الرئيسية / مختارات قصصية مترجمة / ثلاث قصص كافكوية

ثلاث قصص كافكوية

14808824_1587819017910335_761067435_o (2)

 

• تأليف : فرانز كافكا
• ترجمة : د. يسري خميس المحامي

■ المحامي
لم أكن متأكداً قط, إن كان هناك محام, لم أتمكن من معرفة ذلك علي وجه اليقين, فالوجوه كلها تشيح عني, أغلب الذين مروا أمامي أكثر من مرة في الممرات, كانوا يشبهون النسوة العجائز, يضعن علي صدورهن مرايل عريضة تغطي الجسد كله, لونها أزرق غامق ومخططة بخطوط بيضاء, يهززن بطونهن ويتحركن بتتثاقل يمنة ويسرة, لكنني لم أكن متأكداً أننا في المحكمة. هناك أشياء تؤكد ذلك وأشياء كثيرة تنفيه, إن أكثر ما يؤكد لي أنها محكمة, هي تلك الضوضاء وهذا الصخب المتواصل الذي يسمع عن بعد, والذي من الصعب تحديد جهة مصدره, فهو يملأ جميع القاعات بلا استثناء, لدرجة تجعل المرء يعتقد, أن هذه الضوضاء وهذا الصخب تنبعث من جميع الاتجاهات, أو بشكل أصح من المكان الذي يقف المرء فيه. لكن ذلك غير حقيقي فقد كانت الأصوات تأتي من بعيد. كانت الممرات ضيقة, منبعجة, تؤدي الي قاعات دائرية, بها أبواب عالية عليها زخارف شحيحة, تصلح كمكان للهدوء العميق, أشبه بممرات متحف أو مكتبة عامة. وان لم يكن هذا المبني هو المحكمة, فلماذا أبحث هنا عن محام؟ لقد بحثت في كل مكان عن محام, فهو ضروري في كل الأحوال, حقيقة يحتاجه المرء في المحكمة بدرجة أقل عن أي مكان آخر, فالقضاء يصدر أحكامه بناء علي القانون, هذا ما يتوقعه المرء. فلو اعتقد المرء أن الأمور هنا غير عادلة ومستهترة, عندئذ تكون الحياة مستحيلة غير ممكنة, علي المرء أن يثق كلية بالقضاء, وأن تكون لجلالة القضاء مطلق الحرية, فهذا واجبه الأساسي والوحيد, فكل شيء في إطار القانون, الادعاء والمحامي والحكم, وتدخل أي شخص من الخارج يكون إثما عظيما يختلف الأمر في التعامل مع وقائع الحكم وحيثياته التي تعتمد علي التجاوزات هنا وهناك, مع الأقارب والأغراب, مع الأصدقاء والأعداء, في الأسرة أو خارجها, في المدينة والقرية, باختصار في كل مكان. هنا يستلزم الأمر وجود محام, بل مجموعة من المحامين, الواحد بجوار الآخر, حائط حي, فالمحامي بطبعه بطيء الحركة, أما رجال الادعاء, هؤلاء الثعالب الماكرة, النشطة كابن عروس, الفئران المتخفية, التي تنسل خلال أصغر الثقوب, وبين أرجل المحامين. حذار! لذلك أتواجد هنا كي أبحث عن المحامين. لكنني لم أجد أحدا منهم, لم أجد غير هؤلاء النسوة العجائز, اللاتي يرحن ويجئن هنا وهناك, لو أنني توقفت عن البحث لداهمني النعاس بكل تأكيد. أنا لست في المكان المناسب, للأسف لا يمكنني أن أستبعد هذا الانطباع, بأنني لست في المكان المناسب. يجب أن أكون في مكان آخر, حيث يتوافد الكثير من البشر, من جهات مختلفة, ومستويات متعددة, من كل المهن والوظائف, ومن أعمار متباينة, أرغب في أن تكون عندي الفرصة لأن أختار بدقة وحذر الأكفاء, البشوشين, الذين يروقونني. ربما كانت السوق السنوية الكبري أفضل مكان لمثل هذا التجمع وبدلا من أن أفعل ذلك, أضيع وقتي هنا بين الممرات, حيث النسوة العجائز يرحن ويجئن أمامي هنا وهناك, دائما نفس النسوة العجائز, ورغم حركتهن البطيئة, فهن لا تتوقفن أمامي, بل تعبرن كسحابة ممطرة وهن منهمكات ومنشغلات بشيء غير واضح بالنسبة لي.. لماذا إذن أدخل بتعجل وبشكل عشوائي مبني ما, دون أن أقرأ اللافتة التي علي البوابة, أدخل مباشرة إلي الممرات, وأجلس هناك بإصرار وعناد, حتي أنني لم أعد أتذكر أنني وقفت قط أمام هذا المبني, أو صعدت علي سلالمه ذات مرة. غير مسموح لي بالعودة, هذا الوقت الضائع, الاعتراف بأنني أخطأت الطريق, أجد ذلك غير محتمل. ماذا؟ في هذه الحياة القصيرة المتعجلة المصحوبة بهذا الصخب وهذه الضوضاء, علي أن أصعد السلالم؟ هذا غير ممكن, مستحيل. وقت قصير هو المصرح لك به, إن فقدت منه ثانية واحدة, فقدت حياتك, فهي ليست أطول مما هي, طولها يتحدد بقدر ما تفقد من وقت. إذا ابتدأت في طريق, واصل حتي تكمله, تحت أي ظرف, هكذا فقط يمكنك أن تربح, ليس هناك من مخاطرة. ربما تسقط في النهاية, ولو أنك استدرت بعد الخطوات الأولي ونزلت السلالم, ربما تسقط أيضا في البداية, ليس ربما, بل بكل تأكيد. إن لم تجد شيئا في الممرات, افتح الأبواب, ان لم تجد شيئا خلف الأبواب, اصعد للدور الأعلي, ان لم تجد شيئا هناك, لابأس, تخيل وجود سلالم جديدة, وطالما لاتتوقف عن الصعود, فلا تنتهي السلالم, انها تنمو تحت قدميك الصاعدتين.

■ شعار المدينة
في البداية كانت عملية بناء برج بابل علي أحسن مايرام, بل ربما أكثر مما كان متوقعا, فقد روعيت كل التفاصيل وبدقة, علامات ارشاد الطرق, مرشدون سياحيون, مساكن للعمال, طرق المواصلات, كان هناك مئات من فرص العمل. كان الرأي الغالب هو, أنه لايمكن استمرار العمل بهذا الإيقاع البطيء, فقبل كل شيء يجب وضع الأساس, كان تبرير ذلك هو ان الشيء الأساسي في المشروع كله هو الفكرة. بناء برج يصل الي السماء ويناطحها. مقابل هذه الفكرة, تصير كل الأشياء الأخري ثانوية فعندما تفكر في عظمة الفكرة وتستوعبها, تتأكد أنها لايمكن ان تختفي أو تندثر, فطالما هناك بشر, ستظل تلك الرغبة القوية في بناء هذا البرج قائمة, أما بالنسبة للمستقبل, فيجب ألا يساورك القلق, علي العكس, فمعارف الإنسانية في تقدم مستمر, وفن البناء في تقدم مستمر هو الاخر. وسيظل يتقدم باطراد خطوة خطوة, فالعمل الذي كان يتطلب عاما بأكمله لكي ينجز, سوف ينجز في نصف هذا الوقت بعد مائة عام, بل وبشكل أفضل ومستوي أعلي, لماذا إذن نبذل اليوم أقصي جهد ممكن؟
يكون لذلك معني, لو أننا توقعنا أن بناء البرج سينجز في إطار جيل واحد. هذا لايتوقعه أحد, الاحتمال الأكبر, هو أن الجيل التالي بمعارفه الجديدة, سوف يري أن عمل الجيل السابق عليه عمل ردئ, ويقوم بهدم البرج, ويبدأ في بنائه من جديد, مثل تلك الأفكار تبطئ من همه العمل في المشروع, وبدلا من الاستمرار في بناء البرج, يتحول الاهتمام لبناء مدينة للعمال, كل صاحب أرض يريد أن يبني منزله في أجمل الأحياء, وتبدأ النزاعات.
وتتصاعد, وتزداد شراسة, وتصل إلي الاقتتال وسفك الدماء, وتستمر النزاعات ولاتتوقف, وقد وصلت قيادات هذه النزاعات الي منطق جديد: من الضروري أن يعمل علي تهدئة إيقاع بناء البرج, فهو يحتاج لتركيز من نوع خاص, وربما من الأفضل أن يؤجل المشروع برمته لأجل غير مسمي, إلي أن تسوي النزاعات وتعقد اتفاقية سلام شامل, بالطبع لم يستهلك الوقت كله في النزاعات, ففي فترات الهدنة كانوا يقومون بتجميل المدينة, الشيء الذي أثار الحقد في نفوس بعضهم البعض, وابتدأت دورة جديدة من النزاعات. هكذا مر زمن الجيل الأول, كما أن الأجيال التالية لم تكن مختلفة عن هذا الجيل, فقط تقدم في البناء, وتصاعد باستمرار, وتصاعدت معه الرغبة في النزاعات. إلي أن اكتشف الجيل الثاني أو الثالث أن بناء البرج لامعني له أصلا, كما أن الارتحال من المدينة لاضرورة له. فقد ارتبط أهل المدينة ببعضهم البعض أكثر فأكثر.
كان كل ماابدعته تلك المدينة من أمثال وأغان, يعبر عن حلم واحد ينتظره الجميع, ان يأتي يوم تدك فيه مدينتهم تلك وتندثر, بضربات متواصلة من قبضة هائلة جبارة, لذلك, اختاروا قبضة اليد شعارا للمدينة

■ الخذروف
كان هناك فيلسوف يحب التجول دائماً حيثما يلعب الأولاد, رأي صبياً في يده خذروف فترصد له. ما أن بدأ الخذروف في الدوران, الا وتابعه الفيلسوف يريد الإمساك به. لم يلق بالا لاعتراض الأطفال وصرخاتهم ومحاولتهم ابعاده عن لعبتهم, وأمسك بالخذروف أثناء دروانه, غمرته السعادة للحظة, ثم ألقي به علي الأرض وانصرف. كان مقتنعا تماما بأن معرفة جزئية صغيرة ــ مثل خذروف يدور حول نفسه ـ تكفي بأن تقود الي المعرفة العامة. لذلك لم يشغل نفسه بالقضايا العامة, ففي تلك هدر ما وتضييع وقت. فلو أنك عرفت بالفعل أصغر جزئية, سوف تعرف كل شيء, لذلك ركز اهتمامه فقط, بالخذروف الذي يدور حول نفسه. كان يأمل دائما عندما يستعد لتدوير الخذروف أن تتحقق الأمنية ويدور الخذروف, فيتابعه لاهثا بنفس متقطع, عندئذ يتحول الأمل الي يقين, ويظل ممسكا بقطعة الخشب البليدة, تزعجه وترن في أذنيه صرخات الصبية, التي لم يكن يسمعها من قبل وتطرده بعيدا, حيث يترنح كخذروف يلسعه سوط بليد.

كاتب تشيكى _ أفضل من كتب بالالمانيه

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً