الرئيسية / احدث التدوينات / تكوين المطحنة: إعياء الزوال

تكوين المطحنة: إعياء الزوال

Edgar-Allan-Poe

هل يأتي التكوين بعد الإعياء؟

 

لا يوجد جمال دون غرابة في المكوناتالفيلسوف الإنجليزي الشهير  فرانيسس بيكون

(1)

في بناء الشعر في التكوين الإبداعي، اشتهرَ  (إدغار آلان بو) كشاعرٍ متمكن وخصوصاً في قصيدته الذائعة الصيت والمعروفة (الغراب) والتي تُعدُّ مثالاً يُحتذى في كيفيةِ بناءِ القصيدة بطريقةٍ منهجية رصينة.

كتب إدغار آلان بو مقالة شهيرة تُدعى ( المبدأ الشعري the poetic principle  )، يتحدثُ فيها عن نظريتِه في الشعر، والكيفية التي يراها مناسبةً لبناءِ القصيدة. وربما يجدر بكَ أيها القارئ الفاضل أن تعرف أنَّ (إدغار آلان بو) محسوبٌ على المدرسة الجمالية ( Aesthetics ) لتفهمَ الطريقة التي يقترحها ( إغار آلان بو ) لبناءِ القصيدة. فرغمَ تقدمه زمنياً على باقي رواد المدرسة الجمالية، إلا أنهُ كانَ مؤمناً أن الفن يجبُ أن يُسخّرَ ويُكتبَ للاحتفاءِ بالجمالِ والاعتلاء بالروح البشرية

التحرر عن النمطية في الشعر

القواعد التي أرساها إغار آلان بو في آخر محاضرة له ألقاها بمدينة ريتشموند عام 1849 قبيل شهور قليلة من رحيله  والتي سميت بـ بالمبادئ الشعرية” أو “مفهوم الشعر، والتي تحدث فيها عن غاية القصيدة أو غاية الشعر بشكل عام الذي هو السمو بالروح، وقد دعا في محاضرته الشهيرة تلك إلى التحرر حين كتابة الشعر من كل “أشكال الرضا والفائدة العقلية” التي يمكن أن تسود على الذهن، ويصف هذا التحرر على انه “أثيرياً” ولا يحدّ بغايات..

(لعل عقاب الشيء يأتي بالذي يثيرها)

لطلق يطلق إعياء المطحنة، انطلاقها كفيل بدحض سعال البذر بحمى الدقيق، فلا يدق الباب إلا طالب حنطة وحمص، ولا يسأل عن الطفيق من السقم إلا سقيم الحظ سارق الشهقات المجيد، الطرق على ما انطلق من الطبول لا يتوقف بمحض تعمد أو عناد، إصطفاق الحلق بالشكل العام عن الطريق، يوضح مجمل أفكار مشتتة لذات ثائرة وحائرة، الفلق البهيجِ بتره الإعياء باستبانة الحضيضِ من الأشياء، مرثى المطحنة، حوار البدن البائس وهو يصارع جلاد الموتى، نهيق التضاد من مكان العضلة المنقبضة لطلق الميلاد وسكنى اليتيم من الألم، العبرة بالإعياء لا تتيح فرصة لتعويض الخلوة بها، وتلك هي المطحنة بلا تكوينها.

فلا تراعي ما تداعى من لحاء البرسيمِ على التكوين، المطحنة اليوم مصابة بالكفر ولن تغتسل إلا بالقوس المعقوف على ستارة البابِ، نجاستها كعقاب الشيء لا يمكن تطهيرها.

لاترعى ما تراه من السعال، المرض الغض بك يثير حفيظة الرؤية من عينك اليمنى، ورمش اليسرى يغور في التكوين.

(2)

من أحد أشهر المبادئ الواضحة والمعروفة عن نظرية ( إدغار آلان بو ) في بناءِ النص الشعري والقصيدة بتركيبتها التقليدية وبنائها، هو موقفه من الشعرِ الطويل، فالشعرُ الطويل لا يستحقُ أن يُدعى شعراً عندَ ( بو )، الشعرُ عندَه هو خلقُ الجمالِ المنظوم، والجمال كغاية بشرية مبهجة وجالبة للغبطة بالنفس الإنسانية، ظل مرتبطٌ بالمتعةِ والإثارة والحراك الروحي، والنص الطويل مصيرهُ الإخفاق في إبقاءِ القارئ متحمساً مشدوداً. 

(العقل يولد صافياً كالصفحةٍ البيضاء، لنبدأ ملأها بالإحساسِ والتجربة) الفيلسوف الإنجليزي جان لوك

صورة ما باهتة طاقيتها إطارها، محتواها يفرغ مكوناته المعتلة على طرف سطح منضدة محذوف عنها تفصيل برقية طارئة لحادثة ما، بقايا تكوين الصورة المنزوع عنها معلقٌ بما يخالفها، كأنها عارية ولا جسد لها يحملها، تلك هي الصورة بلا إعياء.

هذه كتابتيّ حين يداهمني إعياء الصورةِ….

كتابة ما ليست بالواضحة ولا بالمبتورة، محذوف منها تأنيث الحدث وتذكير مرتكبه، جرم صفيق وجريمة شائكة

ذلك أن بق الصوت حين تطش عنه مساراته البكماء، يضل عن توصيف موقع إعياء المطحنة..

مابين الصورة والكتابة، وصفٌ لانقباض النخاع في يد الشيطانِ، وهو العابث بالرياح والإنسان على السواء.

الصورة تفرغ محتواها في ظل مكوناتها، سطح المنضدة العاري لا يتوقف عن الحذق، شأنه كمحاكاة انعكاس الصورة عن طاقيتها، ما تبقى من منزوع الصورة ازداد تعلقاً بما يخالفه..

من جراءة في توليد البهتان بطمس آثار النكسة من حادثة الإعياء للصورة.

بينما كنتُ أومئ، بالكاد أغفو،

فجأةً هُناك جاءَ دَقّ،

وكأنّه شخصٌ يرقّ،

على باب حجرتي يطُقّ،

تأفّفتُ، إنّه زائرٌ ما.. يدقُّ بابَ حجرتي” – من قصيدة “الغراب إدغار آلان بو

 

(3)

عند اللقاء على ساحل البحر///

عناق الحبيب يفسد القلب، يوجعه ويجلب الرضوخ على جنباته، عناق الافتراق يزيد حرارة الاحتراق ويضعف الجسد مستدعياً هلاك ساكن الجسد وروحه، عناق السفر مفسدة أخرى لأداء الفريضة.

لا إنعتاق إلا في صدر الحبيبِ/// ولا دعوات مستجابة بعد رحيل الحبيب إلى البعيد.

عند اللقاء على ساحل البحر////

طابق آخر من ناقع الماء البحري يتفاقم بشدة، يصر على كسر شهوة المعلوم من الرغبة، ينبثق غير عابئ بالمخفي من صدر الطابق الأسفل من ذات البحر، لينشأ طابق علوي يصادر الشبق وكتف الشهوة بقسوة.

أرداف البحر تلطم ملاءة الشط، ما تم السماح به هناك على الماء الناقع تم فض بكارته هنا تحت حرارتي.

لن تعاني؟ تشتهيها ولما يغلبك ألم الشبق منها ستحضنها حتى تبصق شذى وعناب، وستلوكك ملء رغبتها، فكلما تمضغ من إناء مغلق ستتذوق طعم كيانك العاري وهو يمارس تظهيرها.

عند اللقاء على ساحل البحر////

لا ستار يحجب هفاف عينيكِ عن دثارات تعبيّ، ألومكْ يا بحر عليها حتى تتمعننيّ….

بينك وبينيّ ظمأ أزلي شديد البأس لا يرتوي، ألقاك يبيض وجهي وتستحيل أفكاري ملاذات دافئة، وجهك يتمعن في قيامة اللقاء، فيضيع منيّ حدق البريق، أتفرسك ولا يقوى قلبيّ على ملامحك المستبينة، لا أقدر على مجاراتك في الحسن، فأنت مهلكٌ وقاتل وجالب للفناء، جمالك هو الضوء حين يشع والبركان حين ينفجر.

(4)

هل يأتي التكوين بعد الإعياء؟

ستفتقديننيّ ملء القلب والعينينِ

وسيمتلئ المعبر  بالصورة المحذوفة والصوت الغائب حتى يبلغ التكوين مبتغاه والقلب منتهاه من الاحتمال.

ثمة إضاءة  حالكة لما تحت الإعياء، هي خلاصة إضاءة مستعارة من تساؤلات بالضرورة تعكس حماقة النور حين يغفو برؤياكِ، لما يشتد تداعي التكوين لما بين ظهره والجدارِ، يغامر بحرق ذاته ليشع على جانب السر بردهة مغايرة للتكوين وعلى سطح آخر مجاور لما تم صنعه من أمس الإعياء، وتلك حماقة تضر بقوة إصرار النور على البقاء مشعاً طوال التكوينِ حياً بجانب جدار الخاطر العنيدِ.

(في القيلولة،،،

على مركب العادة،،،، حين تثور خريرة التكوينِ ////

كأن الذي أبصرنيّ

ببقر الباطلِ //// أبصركْ

وكأنني لا أراكْ ،،،،، بحيز الفراغ من الظهيرة ،،،،

للقيلولة،،،،

إعياءٌ يتجدد يتمدد يتجرد من تكوينه ليتبدد لينشأ من إبصاركْ ////

وكذا بصركْ كظيمٌ  //// لايرانيّ،،،

إلا عندما أخلو لعادتيّ،،، فترانيّ

في القيلولة أثقب العادة لأمتص تكوينكْ،،، وأحيا فيك يا نور بصريّ،،،، لأبصرك

//// حتى يثور تكوينيّ)،،،،

حين ترانيّ مصلوباً تحت النورِ، لن تتعدى فكرتكْ عنيّ حاجب ما قلته لكَ مسبقاً، أن لا نور بلا حريق يشتعل، وبقلبيّ يتناسل كاحل الفكرة المجردة ومقداح وقود الحريقِ والنور.

عصب الشيئينِ لا يتزواجان إلا بعد التكوينِ..غشاء للطحن وغلاف للدمج لما تحت العصب حتى عروق الإعياء بيّ..

(5)

(من جنس الفعل يأتي عذاب الفعل )

الحب يعني بطلان حقائق الحياة الأخرى التي تشرح مجازاً وبافتراء تام ومتغطرس، علاقة الإنسان بآخر أحدهما من النور والثاني من شعاع ذلك النور، وكليهما  متعلقٌ بنور أحدهما تجاه الآخر.

هو الإعياء المستديم بالقلب على مرارة الفكرة المطلقة أنه لا إعياء مع الحب.

هو التهكم على ما سواه من أشكال هطول المطرِ

هو النعيم بلا انقطاع إلا ليزداد في البعد عن الجحيمِ بها، هو هي حياتيّ وثالث الحيوات عينيها.

لكأنكْ الآن مطعون بالتوجس شائك الذهن وشارد ممسوك بفعلكْ معها، ومقبوض عليكَ فيها تطعنها بالرفق، وهي ترديكَ صريعاً بالقوة لاشك لديها، تعاود حقنها بالصبر والبرد فتزيدك من صدها وصادق صنعها إنها تتمنع بكْ لا لتعاكس إلا بياض النور منكْ، دلالها حزبيّ وبريق نظرتها كفيلٌ بفتح طابية الهلاك لكَ، هي في آخر مرتبة من الحياة النورية وأنتَ لما تحت الطابية تقالع العقاب بمحاولة الهروب لها.

(6)

(الآن استوعب قلبكْ شكل العذاب)

وتمرمغ في وحل الضيقِ والفراق، وحل عليك الزمن الفسيح متسخاً بصرامات الضجيع ومشعاً بالنور فلا يتوقف إلا ليرديك قتيلاً أو معكوساً بالعذاب.

حين تقارب روحكْ للزوالِ، ستهبكَ قبلة تعيد لك الرشد والتكوينِ

الحب معها هو لغة بلا تفاهة ومطحنة لتكوين آت.

(7)

(زمن الفعل لا يعني ارتباط الفعل برد فعل محدد، هو آية الثقل من ذاك الجبلِ)

في صرامة التكوينِ لبعض الأشياء هنالك بعض الكلمات لا تعي تكوينها ولا يكتمل معناها إلا بسكب الحبرِ عليها، وكذا هو حالها حين يتبدد عنها مآل الزوال، ثمة إعياء يداهم الجسد بالقشعريرة لا نعلمه إلا بوقوعه، وهو عين التكوين وزاد عمل المطحنة.

(ما على الإنسان إلا أن يستعين بخياله لأن الخيال يؤدي إلى الفهم)  فرانسوا ساجان

الطقطقة في القلب هي ارتكاب علة عدم التعلق بالحبيب، حينها يهوم الجسم بما أصابه من علة وكربة، انفعال الحبيب دلالة على زوال الإعياء وانجلاء النكد، المطحنة جفاف الجلد وترافس هيكله،  والتكوين اعتلال الجسد بالإعياء، لكأنه الحاكي يصيح بصوته مدججٌ ادلج، معصوب القلب عما سواها،  تلك هي المطحنة الزائقة أما المتكونة من قدع الوجد فهي المنجية من عذاب القلب، وحين تتكون الآخذة بالشيء لا يتبقى بالمطحنة سوى فتنة الاستمرار في حياة التكوين، يذهب الإعياء حين تأتي بصخب التكوين، وحين تغيب المذعورة بالحياة بعد تكوينها، يعود البرق ليذبح أبصارنا، ما لم تلمحه في اليمين من جانبكْ كحاكي فلن تلتقطه كراقط لصقيع ماصنعته الحائكة، الشاذ من صلف الصيام، بجسدكْ العليلِ بانت بالدقيقة خطوط عصباته.

وهو علف التكوين للجسد المذعور بالحزن، تشتد عليه هتافات الغانية فينتفض ليزول، وهو إعيائه الأخير بعد التكوينِ، إذ لا تكوين يأتي بعد إعياء الزوال، ولا مطحنة تكفي لفعل شفاء الإعياء…

 

عن محمد حامد محمد

mm
كاتب من السودان