وَجهُ أمّي *

ام-تحمل-طفلا

الرَهقُ يتملّكني تمامًا، قدماي تنفُثان دُخان التعب من بين أصابعهما بكثافة، يزداد خفقانهما كقلب طفل أفزعه كلب.. أتثاءب بقوة، أفرك عينيّ الدامعتين..أحكّ الندبةَ التي تَعلو جبيني.. أتمغّى على السرير بلذّة كأفعى تُخِيط صفحة الأرض؛ لأُفرغ مخزون الرهق الذي دبّ في أوصالي، يتألم ظهري ولا أقوى على إكمال دورة التّمغّي. أنحني للأمام بصعوبة لإفراغ ثلاثة أكواب من الماء في جوفي. وأعيِد ظَهري ببطءٍ إلى وضع الاستلقاء.

لم يكن مشوارًا اعتياديًّا فقدْ استنفدت فيه كل طاقتي الكامنة … عَيناي كانتا تلتقطان التفاصيل بنَهَم، تَرقُبان حركة المارّين بحذرٍ ووَجل.. كنت أخشى اقترابه منّي.. أخشى أن يَكتشفني أو ترشده رائحتي المميزة… فلديه حاسّة شمّ قويّة .. يستطيع أن يميّز بها الناس من روائحهم، حركة جسده الثقيلة، طغت على أعوامه الخمسين والعرجة الطفيفة التي على رجله لا تُمكّنه من اللحاق بي وهو يعدِل من وضعيّة نظّارته كل مرّة. رغم ذلك بدا لي أنّه يلاحقني بدقّة .. أكاد أسمع تردّد أنفاسه خلفي.

لقد سرقت محفظته واكتشفني في آخر لحظة.

***

أنزلق إلى شارِع قَذِر، مليء بالروائح النفّاذة التي سَببّت لي زكامًا لحظيًّا .. سددت أنفي بيد واحدة وباليد الأخرى أحاول جاهدًا تفقّد محتويات المِحفظة… وبسرعة البرق الخاطف، عبرت تلك الأزقّة التي جلست عليها كثيرًا أنظّف الأحذية وأمسحها .. لمحني من بعيد..

تبًا لهذا الوغد كيف اكتشفني.. يبدو أنّه لم يُحوّل نظره عنّي كثيرًا واستطاع أن يتوقّع مسار تحرّكي داخل السّوق. لون قميصي الأحمر الفاقِع جعلني مميزًا كالثور الأحمر في وسط قطيع من الثّيران البيضاء.. استنفرت قدميّ النّحيفتين وركضت بسرعة أراوغ الأزقّة التي أعرفها جيّدًا ونِمتُ فيها لياليَ كثيرة.. وكلاعب كرة ماهر أقفز فوق الأحجار والإطارات السّوداء التي وضعت على ناصية كل شارع.. أسمع صوتًا من بعيد “توقف .. أيُّها الأحمق” لقد كان صوته.

اخترق الصّوت أذني كرصاصة، أتجاهله مُتعمّدًا حتّى لا يدبُّ الخوف في داخلي فأبطئ من حركتي.

أنحني يمينًا، بسرعة من تعوّد المراوغة وخَبر الدروب، فخمسة عشر عامًا اكتسبت فيها بدنًا متناسقًا وجيّدًا ولياقة بدنيّة عالية. أصطدم مع انحناءتي بقِدر الفُول المنصوب على ناصية الشارع… يصرخ فيّ الصّبيّ الذي يعمل مع بائع الدُّكان… يتأزّم موقفي أكثر فأكثر.. أحاول أن أشرح له أنّي لم أقصد ذلك وعيناي ترقبان الشّارع بقلق.. لأنه إذا حضر من يطاردني ستمضي الأشياء على غير ما أشتهي… يدلفُ إلى داخل دُكّانه ويجلب عصا غليظة كأنّها قُطعت بحقد، وأنا في غمرة خوفي واعتذراي له يهوي بها على جسدي.. كمن يَهوى بفأس على جذع شجرة، تُصيب ظهري وأنفلت منه كسهم خرج من قوس رامٍ .. يرسل لي وابِلًا من الألفاظ النابية والقبيحة ونظراته كأنّها شرر متطاير.

