الرئيسية / احدث التدوينات / تفكيك البني التقليدية (4): هتاف الحشود وغياب النقد

تفكيك البني التقليدية (4): هتاف الحشود وغياب النقد

حسان

      لطالما كانت المشاريع التي نعبر عنها ناتجة من اعمال لآلية النقد التي عبرها نخرج بأفكار خلاقة وذات بعد مفارق للأفكار التي انتجت منها، ولم تبلغ الثورات أهدافها ما لم يتم توظيف التفكير الناقد في بناء عالم الأفكار، ذلك التفكير الذي يعتبر أحد أهم أسس التطور المعرفي الفعال الذي يتيح للإنسان استخدام أقصى طاقاته العقلية للتفاعل مع بيئته وتوظيفها في مواجهة ظروف الحياة التي تتشابك فيها المصالح وتزداد المطالب، ومن ثم تحقيق النجاح والتكيف مع مستجدات الحياة.

      إن مفهوم النقد، بوصفه ظاهرة من ظواهر التاريخ والمجتمع والثقافة يعود إلى نهاية القرون الوسطى، التي مهدت الطريق لتطور مفهوم النقد في ابعاده الاجتماعية والثقافية والفلسفية والسياسية.

      فلسفياً، بدأ النقد حسب الموضوع ثم أصبح حسب الكلمة. وجاءت كلمة نقد(Kritik،Critic) لأول مرة في اللغة الأغريقية (techne)، بمعنى الاختبار أو الحكم، الذي يعتبر أهم المقدرات عند الإنسان التي تحفظه من الخطأ أو الخديعة، وبصورة خاصة، فيما يخص الشخص ذاته، وهو ما اطلق عيه بـ “النقد الذاتي”، وفي ذات الوقت دلت كلمة “نقد” على نوع من الجدل العقلي أو النشاط المتميز للعقل من أجل الوصول إلى معرفة أخرى.

      والتفكير الناقد يعني التشكك والفضول والعقلانية والاستكشاف وطرح الأسئلة والمطالبة بالأدلة وتوضيح التعريفات وتحديد الاستنتاجات.

      إن تعلم مهارة التفكير الناقد تجعلك أكثر إدراكاً لما تتخذه من قرارات تواجهك في حياتك اليومية، بالتالي تجعل الفرد لديه القدرة على الانتقاء والدمج والتكامل ويجعله قادراً على التفكير بطريقة سليمة وتمكنه من اتخاذ القرارات ويستطيع الفرد من خلاله اكتساب معلومات جديدة تؤدي إلى فهم هذه المعلومات, والقدرة على التكييف بدرجة أكبر مقارنة بالأفراد الذين يفتقدون هذه المهارة فيصبح الفرد يفكر تفكيراً تحليلياً واستدلالياً ومنطقياً.

      بتلك المقدمة فإننا بالتأكيد في صراع فعال مع افكارنا التي تشكلت قبل ذلك، ولكن ما يتم طرحه بصوره نقد إلى الآخرين، وعندما أقول الآخرين أقصد أفكارهم، ونأتي هنا إلى مربط الخيل، فكثيراً ما يختلط على الأفراد والمنظومات طرح النقد بصورته التي من خلالها ننتج بنية افكار جديده. ويعود هذا إلى الآتي: إما أننا لا نمتلك فكره ذات قاعده يمكنها أن تنتقد ما يطرح ونحاول جاهدين اقحام رؤيتنا لمجريات الأحداث، فننقد بما لا يصلح للنقد، وهذا كثيراً ما تعمل به المنظومات والأفراد، كذلك الذين يحاولون أن يكون لهم باع داخل لوحة الحدث باي شكل ممكن، والمتابع للجامعات يشاهد ذلك جلياً، فكثيراً من المنظومات تتحول إلى أبواق هتاف لتعمل على الظهور كقوى تصارع غيرها، فيتحول النقد إلى عاطفة جماهيرية، وإلى مهاترات تفقد المعرفة قيمتها الحقيقية، هذا إن لم تكن موجوده أصلاً، وعلينا أن نتحامل على المنظومات التي تطرح كبديل ديمقراطي وهي قاعده المنطلق لكوادر خالين من أي بنية معرفية تمكنه من التحليل والتفكيك، ومن ثم النقد، حتى يصل إلى نقطة تمكنه من كشف المتخفي، ولكن نرى أن هذه التجمعات التنظيمية والمعرفية تفتقر إلى فتح أفق منتميها فتجعلهم جنوداً مدافعين عن قلاع خالية، وتحدث عملية الأدلجة للأفكار لتصبح صنم لا يقترب منه أحد.

     وهذا لا يقتصر على تلك التي في الجامعة فقط، بل يتعداها إلى منظومات العمل العام، وخصوصاً التي تقف موقف الاختلاف مع النظام الحاكم، يغيب عنها تفعيل النقد، فتصبح افعالها رد فعل غير ابهين بحقوق المواطن، ولا ببعد مخطط له جيداً فتشل بذلك كفة مهمة جداً.

     ويعود ذلك إلى المجتمع، فنحن نشاهد الاختلاف في حياتنا اليومية، ولكن نفتقد فيه روح النقد، فيتحول إلى هراء نتخذ فيه منصات غير صالحة لأن تدخل داخل الأمر العام، فكما ذكرنا في مقالات أخري أن العصبوية والعلاقات الأولية لا تنتج غير التصادم الذي يشل حركة المجتمع في بناء دولة حديثة يمكنها التعبير عن افرادها بصوره ديمقراطية، وكما يقول ادوارد سعيد :”إننا نعاني من كم كبير جداً من التقوقع الدفاعي، ومن احساس مفرط بالاضطهاد والسخط وما إلى ذلك، وهو ما يعود في جزء كبير منه إلى غياب الديمقراطية، إن السبب فيه لا يعود فقط إلى استبداد الحكام، ولا إلى مؤامرات الامبريالية، وهو لا يتعلق بوجود انظمة الحكم الفاسدة، ولا البوليس السري وحسب.” لذلك إن غياب الديمقراطية وثقافه الديمقراطية التي نعني بها أن الديمقراطية ليست نظام حكم سياسي فحسب، بل هي أيضاً قيمة اجتماعية ثقافية على غاية الأهمية. إذ فيما تقوم نظم الحكم الديمقراطية على مبدأ تكرر الانتخابات وتبادل السلطة بطرق سلمية، تقوم الثقافة الديمقراطية بإرساء مبدأ التعامل بين الناس على أساس المساواة في الحقوق والواجبات واحترام الرأي الآخر، والاعتراف بحقه في التعبير عن نفسه بحرية. وإذا كانت الديمقراطية كنظام حكم تعني وضع حد نهائي للحكم الفردي وتسلط مؤسسات الدولة على الشعب وعدم خضوعها لرقابة شعبية، فإن الديمقراطية كقيمة اجتماعية ثقافية تعني وضع حد نهائي لاحتكار أية فلسفة شمولية مثل الدين والقومية والماركسية لشرعية ممارسة الحكم والتحكم في حياة الناس ومقدرات الوطن، وبالتالي السيطرة على الفكر والثقافة وفرض رأيها على غير أتباعها من المواطنين.

     لذلك يجب علينا أن نفكك الإطار الذي وجدنا فيه، وتمت اعاده انتاج عقولنا داخل منطقة محدده بحيث لا نخرج منه ابداً، لذلك وجب أن نفكك هذه البنية من أجل قيمة الفرد داخل المجتمع.

عن حسان الناصر

mm
كاتب من السودان