مسند بخاري *

25

أنا مقعد صغير في الحافلة ،حسنًا بالتحديد أنا أكثر المقاعد مرونة ،أستطيع أن أتقلب، وأن أطير أيضًا .! أنا مقعد من لا مقعد له ،حتى الآن لم تعرفني، لهذا سأخبرك عني بالطريقة غير المفضلة لدي، وهي : أنا مجرد شيء يشبه الوسادة ،يجلس عليَّ عادةً من لا يجد مقعدًا . مقاعد الحافلة تنظر إليَّ باستعلاء، تظن أنني لا أنتمي لها، وأنني جئت من الخارج . لكني أعدُّ نفسي جزءًا من المكان . و ذات مرة قرأت رواية (زوربا) وعرفت أنني أنتمي للعالم . مقاعد الحافلة غبية تظن أن عالمها هو كل العالم ،لكن العالم شاااااسع جدًا . موقعي ساخن مثل الشرق الأوسط، وهذا تشبيه سياسي ،موقعي ساخن مثل فرن، وهذا تشبيه بسيط .

فأنا فوق الماكينة مباشرة ،دائما تئن وتصرخ ،أظنها مصابة بالجنون، ولكن لابد للجنون من مكابح . إن الماكينة لو تركت لجنونها ستدهس المارة الغافلين، ومنتظري المواصلات المتعبين . أنا مسند في ربوة عالية؛ ولهذا أستطيع النظر لكل ركاب الحافلة ،في الصباح تفوح رائحة صابون الغسيل منهم، ومن ملابسهم، فكثير من الناس يعد الاستحمام بصابون الحمام ترفًا لا يستطيعون تحمل ثمنه ؛لهذا يغسلون ملابسهم وأجسامهم بصابون واحد . ومع هذا الفقر والعوز تجد بعضهم يدخن السجائر، وآخرون يسفون (الصعوط) ،وهؤلاء يزعجون نوافذ الحافلة، وهن لطيفات بالمناسبة ولي معهن مواقف مشرفة ،ويعتبرنني شيئًا يذكرهن بالعالم، الذي ينظرن إليه دائمًا . يحببن المطر، وفصل الشتاء، أما فصل الصيف فيجدنه مرهقًا لكن هذه قصة أخرى . لا أعرف إن كنت ذكرًا، أو أنثى، لكني أجد الرجال مقرفين، ومزعجين . أما النساء فضعيفات ،دائمًا أرى رجلًا يعاكس امرأة ما، وغالبًا هي لا تفعل شيئًا غير أن تستسلم، وتبتعد ،بعضهن قويات،يثرن ويفتعلن شجارًا عاليًا . أظن أن التحرش يعكس أنانية الرجل، الذي يريد أن يأخذ دائمًا ،لكن قصتي ليست عن التحرش فهي قضية سخيفة لأن المتحرشين سخفاء وأصحاب نفوس صغيرة . ما أصغر همتك لو كنت تبتغي فقط لمس نهد، أو فخذ امرأة .! قصتي عن بخاري، وهو فتى في العشرين من عمره ،جاء من قرية بعيدة ليعمل كمساريًا .

أهل قريته يأكلون في الفطور عصيدة بملاح ويكة، ويتغدون بكسرة بملاح أم رقيقة ويتعشون أحيانا بشعيرية ! ويعتمدون في معاشهم على ما يرسله أبناؤهم أمثال بخاري من جنيهات . في أول مرة في العمل ككمساري عانى الكثير من المشكلات، خاصة أنه كان يتأتئ في الكلام، وكان يبتسم في وجوه الركاب، ومع ذلك لم ينل إلا السخرية من بعضهم . فتعلم الصمت وأن يكون وجهه بلا ملامح ،كأنه لا يملك مشاعر .

مشاعره الإنسانية من حنين إلى الأهل والقرية وحبه للناس والعالم وضعها في جيبه العميق حيث يضع الفكة ،التي يلمح رب عمله دائمًا بأنه اختلس جزءًا منها . أصبحت الإهانات لا تجرحه والشتائم لا تهز له وترًا حساسًا . يشعر بالراحة عندما يأخذ الأجرة من الركاب، ويقف في الباب ويترك الهواء يداعبه ،يحاول أن يقرا اللافتات يتأتئ وهو يقرأها (م ط ع م …) تفوته اللافتة لكنه يترقبها في المرة القادمة ليتمها ( مطعم ا ل خ يرااا) يفوته الحرف الأخير لكنه متأكد أنه سيراه ويتهجأه .

في اليوم التالي يقرأ ( مطعم الخيرات ) يبتسم، ويبتهج، ثم يلتقط لافتة أخرى ليقرأ كلماتها . هذا الأمر حسن من قراءته قليلًا ،وربما لتأتأته أثر سلبي في تعلمه للقراءة ،إنه لم يتعلم أن يقرأ بصوته الداخلي ،الذي سيكون سريعًا، وربما ذات يوم سيتعلم أن يقرأ بمجرد رؤيته للكلمات . كان بخاري يحبني، يجدني مسندًا أحمر و لطيفًا ،دائمًا ينفض عني الغبار، ويضعني في مكاني الصحيح ويرفعني بسرعة لو سقطت من مكاني . أحيانًا بخاري يبتسم لمن يبتسم في وجهه، ويفرح لو شاركه أحد الوقوف شماعة ،حينها يشعر أنه زول من ضمن الأزوال . يحب بخاري الزحمة حيث تتحرك الحافلة ببطء مما يسمح له بقراءة اللافتات براحته . واللافتة التي يقرأها لا ينساها أبدًا . وكذلك يترقب ظهور لافتات جديدة ،سائق الحافلة عرف هوايته الغريبة فتطوع لتعليمه القراءة ،وعندما يتأتئ بخاري في التهجئة يضربه السائق بالجريدة على رأسه ( الحوار يا بخاري ،الحوار الوطني عمرك ما حا تتعلم القراية انس الموضوع ) ينهض بخاري مبتسما ابتسامة بلهاء ،لا تعبر عن شيء إلا عن ضعفه ،وقلة حيلته . إنه لا يريد أن يتعلم القراءة هو يحب أن يقرأ اللافتات ،يجد متعة كبيرة في ذلك ،الراحة التي يجدها عندما يقرأ لافتة هي ما تهمه .

( امش جيب لي شاي ) وبينما ست الشاي تجهز له طلبه يقرأ بخاري ما كتبته على طاولتها (من أجل أولادي ) بالطبع تهجأ هذه الكلمة، حرفًا حرفًا، حتى نطقها بشكل صحيح . ينام بخاري داخل الحافلة ويغسلها أيضًا ،عندما ينام يتخذني وسادة . وهو ينام بعمق ولا يشخر، وهذا شيء مريح . ذات يوم ركبت في الحافلة فتاة غاية في الجمال تبدو لطيفة لأن كل ما في حياتها لطيف ،بالتأكيد تسكن في بيت لطيف ،أهل بيتها يتحدثون مع بعضهم بلطف ،تأكل طعامًا لذيذًا . في كل يوم يرى بخاري فتاة جميلة ،ولكن هذه البنت بالذات كانت تحمل في يدها لافتة صغيرة . فقرأ كلماتها (رواية زوربا ) كان كتابًا ضخمًا ،وأول مرة يرى فتاة تحمل كتابًا يبدو ممتعًا ،رأى الكثيرات يحملن كتبًا لها علاقة بتخصصهن الأكاديمي، فيعرف أنها مملة من ملامح وجه صاحبتها. أما هذه الفتاة فكان كل شيء في وجهها ويديها الجميلتين يشيران أن الكتاب الذي تحمله ممتع . سرحت الفتاة في العالم الذي يخصها ،كانت لها أحلام كثيرة وأغاني تتذكرها وبلاد تتمنى أن تزورها، وقصائد تشتهي أن تكتبها وكتب تخطط أن تقرأها . كان عالمها كبيرًا لأنها تعرف الكثير ،وكم ستكون دهشته كبيرة لو علم بخاري أن هذه الفتاة الصغيرة اللطيفة تكسب من عملها أكثر مما يكسبه بعشرات المرات؛ لأنها تعرف الكثير أيضًا . شعر بخاري بالحزن حين نزلت ،وعندما انطلقت الحافلة التفت إلى مقعدها وكان يشعر أنه سيراها لكنه لم يجدها ،وهو يريد أن ينظر إلى لافتة ما في الطريق رأى الرواية تحت المقعد . نظر إلى السائق فتركها في مكانها ليأخذها في الليل . وبمصباح هاتفه الصغير (ريبيكا ) كان بخاري يقرأ أول كتاب في حياته ،لوقت متأخر من الليل كان يتأتئ . قبل أن ينام يخبئ الرواية داخلي ،وهكذا قرأت (زوربا) قبله .

في ساعات العمل ينظر إلي باهتمام وهذا ما يجعلني أهتم بالرواية أكثر . حتى الآن قرأ ثلاث صفحات فحسب . وفي الليل وبمصباح الهاتف الصغير يقرأ ،وأحيانا يسهر الليل كله.حتى بدأ يرتكب الأخطاء في الشغل ،وأصبح ينسى كثيرًا . ذات مرة ركبت نفس الفتاة التي نست الرواية ،وكعادة بعض الركاب نست أنها ركبت في هذه الحافلة من قبل، وأن هذا الكمساري بالذات أرجع لها ذات مرة الباقي . ولم تجد الفتاة مقعدًا شاغرًا فجلست علي وبداخلي كانت روايتها ،بخاري هزته المفاجأة ولم يعرف ماذا يقول ؟ وخاف أن يتكلم فتضحك عليه الفتاة لأنه يتأتئ ،وبالكاد يتكلم . سكت بخاري وأغمض عينيه ؛وشعر بأن جسمه أصبح باردًا ،وقدماه صارت ضعيفتين . كاد أن يسقط ومن أنقذه كانت الفتاة التي أمسكت بذراعه بقوة وجرته نحو الداخل . بينما تطوع راكب آخر بإغلاق الباب،توقفت الحافلة .

شعر بخاري بيد الفتاة تمسك ذراعه تقيس ضغط دمه ،وسمع صوتها : إنه متعب جدًا ،إنه يحتاج إلى الراحة . أجلسوه على مقعد بجوار النافذة ،هي بنفسها فتحتها له . وهي تنزل من الحافلة نظرت إليه فرأت دمعة تسيل على خده . لحسن الحظ كانت تلك آخر وردية ،بعد أن شرب بخاري عصير برتقال، وأكل جيدًا بدأ يستعيد عافيته قليلًا . قبل أن ينام أخرج من داخلي الرواية ،وقد كنت أستعيد ذكرى ما حدث؛ جسده يتهاوى ،الجميلة وهي تجذبه من يده نحوها،هو أيضًا رغم تعبه أمسك يدها ،لا لينجو من الموت، ولكن لأن لابد أن يحدث ذلك . أخذ يشم الكتاب ،يبحث عن رائحتها ،إنه لن يقرأ اليوم فهو متعب جدًا ،سيقرأ ربما بعد غد . منذ الآن يشتاق لحروف الكتاب ولرائحته ولزوربا . قام باتخاذي وسادة ونام . تحولت إلى غبار أحمر بارد، ولطيف ،وكلما تنفس بخاري أصبحت في داخله، وذبت في دمه، وأصبحت جزءًا منه .

عندما استيقظ بخاري كان يشعر بنشاط كبير، ولكنه لم يجدني ،بحث عني كثيرًا، ولم يجدني ؛لن يعرف أبدًا أنني أصبحت صوته الداخلي وأنه لن يتأتئ في القراءة، والكلام مجددًا . لكنه وجد الرواية وكم كانت فرحته عظيمة عندما وجد نفسه يقرأ بسهولة . استطاع أن يقرأ 40 صفحة من الرواية، وهو ينتظر سائق الحافلة ليذهب إلى العمل . وخلال أوقات الانتظار قرأ 60 صفحة . لكنه عندما نظر إلى مكاني و لم يجدني ،أخذ يتذكر شيئًا ما، ربما أنا، أو ربما كان يفكر في الفتاة .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* القصة الفائزة بجائزة الطيب صالح للقصة القصيرة في دورتها التاسعة

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .