جدي ينبُت

66587_62543

أسامة صالح إبراهيم:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

 قصة قصيرة 

في لحظة مفقودة من الماضي قال لي أحد الأطفال :  ذهبتُ في الليلة السابِقة مع أبي إلى مكانٍ بعيد  فسيح ومُظلِم وبارد تبدو فيه الرؤية باهِتة  قابلتُ فيه الكثير من الرِجال أصحاب الصوت المبحوح و”الجلاليب” البيض ، تلوح منهم ملامح البؤس والندم والخوف وتعُج بهم تعابير الكذب والنِفاق . و في تلك الليلة كان جدي نائماً لمُدة طويلة ، مُدة أبعد حتى من أن تكون اعتيادية . و كانت النساء تتدفقن إلى المنزل ، يبكين بشكل جنوني و يتعمدّن أن يُسقِطن ثيابهن ليكشِفن أجسادهُن بشكلٍ غير مُباشر . الكثير من النساء اللاتي تقول أُمي أنهن حانِقات وشريرات جِئن إلى منزلنا ! لماذا يبكين على جدي النائم ( أُمي ، أخواتي ، خالاتي……) و هُنّ من كُنّ يقُلنّ أن جدي هذا ثرثارٌ كبير و يُطلق كُتلاً من اللُعاب أثناء الحديث …

لا ينامُ أبداً ولا يُريحُنا ؟! ما الذي تغير ؟ و لماذا يبكين بعد أن نام ؟ ولماذا أتت النساء اللواتي تحدثت عنهن أُمي بسوء إلى المنزل ؟ وما علاقة جدي النائم بهن ؟ تأبطُت ذاكرتي الصغيرة كل تساؤلاتي و نظرتُ إلى الرجال ، ها هُم يحملون جدي في “عنقريب” كان ينام فيه دائماً ، مُغطى بِغطائه الأبيض ذاته ، تفوح منه روائح لم أستطع أن أفهم ما المغزى منها ، كُل ما أذكره أنها تُباع في العطارات . أحد الرجال كان مُنهمِكاً بحفر حُفرة كبيرة في الظلام ، والرِجال يهتفون بهمهمات غريبة وكأنها تسبيحات المُتصوفين .  كلما أريد أن أتكلم مع أحد الرجال ببتعد عني مُدعياً – و بطريقة صامتة و غير مُباشرة – إنشغاله بأمرٍ جلل .  ها هُم الآن يتدافعون إلى جدي ، يريدون إدخاله إلى تلك الحُفرة غير آبهين بالشوك و الطين و الحجارة التي تملأ الطريق . و بعد معركة عنيفة و محاجة حادة اللهجة أفلح أربعة منهم في الفوز بإدخال جدي إلى تلك الحُفرة ، و بسرعةٍ فائقة أردفوها بالتُراب بل و صنعوا من تلك الحُفرة تلاً صغيراً من الرمل . بعدها وقف الجميع في صمتٍ دامس و رفعوا أيديهم إلى السماء و أخذوا في تلاوة طقسٍ غريب ، و كأنهُم يؤدون رقصة المطر .

 و بعد أن فُضّ الحشد أخذوا يُسلمون على بعضهم بحُزنٍ و أسى كما لو كانت هذه المرة الأولى و الأخيرة التي سيتقابلون فيها،  ثُمَّ كان الإياب إلى المنزل ، ذات النِساء و ذاتُ البُكاء و النَّاسُ يأتون زرافات و وِحدانا . الكثير من العزائم و الكثير من الرجال يجلسون و يتهامسون و يُخفون الضحكات الصغيرة و يستمتعون بالأكل و إرسال الأطفال لإحضار الشاي و المزيد من السُكر و كُلما أتى وجهٌ جديد كان الجميع يقف ليؤدي ذلك الطقس مُجدداً – رقصة المطر , هتّك الصبر انتظاري و لا يهطُل المطر . كان هذا المهرجان الأول من نوعه ، فقط ينقصُه الابتهاج . لم يكن في إمكاني طرح أي سؤال فأنا لا أعلم احتمالية ما يترتب على سؤالي و لا أريد أن أعلم الآن على أي حال . كانت الدهشة تتكئ على باحة الذهول و تتربص بي مُهددةً إياي بمُفاجئة أُخرى . و لكن كانت هناك فكرة تزدهر في عقلي . لماذا قام أولئك الرجال بزراعة جدي كـ بذرة على الأرض و لماذا يؤدون رقصة المطر هل يحلمون بأن ينبُت جدي مرةً أُخرى . مرت الأيام و عاد الناس إلى حياتهم المُعتادة  ولكن جدي لم يكن حاضراً في المنزل . كُل يوم أنظر إلى الباب الخلفي في الرِواق مُنتظراً قدومه و هو يحمل لي هدية و لكن لم تكن هناك جدوى من انتظاري …

 أظن أن الجميع يئس من فكرة أن ينمو جدي مُجدداً.. ولكن أحياناً كانت تأخُذني جدتي سراً لتسقي الحُفرة التي ينام جدي فيها و كانت تهمهم بكلامٍ غامض و تؤدي رقصة المطر أيضاً  كنت أعتقد أنها لم تزلْ تنتظر أن ينبُت جدي و يزدهر . و في أحد الأيام العادية صحوتُ من النوم على صوت “زغارييت” …. ها هي أُمي تضع مولوداً جديداً  أخي الذي يشبه جدي  أخي الذي يحمل اسم جدي  لا ….. هذا جدي ذاته و لكنه نبُت في شكلٍ آخر  من أمٍ جديدة و أبٍ جديد  فلم أُطِق صبراً حتى أنام مِثله و أنبُت من جديد في مكانٍ أجدُ فيه جدي  و أشار إلى أحد القبور الخالية من الشواهد  و بالقُرب منه قبرٌ أخر و لكنه خالي من السُكان  و قال لي : هل تزرعني هُناك و أعدك بأن أُخبر جدي عنك  سأُخبره أنك أنت من ساعدتني للوصول إليه . لم أتردد حينها في مُساعدة ذلك الصبي . ذهب إلى القبر و إضَّجع صامِتاً مُبتسماً حتى أخر حُفنة تراب كُنت قد ألقيتُها عليه  و النهار يُلقي تحيات الوداع على مآسي الحياة مُعلناً عن ليلٍ مُوسيقي … كُنت حينها قد انتهيت من الدفن و لم أؤدي رقصة المطر … فقط أنا أنتظر من يزرعني و يرقُص لي لكي أنبُت من جديد …. حيثُ ينبُت الطيبون 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً