالي وصف لعالمين تجمعهما القليل من الصلات والقليل من اللقاءات، كما كاد التواصل بينهما أن ينقطع ( أكثر من أي وقت مضى، باتت العائلات في الولايات المتحدة وبريطانيا تجنِّب قدرًا أكبر من دخولها لتغطية نفقات انعزالهم مكانيًا ومجتمعيًا، كلما ازداد ابتعادهم عن “الآخرين”، وخاصة الفقراء منهم، كان ذلك سكنٌ لهم).

في تشريحه الثاقب للوضع الحالي لللامساواة يكسو دانيال دورلن، أستاذ الجغرافيا البشرية بجامعة شيفيلد، عظام ستيجليتز لحمًا – فبينما تزداد على التواز اللامساواة محليًا وعالميًا التالية إحداثياتها: يتضور ال 10% الأكثر فقرًا جوعًا بشكل منتظم. ال 10% الأكثر ثراء لا يذكرون وقت مر عليهم، أو على عائلاتهم، وهم جائعون. قلَّما استطاع أفقر 10% توفير تعليمًا أساسيًا لأطفالهم؛ بينما ال 10% الأكثر ثراء مهمومون بدفع مصروفات مدارس مناسبة يطمئنون فيها على عدم اختلاط أبناءهم إلا بما يسمون “أقرانهم” و “الأعلى مقامًا منهم”، ذلك أنهم باتوا يخشون اختلاط أطفالهم بأطفال الآخرين. ال 10% الأكثر فقرًا غالبًا ما يقطنون حيث لا ضمان اجتماعي، ولا إعانة بطالة. ال 10% الأكثر ثراء لا يتصورون اضطرارهم للاعتياش على تلك الإعانات. يستطيع ال 10% الأكثر فقرًا بالكاد المُياوَمة[14] في المدينة، أو الفِلَاحَة في الريف؛ لا يتخيل ال 10% الأكثر ثراء عدم الحصول على راتب شهري. وعلى رأس أولئك، ذلك الجزء من المائة، فاحشي الثراء الذين لا يتصورون الاعتماد على الراتب الذي يتمثل في الفائدة النقدية التي تولدها ثرواتهم.

ويُعقب دورلن: “طالما استُقطِبَ الناس مكانيًا، يعرفون عن بعضهم أقل ويتخيلون أكثر”… وفي تقريره المعنون “اللامساواة: السبب الرئيس لمحننا الاقتصادية” يتقاطع ستيوارت لانزلي[15] مع ما توصل إليه ستيجليتز ودورلن من كون التسليم بأحقية الأثرياء في أن تُسدى إليهم المزيد من الخدمات كلما ازدادوا ثراء إن هو إلا خليط من كذب مُمنهج والخُلق مُلتوٍ: وفقًا للأوثوذوكسية الاقتصادية فإن جرعة ثابتة من اللامساواة تثمر عن اقتصادات أكثر كفاءة ونموًا. ذلك أن المزيد من المكافآت والقليل من العائدات عند القمة –كما هو مزعوم- ينعش ريادة الأعمال ويؤدي إلى اتساع الرقعة الاقتصادية.

هل كانت إذن تجربة الثلاثين عامًا من إنعاش اللامساواة مثمرة؟  تشير الدلائل إلى عكس ذلك. تصاعدت الفجوة بين الدخول والثروات ولكن دون أن تؤدي إلى التقدم الموعود.  منذ عام 1980 تناقصت معدلات النمو والإنتاج بالمملكة المتحدة بمعدل الثلث، وباتت معدلات البطالة خمس مرات أعلى منها في مساواتية[16] ما بعد الحرب العالمية الثانية. كان لكسادات 1980 الثلاثة أثر أطول وأعمق من كسادي 1950 و 1960 أدى إلى أزمة عام 2008. ما تمخض عن تجربة ما بعد 1980 هو اقتصاد استقطابي أكثر عرضة للأزمات.

في إطار ملاحظته أن ” تدني الأجور[17] يؤدي إلى ندرة الطلب في اقتصادات تعتمد بشكل كبير على الاستهلاك” لذا ” فإن المجتمعات الاستهلاكية تفقد طاقتها الاستهلاكية”، وأن ” تركز نواتج النمو عالميًا في أيدي نخبة مالية صغيرة يؤدي إلى حدوث فقاعات مالية”، ينتهي لانزلي إلى استنتاج حتمي: الواقع الشرس للامساواة سوف يطال المجتمع إلا قليلًا. ويُذيعُ رأيًا كان يجب أن يُتبع عقب وقوع السابق، وهو ما لم يحدث حتى الآن: ” تُنبئنا الثلاثين عامًا الماضية بأن النموذج الاقتصادي الذي يُمكِّن الأكثر ثراءً في المجتمع من الاستحواذ على قدر أكبر وأكبر من الكعكة سوف ينتهي بتدمير ذاته”. وهو الدرس الذي، على ما يبدو، لازال علينا استيعابه”.

لكي نستوعب ذلك الدرس نحتاج بشدة، كيلا نبلغ نقطة لا عودة، إلى: لحظة التتمة التي يبلغ فيها “النموذج الاقتصادي” الحالي، نظرًا لفشل كافة التحذيرات بقرب وقوع كارثة التي أطلقها في لفت انتباهنا واستنفارنا، خاصيته التدميرية الذاتية. أوضح ريتشارد ويلكنسون وكيت بيكيت، مؤلفا الدراسة المدهشة “الميزان المُستوي: لماذا تُعد المجتمعات المُساواتية أفضل (الناشر Allen Lane 2009)، في مقدمتهما لكتاب دورلن أن تأسيس الاعتقاد ب ” تقاضي الأثرياء لرواتب ومكافآت كبيرة على “مواهبهم الاستثنائية” “التي يفيد منها بقية المجتمع” هو من قبيل الكذب الصريح. كذبٌ يمكننا، في هدوء، المخاطرة بتجرعه، وتكون عاقبة ذلك إلقائنا بأيدينا إلى التهلكة.

منذ ظهور دراسة ويلكينسون وبيكيت والدلائل على خطورة، بل وتفاقم آثار المعدلات متسارعة الارتفاع لللامساواة على علوم الأمراض في التجمعات البشرية واستشراء المشكلات الاجتماعية في تراكم مستمر. لقد تأكد بإسهاب حتى الآن الارتباط بين ارتفاع معدلات التباينات بين الدخول والأمراض المجتمعية. وعلاوة على تأثير اللامساواة على جودة  الحياة يشير عدد كبير من الباحثين والمحللين أن لها أثر عكسي على الأداء الاقتصادي: عوضًا عن تحفيزه، يثبطه. في دراسته المذكورة آنفًا يثير فرانسوا بورجينون[18] بعض مسببات إعاقة الأداء الاقتصادي –  كحرمان رواد الأعمال المحتملين من الاعتمادات البنكية نظرًا لعدم توافر ضمانات السداد التي يتطلبها المُقرضون، أو ارتفاع تكاليف التعليم ما يحرم النابغين من الشباب من اكتساب المهارات اللازمة لتطوير وتفعيل قدراتهم. ويضيف إلى السابق الآثار السلبية للتوترات المجتمعية وما أشاعته من أجواء انعدام الأمن – التكاليف المتزايدة للخدمات الأمنية تستحوذ على معظم الموارد، وهو ما كان يمكن صرفه إلى استخدامات أفضل.

بناءً عليه، الخلاصة: ألا يُعد معظمنا على صواب فيما نعتقد من ترغيب وترهيب جميعنا لاعتقاده واعتناقه؟ هل حقًا يُجدِ المجموع ثراءُ القلة؟  ليس صحيحًا، على وجه الخصوص، أن كل وأي مساس بالتفاوتات الطبيعية بين البشر يُعد ضارًا بالصحة والحيوية، أو بقوى الإنتاج والإبداع في المجتمع والتي يعقد كل فرد في المجتمع آمالاً عريضة على تعظيمها والإبقاء عليها في أفضل مستوى ممكن. وليس صحيحًا أن التمايز في المراكز الاجتماعية، الصلاحيات، الاستحقاقات والمكافآت يعكسُ تميُّزًا في مواهب وإسهامات مُنتسبيها من أجل خير المجتمع. أتفانى الكذب في دعم اللامساواة، أم عليه أُسست؟

ـــــــــــــــ

[1] Take one hare and one horse: يبدو أن الكاتب يهدف هنا – عبر التدليل بشكل ساخر- إلى لفت انتباهنا إلى أن معايير قياس المتوسطات لم تأخذ في اعتبارها الفروق بين الكميات التي تُحسب على أساسها المتوسطات. فالفطيرة التي استُخدم لصنعها أرنبًا واحدًا استُخدم لصنع مثيلتها حصانًا كاملاً.

فطيرة الأرنب إحدى الفطائر الشائعة في بلد الكاتب “بولندا”.

[2] Danilo Zolo is professor of Philosophy and Sociology of Law at the University of Florence. المترجم”

[3] كُتب المقال في يناير 2013

[4] John Kenneth “Ken” Galbraith, October 15, 1908 – April 29, 2006) was a Canadian (and later American) economist, public official, and diplomat, and a leading proponent of 20th-century American liberalism. See the original at Wikipedia ” المترجم”

[5] Glenn Firebaugh is an American sociologist  “المترجم”

[6] François Bourguignon was the former Chief Economist (2003–2007) of the World Bank.” المترجم”

[7] Monique Atlan is a French journalist and TV hostess. ” المترجم”

[8] Roger-Pol Droit is a French academic and philosopher. ” المترجم”

[9] Goncourt prize is awarded annually to French-written novels. ” المترجم”

[10] لم استدل للأصل الإنجليزي على مثيل عربي. ولكنها أقرب إلى التأرجح وعدم الاستقرار. حيث شبه وضع الطبقات الوسطى بوضع طبقة ظروفها الاقتصادية غير آمنة نظرا لتركز الثروة في هامش بسيط من الطبقة العليا تجردت على أثره الطبقى الوسطى من امتيازها التاريخي كطبقة شبه مستقلة. الأصل الإنجليزي “ Precariat” – المترجم

[11] Center for American Progress

[12] يُفترض أن المعامل هنا هو أجر العامل اليدوي، أو ذو الياقة الزرقاء.

[13] Joseph Eugene Stiglitz is an American economist and a professor at Columbia University.

[14] مُياومة

[15] Stewart Lansley is an economist and financial journalist.

[16] Egalitarian/مساواتي

[17] المقصود بالأجور هنا أجور العمال والموظفين” السواد الأعظم”

[18] الفقرة 8 من المقال

عن إسلام علواني

mm
مترجم من مصر