الرئيسية / احدث التدوينات / ذو الوجهِ المُجعّد*

ذو الوجهِ المُجعّد*

sufism3

– “حكمُ أهلِ الله”.

       صاح حاجب المحكمة بصوتٍ فخيم، واضحٍ وعميق، دون أن يُطلب منه ذلك، ودونما هي الأعراف المُتَّبعة، في تلك اللحظة التي تلت نقر القاضي بمطرقته على الطاولة الخشبية، وهو يهُم بتلاوة حكمه على الحضور في حق المتهم، والذي كان بدوره يتابع الموقف بتوترٍ وبعينين قلقتين، بينما يقبض بكلتا يديه على قضبان المحبس.

      “هَممم .. يا للسَّخيف! إنه يُربكني بعبارته هذه، لقد مللت هذه العبارة، مللتها وسئمته، يا للسَّخف!”. تمتم القاضي الشاب بغضب، وهو يتململ في كرسيه، وكان يشعر بالامتعاض الشديد، موجهاً عبارته للقاضي الآخر الجالس إلى يمينه، والذي بدوره زمّ شفتيه، ورفع حاجبيه لأعلى، ما يعني: شيء غريب.

      كان الحاجب دائماً ما يشعره بالتوتر، وفي أحايين بالغموض الذي يظهره عبر نظراته وعباراته الملغزة، لا سيما حينما يصيح بعبارة “حكم أهل الله”، هذه العبارة بالذات والتي ما يفتأ الحاجب يكررها، ويصيح بها في كل الجلسات دون أن ينسى، أو يسهو، وكأنما هي واجب فرضته عليه المحكمة كلما نقر القاضي بمطرقته استعداداً لتلاوة حكم ما. سرعان ما أضحت العبارة، والطريقة المفاجئة التي يلقيها بها الحاجب، تُشعر القاضي بتشويش متعمّد، وتدخل سافر في قراراته، وفي قدسية اللحظة الحساسة والتي تسبق تلاوة الحكم، اللحظة التي تنقبض فيها القلوب، وتُحبس فيها الأنفاس.

      دائماً في اللحظة الفاصلة والقلقة هذه يشق صياح رجل أشيب ذو وجه مجعد صمت المحكمة المهيب .. “آه، هذا الحاجب غريب الطباع، كيف له أن يفسد قدسية اللحظة الحساسة بعبارته الساذجة تلك، آه، كيف يجرؤ؟ هذا الستيني المخرف، كم يشعرني بالامتعاض، أيّ حكم وأيّ أهل الله يقصد؟، الرجل الدرويش الساذج المضحك، كيف يجرؤ بتدخله في تلك اللحظة بصورة حقيرة، آه، تلك اللحظة، لحظة المحكمة المهيبة، ولحظتي أنا وحدي. آه، سيمرضني هذا الرجل، سيمرضني سيمرضني!” كان يحادث نفسه قبل أن ينطق الـ “سيمرضني” هذه بصوت مهموس غاضب، وهو يصك على أسنانه، ويخرج زفيراً حاراً.

      مع الزمن وبصورة غير مقصودة وغير واعية، أصبح الأمر يشغل ذهنه بإلحاحٍ ممل، ويحوم في دماغه كنفخة دخان. الحاجب، الستيني الأشيب، ذو الوجه المجعد، وعبارته التي ينطقها بصوت عالٍ وواضح ومهيب، أصبح شغله الشاغل، يقضّ مضجعه، ويشغل ذهنه بصورة مقلقة. “آه يا ربي، كيف لهذا الأمر التافه أن يشلّ فكري!”، وكان دائماً ما يظهر في هلاويسه بصورة واحدة، ثابتة ومكرورة: (كان هو يجلس على كرسي، وحده في منتصف فناء قاعة المحكمة الفارغة تماماً، وسط صمت مطلق، وكان يجحظ بعينيه في الناحية التي يقف عندها الحاجب كعادته، والذي لا يكون في مجال الرؤية لحظتها، لكن الآخر، وبصورة مباغتة، يفاجئه من الخلف، يقترب منه بخفةِ لص، يقرّب وجهه المجعد من أذنه، يحرك راحتي يديه ببطء ويضعهما حول فمه، ثم يصيح بأعلى صوته: “حكم أهل الله، حكم أهل الـ …” الصوت العالي يصك أذنه، يجرح صداه صمت الفناء المطلق كسكين حادة، يقف القاضي مذهولاً وقد سدّ أذنيه بكلتا راحتيه، يدور حول ذاته منشدهاً ولا يبصر أحداً، يدور ويدور، ثم ما يلبث ويجرفه دوار عنيف، فيسقط على رأسه سقوطاً مدويّاً). هذا الحلم الأليم المكرور يوقظه من نومه مرعوباً فيصرخ من الألم الروحي “آآه” يطلقها بحدة وخوف، وقلبه يركل بعنف، بينما يمسك رأسه المتعرّقة من صدعيه وقد أصابته الشقيقة.

      في الصباح، وعند مدخل المحكمة، وبصورة سريعة، قابله وجهاً لوجه، كان يحمل بعض الملفات وهو يقترب منه، تمنّى لو يفلته دون أن يراه، تمنى لو يقذف به بعيداً عن وجهه، لو يصرخ فيه : “آه، لا أطيقك، لا أطيقك! “.

      – صباح الخير.

      بادره الرجل، وفي وجهه الستيني المجعد قد وضع ابتسامة بسيطة وودودة.

      – أهلاً، صباح النور.

      ردّ باقتضاب. لو ركّز الحاجب، ولو لثانية، في فم القاضي، لوجد أن العبارة قد خرجت تحديداً من بين أسنانه، لكنه مضى في طريقه دون هذا التركيز. ثم ولماذا يركز في الأصل؟ حسبه أنه مجرد القاضي المحترم الذي يشتغل معه، وحسبه أنه قد بادره بعبارة لطيفة وابتسامة بسيطة وودودة وغير متكلفة، ثم هل ثمة عداء يكنه الرجل للقاضي؟ لا، إذن لماذا يركز في فمه ليدقق ما إن كان القاضي قد ردّ تحيته بعبارة لم تخرج إلا من بين أسنانه !؟. لكنها وعلى كل حال، خرجت فعلاً من بين أسنانه دون أن يكترث لها.

      “صباح الخير!”، ومن أين يأتي الخير وأول شخص أصادفه هذا الصباح هو أنت؟ آه، كم أمقتك، وأمقت تدخلك المزعج السخيف في جلساتي!، هَممم ..” تمتم القاضي بينما يعبر الممر ناحية مكتبه بوجهٍ غاضب.

      “محكمة!”، صاح الحاجب بما يشبه الصراخ معلناً بدء الجلسة، وقف الحضور، وعلى إثر ذلك دخل القاضي وجلس على كرسيه خلف الطاولة الخشبية الطويلة الموضوعة على مصطبة مرتفعة قليلاً عن مستوى قاعة المُحاكمة، بينما جلس إلى جواره قاضٍ آخر لحق به، ثم جلس الحضور بدورهم، وبدأت الجلسة التي استأنفها القاضي باستنطاق الشهود ومن ثمة سماع المدّعين، وسط انصاتٍ مطلق من قبل الحضور، واهتمام كبير ظهر عبر نظراتهم الجادة وهم يومئون برؤوسهم من حينٍ لآخر بإمعانٍ وببطءٍ، وبصورة آلية تظهر تجاوبهم مع حيثيات الجلسة.

      بعد الاستماع للجميع، تهامس القاضيان فيما بينهما لاتخاذ القرار الأخير في القضية التي امتدت لثلاث جلسات سابقة، وبعد مشورة هامسة حاسمة بين القاضيين، أخيراً اعتدل القاضي في كرسيه، ورتب أوراقه استعداداً لتلاوة الحكم. في هذه الأثناء تبادل الحضور فيما بينهم كلاماً مهموساً ونظرات قلقة، وبدت جوقة خفيفة تسري بينهم، نقر القاضي الآخر نقرات خفيفة بالمطرقة فهمدت الأصوات، ودبّ صمت مطلق في القاعة تجرحه بعض النّحنحات، وسط ترقب الحضور القلق للحكم الصادر في حق القضية العالقة.

     وأخيراً رفع القاضي رأسه عن الورق، تنحنح مزيلاً حشرجة من حلقه، ثم أخذ المطرقة ونقر بها النقرتين القويتين الواضحتين لا سيما وسط ذلك الصمت المهيب، لكن ولا أدري كيف أنه لم ينتبه وفي هذه اللحظة بالذات إلى الرجل ذو الوجه المجعد، حيث كان الحاجب يتنحنح بدوره، وها هو الآخر يتلو عبارته بصوت مسموع، واضح وعميق، وكأنه وحي منزّل مفروض التبليغ: “حكمُ أهلِ الله”.

      التفت الحضور صوبه بفضول وغرابة، لكن كان قد صمت هو الآخر، ووقف وقفته المعهودة، وكأنه لم ينطق بشيء. كان القاضي حينها قد فقد صوابه، فهبّ واقفاً صارخاً بغضب: “آه أيها الرجل! بالله عليك أصمت .. بل أخرج والآن، إنك دائم الانتهاك لحرمة هذه المحكمة، لقدسية هذه اللحظة، أخرج الآن وفوراً!”. وبعد لحظات من خروجه، عاد الصمت والهدوء مجدداً، فتلا القاضي حكمه باقتضاب، وبنبرة صوت متوترة قال أخيراً: رُفعت الجلسة.

      استدعاه في مكتبه، ولما مثل أمامه قال دون أن يخفي غضبه الشديد:

      – أنت موقوف ومنذ اليوم عن العمل، لا نريدك.

      – ههه، نحن أيضاً لا نريدك.

      بكل برود، وبنبرة هادئة ومتأنيّة، قال الحاجب عبارته للقاضي، حيث ما تزال ابتسامته البسيطة عالقة بوجهه المجعد.

      سرت موجة ساخطة وعارمة في روح القاضي، وهو يحسّ باستخفاف الحاجب، “آخخ.. الوغد الملغِز السخيف!” قال في نفسه، ثم هبّ واقفاً وقد اتسعت عيناه، وقال بخليط من الذعر والغضب:

      – آه، وتجرؤ؟؟، ومن أنتم؟، يا للوقاحة!. صدقني، أيها الرجل الطيّب، لم أرَ شخصاً بهذه الوقاحة مثلك من قبل، أغرب عن وجهي، لا أريد أن أراك مجدداً، ولا أن أسمع عباراتك الغريبة، ولا تحشرك الساذج ولا أن …

      – سأذهب، وستذهب.

      قاطعه الرجل، وضحك ضحكة خفيفة بدت مستهزئة، أو ربما حسبها القاضي هكذا. ثم خرج بهدوء، وأغلق الباب خلفه.

      حقاً، فبعد ستة أيام تقريباً، تفاجأ القاضي بورقةٍ رسميّةٍ مروّسة في طاولة مكتبه تقول بإعفائه. كان الأمر فعلاً غريباً ومثيراً للدهشة بالنسبة للآخرين، قبل أن يكون له هو شخصياً. وللحقيقة، فالقاضي يعتبر من أميز قضاة المحاكم، هذا وباعتراف الجهات العليا ذاتها، كان كفئاً وشخصاً مهاباً نافذاً وذا اعتبار. أضف إلى ذلك حداثة سنّه، ما تجعله أبعد ما يكون عن سن التقاعد. إذن أمر إعفائه لا يمكن إلا أن يكون مجرد نكته عابرة وسخيفة، لكن الأمر في نفس الوقت كان حقيقي، صادراً من الجهات العليا ذاتها، بصدد إعفاءات جماعية، وإجراءات تراتبية مركزية حتمية التنفيذ، كان الأمر بالنسبة إليه صادم وغير متوقع، لكن ابتلعه، كما يبتلع جرعة دوائية حامضة بمضض. 

     وسط التوتر، والتشويش الذهني، وطعم الجرعة الدوائية الحامضة، برق في ذهنه وجه مألوف، وجه مجعد لا يمكن إلا أن يكون لحاجب المحكمة، نعم الحاجب، الرجل الغريب الملغز، والذي طرده وأذله قبل أيام، ثم تناهى لسمعه صوته وهو يردد بنفس فخامة عبارة “حكم أهل الله” : (سأذهب، وستذهب). “آه النذل الوقح! ” ، ردد القاضي في نفسه بغضب وحرقة، “لا بد وقد وشي بي بأمرٍ ما، لكن أيّ أمر، وأي شخصٍ متعقِّل يمكن أن يأخذ بكلام هذا الدرويش الساذج، هذا النذل الحقير! آه، إنه هو … ولكن كيف، كيف! ” وهزّ بقبضته وهو يصك بأسنانه، وانشغل ذهنه كطاحونة هواء.

      أخيراً قرر الذهاب.. “أن أذهب إلى بيته! يا إلهي! ما يعني .. ما يعني .. وهكذا أحتقر نفسي .. آه .. سأقف في الطريق وأنا أسير نحو بيته وأصرخ: أيها الناس، أنظروا إليّ، كم أنا ضعيف وحقير .. هو ذاته ما أن يراني حتى يشعر بالشفقة نحوي، آه، يا ربي! صرت مبعثاً للشفقة، ومن من؟؟ المجعّد النذل، آه، يا للتفاهة!”.

      عند النقرة الثالثة، فتح له الباب. ما هو غريب في الأمر، أن الرجل، حاجب المحكمة، والذي طرده من العمل قبل أسبوع نفس القاضي الواقف أمامه بطريقة غير لائقة، لم يبدِ أي اندهاش أو ما يظهر أنه تفاجأ، وكأنه على علمٍ مسبق بالزيارة الغريبة. كان يرتدي جلباباً أبيضاً خفيف، وينتعل خفاً قديماً يناسب تماماً تجعيدات وجهه، بينما يحمل في يده مِسبحة. أدخله وأكرمه، قدم له ماءاً وتمراً. وبعد تردد قال القاضي:

      – لعلك علمت أنني أعفيت مؤخراً عن العمل، ولا يخفى عليّ أنك أنت السبب، نعم أنت السبب، ولكن كيف؟ بماذا وشيت بي ولمن؟ ماذا قلت؟ كيف …؟.

      – حكمُ أهلِ الله.

      قاطعه الرجل بالعبارة، آه، العبارة ذاتها التي تؤلم القاضي، العبارة التي هي سبب بلوته. كاد القاضي أن يصرخ في وجهه: “بالله عليك أيها اللعين، أعفيني من هذه العبارة!”، لكنه لاذ متردداً بالصمت، قبل أن ينطق أخيراً بنفاد صبر :

      – كيف؟، أرجو أن توضح الأمر أكثر، دون كلماتك الملغزة هذه، آه، أعترف لك كم أنها تربكني، وبالأخص هذه العبارة.

      صمت الاثنان معاً، جال القاضي بعينيه في غرفة الرجل، سرير بسيط وإبريق، نصف كوب من القهوة متروك بإهمال فوق طاولة حديدية مهترئة، جدران مشققة وسقفة من حصير، دولاب حديد صغير موصد بطبل، مسماران على الحائط معلقٌ باحداهما جلباب أبيض وسروال، وفي الآخر عُلق بنطال وقميص بدوا مألوفين للقاضي.

      – حسناً، سأوضح لك الأمر.

      تكلم الرجل مخرساً بذلك تحديقات القاضي الفضولية،

      – وبعدها قد تعود لعملك كقاضٍ بالمحكمة، ولكن بشرط سنتفق عليه.

      قال ذلك بهدوء ورباطة جأش.

      – هَممم … أوافق.

      تمتم القاضي.

      – الساعة الثانية بعد منتصف الليل.

      قال الرجل.

      – هَممم … حسناً، إن كان ولا بد.

      قال القاضي مهزهزاً رأسه.

      – سأنتظرك إذن.

      في الوقت المحدد، كان الرجل والقاضي أمام منزل الآخر. قال الحاجب:

      – اخلع نعليك.

      فخلع القاضي نعليه. ثم أمره:

      – أغمِض عينيك.

      أغمض القاضي بدوره عينيه، كان مطيعاً مثل طفل يأمره شخص راشد فيمتثل، كان مستسلماً للحاجب بصورة تامة، كان يحس أن وراءه سر ما، خفي وملغز، وبدت عنده صورة الرجل كشخص نذلٍ، ساذجٍ وحقير تتبدّل وتزول.

      بدأ الرجل يتمتم بكلامٍ مهموس، ممسكاً بالقاضي من مرفقه، وبدأ القاضي شيئاً فشيئاً يحسّ بخفة، وبارتعاشات تسري في كامل جسده، كان يحس بأنه منجذب نحو دوّامة مغناطيسية، فأحسّ بدوارٍ خفيف، فشديد، فخفيف. أحسّ بأنّ جسده يشحُب، كما بدأ عنده مفهوم “الزّمكان” يتلاشى، أحسّ بأنّ قدميه لا ترسيان على شيء، أحسّ باللامكان وبصمتٍ مطلق، تماماً كصمت قاعة المحكمة، بعد أن ينقر بمطرقته على الطاولة الخشبية، استعداداً لتلاوة الحكم، وفجأة أحسّ بخفة مطلقة، وكأنه محض نفخة من هواء.

      تناهى إلى سمعة همهمات خفيفة منغّمة، وصوت جهور، قبل أن يصيح فيه الحاجب بلهجة آمرة:

      – افتح عينيك.

      وما أن فتح عينيه، حتى ذُهل من ما رأى وأحسّ، وسرت رجفة خفيفة ببدنه. كان ثمة فراغ هائل، نعم هو يفتح عينيه على آخرهما لكن لا شيء سوى عتمة كثيفة ومطلقة، باستثناء رؤى بدت تظهر بشحوب إثر ومضاتٍ خفيفة، كان يحس باللامكان، كأنه معلق وسط الفراغ الهائل والمعتم، كان لا يستطيع حتى أن يرى كفّه، وبدأت الرؤى تضّح رويداً رويداً، وتلك الومضات الخفيفة المتقطعة، والتي أشبه بضوء مصباح يعبث به أحدهم، قد بدأت تستقر مظهرة حشد من رجال، يجلسون مقرفصين، معلقين في الفراغ، مطأطئين برؤوسهم، مصدرين همهمات مُبهمة تأتي في أحايين منغّمة، وكأنهم في ذكرٍ خافت، كان بياض لباسهم أشد ما يميزهم، وكانوا جميعهم يظهرون من ظهورهم، متحلِّقين جماعات جماعات، وكان ثمة شيخ ذو لحية كثيفة بيضاء، وهو الوحيد الذي كان يقابله بوجهه، يقرفص فوق دكّة، بينما يقرأ من ورقة يحملها في يده ما يشبه التقرير: “محكمة كذا، القضية كذا، يوم كذا، القاضي كذا، الحكم كذا وكذا …”، ثم يتلو “محكمة كذا، القضية كذا….” مرة أخرى وأخرى.

      أحسّ القاضي الشاب بقشعريرة تسري بجسده، وهو يسمع اسمه الـ”كذا” في اليوم الـ”كذا” وهو يُلقّن الحكم : ” كذا وكذا”. انتابه خوف ورهبة حتى كاد يمسك بالرجل جواره، لكنه بدلاً عن ذلك تماسك، وابتلع ريقاً انحدر عبر حلقه بصعوبة، أخرج منديلاً، وبتوتر مسح جبينه المتعرّق، في الوقت الذي بدت فيه الومضات بالانحسار.

      – الآن أغمض عينيك.

      قال له الحاجب، ثم أمسك به من مرفقه مجدداً، وشيئاً فشيئاً بدأ القاضي يحسّ بالثقل من جديد، وبارتعاشات خفيفة، وبدأ كذلك إحساسه بالمكان يعود، وألفى نفسه قرب باب منزله، حيث كان الرجل قد أعطاه ظهره، غائصاً في العتمة حتى تلاشى.

      بعد يومين وردته مكالمة، كانت من المحكمة العليا، تخطره بالعدول عن القرار، وأنهم بحوجة إلى جهوده. بعد أن وضع السماعة أحسّ براحة كبيرة، تذكّر الحاجب، فابتسم بارتباك. وبعد يومين آخرين، أرسل في طلبه.

      وقف الحاجب أمام طاولة مكتب القاضي ببنطاله وقميصه الّذين كانا معلقين فوق المسمار في جدار غرفته، وهو ما يزال يضع على وجهه ابتسامته البسيطة الودودة.

      – ستعود بدءاً من اليوم لعملك.

      قال القاضي، ثم صمت قبل أن يُردِف بشيء من التردد بينما يضع قبضة يده فوق فمه، مرتكزاً بمرفقه على الطاولة، محدقاً في كومةٍ من الورق :

      – هممم … لعلك حدثتني عن شرط، يوم زيارتي لك.

      وبعد أن أخبره الرجل بشرطه، قطّب القاضي، لكن في الأخير قبل بالشرط، وتمتم :

      – هممم … حسناً.

      ثم زمّ شفتيه وهزّ رأسه، قبل أن يبتسم في الأخير بارتباك. وبلطف، أمر الرجل بالانصراف.

      “محكمة”، صاح حاجب المحكمة، وقف الحضور، ودخل القاضي، وبدأت حيثيات الجلسة، ولما كانت القضية خفيفة، توصل القاضيان لحكمهم الأخير والفاصل في فترة وجيزة. أخذ القاضي الشاب المطرقة بيدٍ متعرِّقة، أكثر ما كان يثقله ويشغل ذهنه المعترِك مثل طاحونة هواء، ليست القضية بطبيعة الموقف، ولكنه الحكم ذاته لنفس القضية التي سمعها قبل ليلتين من الرجل الكبير الوقور ذو اللحية الكثيفة البيضاء، والذي كان يقرفص فوق دكة، ممسكاً بورقة، وكأنه يقرأ تقرير. ولكنها أيضاً العبارة، العبارة التي كانت تربكه وتشعره بالامتعاض، هو لا يصدق أنه وخلال الثواني التاليات سيقول بها وبعظمة لسانه، أمام الرجل الستيني الأشيب ذو الوجه المجعد نفسه، وأمام القاضي المرافق، وأخيراً أمام الحضور المتحفِّز لأي كلمة تشق صمت المحكمة المهيب.

      رفع المطرقة، ونقر النقرتين القويتين الواضحتين، وتململ الحضور، ومثل قدرٍ محتوم لا فرار منه، صاح القاضي قبل أن ينطق بقرار المحكمة: “حكم أهل الله”.

      التفت القاضي الآخر الجالس إلى جواره، وحدّجه بنظرة ممتلئة بالحيرة، وفتح فمه لكن دون أن ينطق بكلمة. في ذات اللحظة، أدار القاضي الشاب عينيه للناحية الجانبية دون أن يحرك رأسه، حيث كان الحاجب بوجهه المجعّد المألوف يقف مغتبطاً، وقد علت وجهه ابتسامة لطيفة، ونظرة مُفعمة بالرضا. أحسّ القاضي بخِفةٍ في روحه، وثِقلٍ في رأسه، ودُوارٍ خفيف، أربكه هذا التناقض في الإحساس، فانقبض قلبه، ورجف جفنه رجفتين، أخرج منديلاً، ومسح جبينه المُتعرِّق كالعادة كلما شعر بالتوتّر، وتلا الحكم باقتضابٍ وارتِباك واضِحَين، قبل أن يصرُخ في الأخير وباضطراب كشخصٍ مُلاحَق: “القضيةُ التالية”.


*القصة الفائزة بجائزة الطيب صالح للقصة القصيرة في دورتها التاسعة (2016-2017)

عن موافي يوسف

mm
شاعر وكاتب من السودان ، صدر له كتاب "سَبعُ ساعاتٍ من رِفقَةِ النَّهر" سيرة روائية عن حياة الشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري .