ثياب عبير

phoi-quan-ao

كانت عبير أميرة الحي بلا منازع ،حلوة وبضة مثل ثمرة مانجو،تكاد لفرط ثقلها تسقط الغصن ؛لأنها لن تسقط .

عبير هزمت كل (المفتحين )في الأرض ،أبكت كل (الشفاتة) أعجزت حتى الشعراء لكتابة قصائد فيها ،وإن كتبوا فيها شعرًا ،ستحكي القصيدة جرحهم وهزيمتهم . كانت عبير ساخرة ،تسخر من معجبيها،كما يسخر الذكي من الغبي .

كانت تعطي لمن يريد أن (يحنكها) فرصة لأن يفعل ذلك ،وهي تكتفي فقط بقول : اه . مع نظرة عميقة نحو الأعلى ؛لأن عبير كانت قصيرة قليلًا .

حاول الجميع ،جاء طلاب الطب والهندسة والصيدلة ،وجاء مجانين من كلية الفنون الجميلة .

جاء من يحفظ أشعار محمود درويش ويفهم في الفلسفة .

جاء من يقود سيارة برادو ،ودراجة نارية ،وجاء من يدعي أنه معاق ،فعساه أن ينال شفقة منها ،لكن كلهم فشلوا .

وحده كلب الجيران كان يحصل على عناق ومداعبات طيبة ،كره عشاقها ذلك الكلب ؛لأنه غيظهم ،يجعلهم يحسدونه . هاهاهاها عبير لا تضحك هكذا إلا عندما يداعبها الكلب بلسانه .

ذات يوم كان أحد عشاقها الشفاتة،العاطل عن العمل متسكعًا في الحي ،هو كان أحد أبناء الحي متعته الأزلية أن ينظر إلى عبير قادمة نحوه ،وعندما تقترب عبير يقول لها : إزيييك عبير .

تبتسم عبير وتقول له : هااي ،بخير يا منعم !

يفرح منعم بهذه اللحظات أشد الفرح ،وكانت متعته الأزلية الثانية أن يشارك عبير السخرية من معجبيها ،وهو يخفي حبه لها،وذلك لما يتوقعه من رفضها له .

ده مالو يا عبير معاك ؟ تجيبه : ده اهبل ساي قال بحبني قال ،هو ما بعرفني أصلًا !

– الله اشفيه .

متعته الأزلية الثالثة أن يرى نظرة الحزن والأسى في عيون معجبيها ،ويضحك لذلك بقدر ما يسمح له خلو الشارع .

عندما تدخل عبير إلى منزلها ،وتغلق الباب الكبير يخرج من جيبه سيجارة حشيش ،ويدخن بمزاج عال ،وهو جالس في الكرسي ،تحت شجرة النيم ،وينظر إلى البيت ،يخيل إليه من (السطلة ) أنه يسمع صوتها ،ويخيل إليه أنه يسمع دندناتها وهي تحت الدش تستحم ،ثم يسمع صوت خطواتها ،والطريف أنه يهمس بصوت الخطوات كأنها إيقاع موسيقى : طق ،طق ،طق ،طق،طق،طق،طق،طق،طق،طق،طق،طق ، ،طق ،طق ،طق،طق،طق،طق،طق،طق،طق،طق،طق، ،طق ،طق ،طق،طق،طق،طق،طق،طق،طق،طق،طق .

ها أنت تدخلين غرفتك . يسمع صوت مجفف الشعر : هوووووووف . يتخيل شعرها طويلًا ،وأسودًا مثل الليل .

ويخيل إليه أنه يسمع صوت حاسوبها الشخصي يفتح ،والحاسوب عندما يفتح لا يصدر موسيقى ويندوز المعتادة . ،بل يصدر هذا الصوت عندما يفتح : عبيييييييييير!

يضحك منعم وهو يهز رأسه كما يفعل بوب مارلي من النشوة ،موسيقى الريغي تسيطر على جسده ،يسمعها من ذاكرته ،يمشي نحو ركشته بخطوات راقصة ،يشغل أغنية لبوب مارلي :

Do,nt let them fool ya no no

Or trying school ya

ينسى منعم عبير ،ويواصل الرقص تحت النجوم اللامعة ،وكلب الجيران ينبح بمرح بجواره ،أما عبير فإنها تضع قلمها بالقرب من فمها الشهي ،تترك المذاكرة لتحاول الاستماع لكلمات الأغنية البعيدة ،فربما تظفر باسمها وتنزلها من على الانترنت فلمنعم ذوق غريب في الموسيقى .

ثم تسمع صوت ضجيج باب يفتح ،وصوت رجل كبير عرفت منه أنه أبو منعم وأنه الآن يطلب منه أن يوقف الأغنية ،حتى ينام الناس .