أبتعد عنه إلى الشارع التالي، تغيبُ عنه ملامحي، يأتيني صوته من بعيد وهو يكيل الشتائم لي، ويَسُب أمّي.. أبتسم ساخرًا فأمّي ماتت منذ زمنٍ بعيد.. لا أكاد أميّز ملامحها جيدًا، كنت حينها في السادسة من عمري.. عندما وجدتها مُمدّدةً على الإسفلت تخرجُ من فَمها الدماء كالنوافير. فقد كانت تركض خلف رجل أعرج وهي ترتجِيه أن يتوقّف.. ينتهرها ويذهب، تركض خلفه وتصدمها العربة المُسرعة لا يكترثْ لها ويمضي.

أخبرني أحد الذين شهدوا الموقف بهذه القصة، حكاها لي كأنّها مُجسّدة أمامي الآن.. كان يغرس سكاكين التّفاصيل في ذهني.. أتألم لذلك.. قال لي: إنّ هذا الرّجل البغيض هو الوحيد الذي يعرف أمّك ويقال أنّه زوجها.. ويحمل صورة لها في مِحفظته.. قال: إنه لن يفرّط فيها. ظللت أبحث عنه زمنًا طويلًا، أدقق في ملامح كل الذين يجلسون أمامي لأنظف أحذيتهم، في كل زقاق أنام فيه ليلًا.

وها هو الآن عاد من لا حيث أدري..

***

تقعْ المِحفظة من يدي وألتقطها مرّةً أخرى أنفض الغبار عنها بسرعة يسقط الكيس الذي أحمل فيه علب {الورنيش} وفُرش مَسح الأحذية، أنحني لالتقطه..

ولكن…

أسمع صوت مكابح قويّة، كشطت وجه الأرض وأصدرت صوتًا عنيفًا تلاه صراخ واستغاثة.. أكاد أشم رائحة الإطارات النافذة.

اخخخخخ، لقد صَدمت العربة صاحب المِحفظة، رأيته من بعيد ممدّدًا علي الأرض.. الدّماء تسيل بسخاء من فمه كالنّوافير.. يرتج جسده كالذّبيح.. تخرج روحه بصعوبة وقسوة.. يتجمّع النّاس حوله ويحوقلون “لا حول ولا قوّة إلّا باللّه”.. لا يقوى أحدهم على الاقتراب منه، ينظرون إليه وهم يصفقون يدًا بيد ويفرّون، لا يقوى أحدهم على رؤية هذا المشهد .. ورؤية الدّم الخارج من فمه كالنّوافير.. حينها امتزجت عندي.. مشاعر الإشفاق عليه بالغضب منه… والمأساة التي عِشتها سابقًا والنّصر الذي حقّقته الآن.. عادت سكاكين التّفاصيل تَنهشُ في ذاكرتي.. لاح لي طيف أُمّي.. في الأفق.. تذكّرت حديث الرّجل الذي سرد لي قصة الوفاة .. والمِحفظة ما زالت بيدي..

أنفض الغبار عنها، أقلبها بسرعة وأتفحّص محتوياتها بيدين مُرتعشتين.. ألمح فيها بطاقةً شخصيّةً لشخص وحزمة أوراق نقدية مختلفة .. وصورة امرأة جميلة ومبتسمة لها أسنان برّاقة وعينان رائعتان، تحمل بين يديها طفلًا شقيًّا في وجهه ندبة خفيفة.. يُلوّح بكلتَي يديه ويبتسم للفراغ أو للشّخص الذي يلتقط له الصّورة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* القصة الفائزة بجائزة الطيب صالح للقصة القصيرة في دورتها التاسعة

 

عن عثمان الشيخ

mm
كاتب من السودان