الرئيسية / العدد الأربعون / ثورة الإصلاح

ثورة الإصلاح

avtgrawciaep_gi

ثامر البشير :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

يظل الثابت الكوني الوحيد على مدى التاريخ هو التغيير ، فإذا نظرت إلى جسدك تجده يتجدد ويتغير كل يوم ، عمودك الفقري كل ستة أشهر ، خلايا دمك الحمراء تتجدد كل مائة وعشرون يوما ، جلدك مع كل غسلة له ، شعرك كل ثلاثة أشهر ، نأتي لننظر إلى الكون من حولنا لنجده في حالة حركة دائمة ، الظواهر الطبيعية على الأرض كذلك في تقلب دائم وحتى القارات التي تبدو ساكنة هي لم تكن في نفس مكانها الحالي في الماضي ، وقد قال الفيلسوف اليوناني هيراقليطس ذات مرة : ” أنك لا تنزل نفس النهر مرتين ” وذلك عندما نظر إلى النهر فوجد مياهه تتحرك ولم تعد تلك التي اغتسل فيها أولاً بل تغيرت وتبدلت في ثوان وأصبح هناك نهر جديد ..

وعبر الدهر والعصور ما يزال الإنسان في حالة طلب دائم للتغيير سعياً وظنا منه في بلوغه للكمال والذي لن يناله ، سادت شعوب وقامت حضارات بسبب هذه الحالة المستمرة والطلب لبلوغ أقصى درجات الإشباع للحاجات الإنسانية .

تتلخص هذه الاحتياجات في هرم عالم النفس أبراهام ماسلو والمشهور بهرم ماسلو ، بينما تأتي في قاع هذا الهرم الاحتياجات الفسيولوجية والبيولوجية المرتبطة بالجسد مباشرة وهي حاجات الأكل والشراب والعمليات الحيوية الجسدية الأخرى وهذه يشترك فيها الإنسان والحيوان كذلك ، ثم تأتي المرتبة الأعلى منها مباشرة وهي حاجات الأمن والسلامة ومنها الأمن في المسكن والوظيفة والأمن في الإيرادات وفي الصحة وتأمين المستقبل ، تأتي فوقها الاحتياجات الاجتماعية وهي العلاقات العاطفية والأسرية وعلاقات الأصدقاء ونحوها ويندرج تحت مظلتها الحاجة إلى الانتماء والقبول من الآخرين ، ثم في مرتبة أعلى تأتي الحاجة إلى التقدير والاحترام والمكانة او الصورة الاجتماعية للفرد عن نفسه ، ثم أخيرا الحاجة إلى تحقيق الذات وهي أقصى إمكانات يمكن أن يقدمها الفرد إلى محيطه ومجتمعه وشعوره بأنه فاعل ومؤثر فيه .

هذه الاحتياجات من وجهة نظر ماسلو والتي تظل إلى اليوم مقبولة بشكل واسع تظهر العديد من دوافع الإنسان للحركة الدائمة نحو إشباع هذه الاحتياجات ، يبدأ فيها الإنسان متدرجاً من القاعدة متجها نحو رأس الهرم ، وبالتالي فإن بنية المجتمع وتنظيمه وعاداته وتقاليده لابد وأن تكون بآليات ونظم تدعم هذا المسلك البشري الحتمي والطبيعي في التغيير والسعي نحو الأفضل باستمرار ، هذا الحديث لا ينفصل عن موضوع الثورات المجتمعية التي حدثت وتحدث باستمرار والى يومنا هذا ، وبالتالي فإن زاوية هذا المقال بمكافحة الثورات لا يكون أبداً باستخدام القوة وان منعتها القوة وانتصرت في لحظة ما فان هذه المقاومة لا تضمن منعها وكبح جماحها على الدوام ، التاريخ وحده هو من يعلمنا هذا ، بيد أن المقاومة الحقيقية والمكافحة الفعلية ينبغي أن تكون بإزالة مسبباتها ودوافع قيامها ، هو بوجود وسائل وآليات تحتوي التغيير المستمر للمجتمع وتراعي إشباع رغباته واحتياجاته الإنسانية الطبيعية المذكورة سلفا . يذكر عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إليه واليه على خراسان ويدعى الجراح بن عبد الله يقول : ” إن أهل خراسان قوم قد ساءت رعيتهم وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك ” فكتب إليه عمر يقول : ” أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم وأنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط ، فقد كذبت بل يصلحهم العدل والحق فأبسط ذلك فيهم والسلام “

يبقى أن نؤكد أن الثورات لا يرتب لها أحد ولا يخطط لها الناس ، إذ أن أقصى ما بوسعهم فعله هو فقط توجيهها واستغلالها أو توظيفها باتجاه معين لكنها هي في حد ذاتها لا دعاة من البشر لها ، دعاتها الحقيقيون هم الجمود والتصلب ، مقاومة التغيير، التوقف عن احتواء وملائمة الحجم المطرد للجسد النامي بالملابس القديمة ذاتها والتي ربما كانت مناسبة في الماضي ، تأتي الثورات كالقدر أو ربما كما وصف الله القيامة ” تأتيكم بغتة ” وقد يشعلها أصغر الأسباب لكن قطعاً تكون أسبابها موجودة سلفاً وبشكل تراكمي لعشرات الأشهر والسنين ، إن الرغبة الحقيقية في الإصلاح هو أفضل طريق تكافح به الثورات ويستحق الأمر كل ذلك العناء فهو أقل كلفة من أكثر الثورات سلمية فطريق الثورات يبقى دوماً محفوفا بالمخاطر وغير مضمون .

عن ثامر البشير

mm
نائب إختصاصي في الطب النفسي مهتم بالانسان وعلومه .

أضف تعليقاً