يخفض منعم صوت الموسيقى للحد الذي يسمعه هو فحسب ،هو ينام في الخارج بجوار (ركشته ) ليس خوفًا عليها من اللصوص لكن هربًا من هراء العائلة ،لا ينام منعم إلا بعد أن تطفئ عبير نور غرفتها لتنام .

في يوم الجمعة لا تخرج عبير من البيت ،ولهذا لا يحب منعم يوم الجمعة ،فيقود (الركشة) ويهرب بها بعيدًا عن كل مساجد المدينة وأئمتها ،ولكن في ذلك اليوم قرر منعم أن يستريح في البيت ،كان الوقت عصرًا ،كلب الجيران الذي تداعبه عبير نائم بكسل ،منعم ينظر لبيت عبير ويقول لنفسه : إنها لو خرجت ،ستخرج وهي ترتدي ثوبًا سودانيًا ،ستبدو فيه رائعة لحد البكاء .

لكنها الآن تغسل ملابسها ،هو يعلم ذلك من رائحة صابون الغسيل ،ومن صوت الغسالة الاتوماتيكية ،ومن صوتها وهي تحذر أختها الصغيرة من العبث بمفاتيح الغسالة .

بعد ساعة توقف صوت الغسالة ،علم منعم أنها انتهت من الغسيل والآن ملابسها منشورة في حبل الغسيل .

لابد أنها الآن في المطبخ تعد لنفسها وجبة خفيفة ،أو ربما هي الآن تشاهد التلفزيون ،أو لعلها أخذت هاتفها من الشاحن وهي الآن تتحدث عبر الماسنجر مع أهلها وأصدقائها .

هنا نظر منعم لهاتفه فوجد رسالة من مجتبى كلاوي يقول له فيها : جمعة مباركة .

فرد عليه : إبرك فيك جمل .

– هههههه مالك زعلان ،عبير شوكشتك ؟

– هههههه انا منعم راستا تشوكشني بت المصارين البيض دي !

– دي مبكية الناس كلها ،حتى أنا مبكياني .

– تبكي يا كبير .

– هي جميلة ،والجمال مرات بكون مؤلم .

– امك اعصار !

– شنو ؟

– باي حا ارجع ليك بعدين .

كان هناك إعصار أصفر ،يمشي في الشارع ،مبتلعًا أكياس النايلون ،ومحاولًا إبتلاع الأشجار الصغيرة ،ومحاولًا إبتلاع الكلب الذي كان ينبح فيه ،لكنه كان اضعف من أن يفعل ذلك ،لكنه كان يزداد قوة بمرور الوقت .

كان الإعصار يتوجه مباشرة لبيت عبير ،وبعد أن وصل إلى هناك ،رأى منعم ملابس عبير الملونة الرائعة تدور في الإعصار :فساتين ،ملابس داخلية ،حمالات صدرية ،اقمصة ،بناطلين جينز ،قفازات وجوارب .

سمع منعم الإعصار يضحك ملء شدقيه سعيدًا بغنيمته .

كر كرررر إنطلق منعم (بالركشة) مطاردًا الإعصار ،وكانت المطاردة على أنغام : No woman ,no cry .

في النهاية تعب الإعصار من الدوران وبدأ يلقي الملابس واحدة بعد الأخرى ،وببراعة (بيبسي مان) كان منعم يلتقطها .

حتى اختفى الإعصار ووضع منعم كل ملابس عبير في مقاعد (الركشة ) الخلفية .

بفرح وبثقة دق الباب ،تمنى لو تفتح عبير الباب ،لكن من فتح الباب كان أبوها ،وهو رجل ضخم له كرش كبيرة ،ولحية بيضاء ،لم يستطع منعم أن يتكلم ،لهذا رفع أصبعه بمعنى : لحظة من فضلك !

وذهب وأحضر له الملابس ،بسرعة نادى الأب بنته : يا عبيير بطلي نضمي، دي ياها ملابسك جابوها ليك .

كانت خطوات عبير سريعة ،بل كانت تجري برشاقة طفلة ،بشعر مكشوف أطلت عبر الباب ،دفعها أبيها للداخل قائلًا : يا بت صلحي طرحتك دي .

أخذ والدها كل ملابسها بتبرم من منعم واكتفى بقول : شكرًا ليك . بعدها أغلق الباب .

سمعه يسألها : هل هي ناقصة ؟

سمعها تجيب بارتباك : لا ،تامة .

ضحك وهو يخرج من جيبه لباسها الداخلي ويشمه ،ثم ضحك منتصرًا .

هاهاهاهاهاهاهاها

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .