الرئيسية / احدث التدوينات / جعران… ذو حالة خاصة جداً!

جعران… ذو حالة خاصة جداً!

وقاص

     لم يكن في الأمر غرابة… ألا أستطيع – وفي تلك اللحظة بالذات – تحدید موقعي في هذا العالم… أو حتى الزمن. کانت لحظات من نشوة تمر متسللة من ثقوب الثواني. کأن الشمس قد غربت دون أن یبتلعها الجبل، مخلفة ضوءها بكامل بهاءه وسنائه، أو کأنها تشظت إلی قطع بیضاء صغیرة إکتست بها الأرض المفروشة حولنا. کانت السيارة تنطلق بأقصی سرعتها في الطریق الرملي تجر خلفها ثورات صفراء، يلطمني الهواء على وجهي حيث أقبع في صندوقها الخلفي، دون أن أغلق عيوني للحظة “فالجمال من حولي کان أقوی من الهواء المشتد”. أخذت أترنح مع السيارة يمنة ويسرى، کأنني أرقص کما مهجتي، الوضع ببساطة کان كمهبط دائم لوحي الجمال، وکأن الأرض هنا صارت سماء للسماء… فكیف بدأ الأمر کیف بدأ.

     في الخلاء الغربي، على بعد کلیومترین أو ثلاثة من قریتنا، أو ربما أکثر قلیلاً أو کثیراً… لا أدري “فضباب الجمال قد حجب معيار المسافة عن عیوني”. بدا المشهد مهيباً منذ البداية فالشمس قد دقت وتدها في منتصف السماء بالضبط ضوءها السلسبيل يشع على الجبل أمامنا فیبتعد کلما قربنا منه، وشریط أبیض رقیق صار یقترب شیئاً فشیئاً، کانت أول مرة أسافر لتلك المسافة في الخلاء، وأول مرة أیضاً أحس بمثل تلك النشوة، کلما أقترب ذلك الشریط الأبیض، تخیلته سماء، فنهضت واقفاً وشمرت عن ساعدي مستعداً للطیران، بدا لي نهراً ثلجیاً هادئاً فآثرت السباحة، کنت مستعداً لأي شيء فی سبیل متعة الروح هذه… فلم یكن الأمر متعلق الا بالروح. دخلنا فیها.. أو دخلت فینا.. المهم… کانت حشائش نمت بينها شجیرات سیال متباعدة زاهدة في الحیاة كحالها، حشائش بیضاء کزهر اللوز، ناعمة تلاعبها الریح کحریر مائي، تنمو علی الرمل فتبدو کبساط من السحاب یشعر فيه الماشي کأنه یتمشى في فضاءات روحه. نسیت حینها من نحن وما الذي أتی بنا إلى هنا، أو أننا جئنا بمعاولنا لنملأ السيارة بالرمال ونعود من حيث أتينا.. أو أننا جئنا، بدا الأمر حلما داخل حلم، إلى أن توقفت السيارة فجأة عندما غاصت كفراتها في الرمال، وبطبیعة الحال فرحت کما لم أفرح من قبل، ولم أتردد للحظة في ارتكاب هذا الفرح، فما أجمل أن یتعثر المرء في جمال کهذا، بدأ الأمر وکأنها أجمل مشكلة تمر بي في حیاتي.

    لیس بعيداً عنا.. اضطربت حبیبات الرمل قلیلاً، ثم بدا وکأنها قد شفطت نحو الأسفل. ثقب صغیر یحاول جعران أن یخرج منه، كان بطيء الخطوات، رفیق بحبیبات الرمل وکأنه يحاورها حتی أستطاع الخروج، مشی سریعاً علی هدی إستشعاره، متخبط الخُطى وکأنه یعرف أن شیئاً غير عادي قد حدث في فناء داره. صعد تلاً رملیاً صغیراً ثم وقف والذهول بدا واضحاً على قرنیه ورجلیه؛ فقرنیه ثبتتا على غير العادة، وارتخت أرجله الخلفیة عند رؤيته للسيارة الكبیرة وقد غاصت فی الرمل. ثم حرك قرناه قلیلاً كرادار، بينما كنا نحاول إخراج الرمال عن طريق كفرات السيارة، ثم نحاول دفعها للخروج من قبضة الرمال. نزل من التل ومشی صوبنا قلیلاً ثم تراجع عندما رأى فشلنا، بدا الأمر غریباً بالنسبة له، صبیة یحاولون دفع شيء کبیر – والدهم ربما – غرقت أرجله في الرمل، فكما کنا غرباء علی هذا الخلاء… کنا کذلك قرباء علی قرني إستشعاره فلم تعتادا رؤیة أمثالنا من المخلوقات في هذا المكان.

     جعران.. ولا أعرف له غیر هذا الاسم، اسم مكفهر لیس کأترابه من الحشرات ذوات الأسماء الرنانة مثل  أبو الزنان، الخنفساء، العقرب، أبو الجندب… وکأن هذا یفسر الغضب الدائم علی وجهه عندما تدقق فیه النظر، أسود اللون عنید الخطوات لا یوقفه شيء، ویقال فیما یقال في جلسات سمر الأطفال أنه خادم أمين للعقارب؛ فما تواجد في مكان إلا وتواجدت فیه عقرب إذ تستخدمه لمراسيلها وقضاء حوائجها، ولكن ما فحوى تلك المراسیل السریة الغریبة التی توکلها العقرب للجعران؟… هذا التساؤل لم يرد ضمن اسمار جلسات الأطفال. ولكن لكی أصارحكم رأیي في هذا الموضوع فهو خدعة أو إشاعة أطلقها الجعران ليدرأ عن نفسه أذى الآخرين؛ فبما أنه مرسل من قبل العقرب – وما أدراك ما العقرب؟ – فأبو الزنان یطیر، وأبو الجندب یقفز وأما الجعران ليس لديه من وسائل الحماية إلا بمثل هذه الإشاعة. بدا الجعران في تلك الظهيرة واثقاً شجاعاً عازماً أکثر من “الجعارین” التی أراها غالباً فی قریتنا، ربما ظهر لي الفرق جلیاً بین جعران الخلاء وجعران الحلة، الأول یعتمد علی نفسه والثانی یعتمد علی العقرب، لمحت نظرة جادة تبدو في وجهه وهو يتحرك یمیناً ویساراً فیتطایر من مشیته القلق والإستیاء، ورأیته یقترب شیئاً فشیئاً منا ثم يتراجع مسرعاً إلى جحره. يخرج مرة أخرى فيفزعه صوت السيارة فیترجع مسرعاً. بدا لي وکأنه یتفقد جحوراً قد حطمتها السيارة، ربما تكون جحوراً لبعض أهله وأقاربه، أصبحوا في لحظة تحت الأرض وبلا منفذ يتخطفهم الموت.

     أفزعني صوت رفیقي عندما صاح: “بتعاین فی شنو انتا!… أسرع نرفع الرملة في الدفار دا عشان یتقل ونقدر نطلعو من هنا”. قمت فوراً وترکت الجعران فی مجیئه ورواحه، معول ومعولین ثم نسیته کما ینسی عجوز خرف الأشیاء، أو کما ینسی عازم سؤال عاجز، نسیته وکأن شیئاً لم یكن. ملأنا الدفار بالکمیة التی نحتاجها من الرمل بید أننا ما زلنا عالقین هنا، بل وقضینا جل الظهيرة متكئین علی الدفار تحت ظله القصیر في إنتظار قدوم دفار آخر  لنجدتنا، وقد وصل أخيراً ووفر لناً  قضباني حديد وضعناهما أمام الكفرات المنغرسة في الرمل فخرج أخیراً معلنا إنقضاء ظهيرة أجتمعت فیها التناقضات؛ الجمال والمشاکل، راحة البال وتعب الجسد. لم أتذکر الجعران، لم اتذکره ولم يخطر على بالي مطلقاً، ولا أظن أن ذاکرتي ستحتفظ بمجیئه ورواحه أو قلقه ضمن ما ستحتفظ به من أشیاء عن هذا المكان، فقط نسیته کما ینسی عجوز خرف الأشیاء أو کما ینسی عازم سؤال عاجز نسیته وکأن شیئاً لم یکن.

     غادرنا المکان وأتجه الدفار بأقصی سرعة صوب الشرق، حيث قریتنا، ولكنی غادرته بتمهل، وقفت في قلب صندوق الدفار أراقب ذلك الخلاء بکل أحاسيسي، أراقب جبلاً تقترب فیبتعد… تبتعد منه فیقترب، وأعوجاج سيقان أشجار السیال التي تبدو کدوامة صامته.. ثابتة.. لیس لها رغبة الإلتهام، والحشائش البیضاء التي بدت من بعید کنهر ثلجي هادئ، ثم کسماء صافیة ثم کخیط أبیض رفیع. جلست علی حافة الدفار لما بدأ الخیط الأبیض الرفیع في التلاشي شیئاً فشیئاً ونحن علی مشارف قریتنا، لمحت عیني فیما لمحت الكثیر من الأشیاء بید أنه لم یبق منها في رأسي سوی شيء واحد.. جعران فی كومة الرمل التي في منتصف الدفار یحاول جاهداً حفر ثقب فیها.

     “من منا قد ارتكب هذا الخطأ الحضاري في حق الجعران؟.. تساءلت وأنا علی حافة الدفار کورقة في مهب الریح، کبیدق شطرنج مهدد من کل الجهات، تأملته جیداً.. قلقه الصغیر.. خوفه اللامرئی.. صمته عن الأسئلة.. وهو یواصل الحفر في کومة الرمل على ظهر الدفار. شتتت بصري بعیداً عنه ولم أحتمل المزید من هذا المشهد… “عما  تبحث أیها الجعران في هذا الكوم الصغیر، أتعتقد أنك في الوطن، أتعتقد أننا ما زلنا في تلك السهول الواسعة، أتحسب أنك ستجد مأواك لو واصلت الغوص في تلة الرمل داخل الدفار؟”… ترى ماذا سیفعل… عندما يصطدم بأرضیته الحدیدیة الصلبة في قاع كومة الرمل… ماذا سیحدث له حین یكتشف الحقیقة؛ أن ما یحفر فیه الآن ویعتقد أنه الوطن ما هو إلا کوم رمل صغیر على ظهر دفار یجري بأقصی سرعة في طریق مجهول النهایة.

     حاولت أن أوقف نافورة الألم التي فتحها هذا الجعران بداخلي، حاولت أن أوصد نافذة الأسئلة الكثیرة المتدفقة، حاولت أن أسامح المجهول الذي التقط بمعوله الجعران لیرمیه هنا في هذه الحیاة الرمادیة “والذی ربما یكون أنا”، نظرت إلی رفیقي الراکب معي في صندوق الدفار، إلى عينيه المغمضتين جراء الهواء، ثم ضحك من منظري البائس، تجاوبت معه وأبتسمت ثم حاولت أن أکون مثله، أن أترفع عن هذه الآلام، وأن أنسی مأساة هذا الجعران، إنه في النهایة حشرة فقط لا أکثر، لكني لم أستطع أن أقاوم حين التفت إليه مرة أخری فوجدته واقفاً على قمة تل الرمال ووجهه المخروطي الصغير متجها إليّ کأنه يقصد النظر لي أنا بالذات. اعترفت عيوني بكل شيء حینها ولم تبرىء نفسها، “إننا شرکاء المأساة أیها الجعران وشرکاء في الهزیمة، إنهم یفعلون لنا مثلما فعلنا نحن بك یا جعران، أنهم یختزلون لنا الوطن مثلما أختزلنا وطنك وبدلنا لك کل تلك السهول بهذا الكوم الصغیر، إننا نأکل من باقي الطبق ونشرب من باقي الكوب کما تسكن الآن أنت باقي الرمال، لذلك یا صدیق الألم.. لا أملك ما یكفی من الحریة لأحررك”.

      غفوت مع هذا الوجع الفكري کثیراً، ولم أنتبه إلى أن الدفار قد شق شوارع القریة ثم توقف ورمى رفیقي المعول بجانبي قائلاً: “یا سارح انتا… يلا ننزل الرملة دي”! ألقيت نظرة خاطفة على کوم الرمل ولم أجد الجعران، فتحنا باب الدفار ثم بدأنا ننزل في الرمل ثم ننقله إلی داخل البیت، ولم أنسى ذلك الجعران، لم یفارقني بؤس وجهه للحظة، لم تبارحني مشقة الأسئلة ولم ترتاح مخیلتي عن رسم صورته، خصوصاً بعد أن أنتهينا من نقل الرمل. فجأة لمحت الجعران یجري متخبطاً في منتصف الحوش، لا یدري أي جهة یقصد. نظرت إليه ببؤس الضحیة لقاتلها لا بعین القاتل لضحیته، “الجعران الذی کان یرتع فی تلك السهول والبراري کیف یجد نفسه في غفلة من الزمن بین هذا الجدران الغریبة والأزقة الموحشة؟… کیف یستأنس هذا العالم الجدید الذي لا یرحم، کیف یتحول دون أي مقدمات أو تنبیه سابق من جعران خلاء إلی جعران حلة، وأي قسوة في قلوبنا جعلتنا نأتي به ونرمیه هنا ثم نمشي في حالنا وکأن شیئاً لم یكن، أي خطأ حضاري ذاك الذي وقعنا فیه، أي جرم ذلك الذي أرتكبناه بحق النظام الکوني”.

     استغرب صدیقي حد البلاهة من ردي عندما صرخ في قائلاً: “بتعاین فی شنو إنت؟!”. نهضت من الأرض والتفت الیه وقلت: “جعران”… ثم أعدت النظر إلی الأرض وأکملت فی سري.. “ذو حالة خاصة جدا”.

     ذهبنا لتناول الغداء بعدها.. تآنسنا قلیلاً… ضحك صدیقي کثیراً وقال: “بالله قاعد بتعاین في جعران”.. بادلته الضحك.. دخلنا.. خرجنا.. حاولت أن ألهي نفسي.. وأشغلها.. في النهایة هو لیس إلا مجرد جعران صغیر لا أکثر.. ثم في منتصف اللیل وأنا غارق في النوم.. رأیته في الحلم.. ذات الجعران بوجه أشد غضباً… علت أنفاسي وبدت دقات قلبي واضحة.. کان ضخم الجسم أکبر من بص سياحي… یجري من بعید نحوي.. بدأت في الجري مذعوراً.. أجري ویجري خلفي.. اقترب کثیراً… کاد أن يمسك بي.. ولا أذکر أني توقفت عن الجري… حتی بعد أن استیقظت من النوم.

عن وقاص الصادق

mm
قاص من السودان صدرت له مجموعة قصصية سنة 2015 بعنوان " حضور بلون الماء" .