الرئيسية / احدث التدوينات / جــذور أزمــة جنـوب السودان

جــذور أزمــة جنـوب السودان

2012_07_09_nik_ssflag

بقلم: الفريد كنث دوكــــو

“أسمحو لي بالقول: أنني أشعر بنفسي في خدمة المبادئ الأخلاقية التي ألتزم بها، وليس في خدمة دولة، أو سلطة، أو حزب، حتى لو كان حزبي “

هيلموت شميت … المستشار الألماني و رجل الدولة

      بما لا يدع مجالاً لأدنى درجات الشك؛ فأن كل نضالات الشعب السوداني، والذي يمثل الشعب الجنوسوداني جزءاً أصيلاً منه، قد كانت من أجل نيل الحقوق المدنية، والسياسية، والثقافية، والاجتماعية، في إطار دولة السودان، ومع تعذر ذلك، لجأ الجنوب لتقرير مصيره، واستقل عن الوضعية التاريخية في الدولة السودانية، لتأسيس دولة معافاة، تتلافى فيها كل أخطاء الدولة الأم، لكن للأسف، لم يحدث أي تغيير، بل تم إعادة إنتاج نفس أزمات السودان القديم، وبصورة أسوأ، حيث استشرت القبلية، وعم عدم الاستقرار الأمني، والسياسي، وإنهار الاقتصاد، وانعدمت مقومات الحياة الاساسية، من تعليم، وصحة، وبنية تحتية، وعيش الكريم للمواطنين، مع اضمحلال الفكر، وغيابه الكلي لدى الكيانات السياسية والمدنية المختلفة. وللأزمة قيد التناول عدة أبعاد، وتقاطعات، وتداخلات، بين السياسة، والتاريخ، والمجتمع، والفضاء الفكري، كل هذه العوامل، والابعاد تتحرك معاً، وتؤثر وتتأثر بغيرها بشكل جدلي بنيوي، وعليه سندلي بدلونا في هذه الابعاد بشيء من الإيجاز، دون إخلال، عسى ولعل نفتح مساحات أخرى للحوار، ويضيئ الآخرون مواضع العتمة في ما لم نذكره، والذي يكون قد سقط منا سهواً، دون عمد، وهو طبيعية الإنتاج المعرفي الإنساني، الذي يمتاز بالنسبية، وعدم الإطلاقية، وعليه سنتناول الأزمة في الأبعاد الآتية:

أولاً: البعد الاجتماعي: المجتمع الجنوسوداني في بنيته هو عبارة عن مجموعة من القبائل، وتتواجد فيه أنساق اجتماعية، وثقافية مختلفة ومتباينة، وتمثل مراحل مختلفة من تطور المجتمعات، حيث تتداخل المجتمعات البسيطة مع المجتمع المدني، الذي بدأ في التشكل، وإن لم يتبلور بشكل كامل، نسبة للظروف الزمكانية، ولذا فأن الأسرة، والقبيلة هما الوعاءان اللذان تتشكل فيهما المفاهيم اﻷولية للفرد، ويتبنى من خلالهما القيم والمعايير الاجتماعية، والذي يسميه علماء الاجتماع بالمرحلة الأولى من التنشئة الاجتماعية، وغالباً ما تقوم على تعظيم الأسرة والقبيلة ببطولاتها وأساطيرها في الحروب مع الآخر، والتفوق والاستعلاء عليه، فتتراكم تلك المفاهيم في بنية اللاوعي، وعندما يدخل الفرد في المرحلة الثانية من التنشئة الاجتماعية، والتي فيها يدخل الفرد في علاقة مع الآخر، عبر مؤسسات المجتمع المختلفة، من مدرسة ، كنيسة، ومسجد … الخ، يدخل هذه المرحلة، وهو محمل بأحكام مسبقة تجاه الآخر، والتي قد تستمر، وأحيانا قد يتجاوزها، إذا توسعت أفاقه، وتبحر في التجارب، والمعارف الإنسانية، وما بلغته الأمم من تطور، وما ارساه علم الاجتماع، والانثروبولوجيا عن النسبية الثقافية، وعلم السياسة عن العقد الاجتماعي القائم على مفهوم المواطنة كأساس الحقوق والواجبات، كأساس بنيت عليه الدولة الحديثة. لكن المشكلة تكمن في أن المجتمع ما زال لم يبلغ مرحلة التمدن بعد، فعدد ضئيل منه هم الذين نالوا قسطاً من التعليم، والتمدن مرتبط بطبيعة الحال بالتنمية لأن المدنية الحديثة في التاريخ ظهرت بعد الثورة الصناعية في أوروبا، حيث المصنع والسوق، وخلق عموميات جديدة في هذا السياق. ففي الجنوب يمكن أن نسمي ثلاثة مناطق، أو أربعة فقط بالمدن “جوبا ، واو ، ملكال ، الرنك”، إن جازت التسمية بمنطق النسبية الزمكانية، أما ما عداهم فهم قرى كبرى، وعدد السكان في هذه المدن ضئيل جداً، وحتى بعض ممن يسكنوها مازالوا محملين بمفاهيم، وقيم، لا تمد للمدينة بصلة، وهذا يجعل سكان الريف، والحاملين لمفاهيمها، هم السواد الأعظم، وما تغرسه فيهم القبيلة من مفاهيم ومعايير تظل سائدة، علاوة على ذلك استغلال الساسة لهذا الوضع؛ فكانت النتيجة الطبيعية هو التأثير المباشر للكيانات القبلية على السياسة، وهذا ما أصبح كعب أخيل في دولتنا، ومالم نتجاوزه فستظل لعنة أسطورة سيزف تلاحقنا. فما لم تحدث تنمية حقيقية مفاهيمية ، اقتصادية، اجتماعية، وبشرية، ستظل القوة التقليدية المتمثلة في القبائل ومفاهيمها السلبية تجاه القبائل الأخرى، ولن تحدث نقلة نوعية على مستوى المجتمع تؤدي إلى تقبل الآخر المختلف.

ثانياً: البعد التاريخي: نجد أن بذرة الأزمة بدأت أبان الصراع في القيادة السياسية، بين النخبة الجنوسودانية، والتي تجلت في صراع أقري جادين ووليم دينق، حيث تم إقحام المجتمعات، والوجود الاجتماعي والقبلي الكمي في هذا الصراع، دون تأسيسه على الفكر، و امتد حتى صراع لاقو وألير، بعد اتفاقية أديس أبابا، والكوكورا، وبروز مسألة هيمنة قبيلة واحدة  على السلطة والأسطورة التي سادت في تلك الحقبة “ولِدّنا لِنَحْكُم لا لِكي نُحْكَم” المنسوبة لجاستين ياج، فكانت كل هذه الصراعات، وأن أنبنى بعضها على الفكر، والطرح السياسي، تستبطن البعد القبلي الاجتماعي في الصراع، ويتم فيها تعبئة القبائل ضد بعضها البعض، والذي استمر حتى وقتنا الراهن.

ثالثاً: البعد السياسي: تتحمل قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان، الحزب الحاكم في جنوب السودان، قبل انقسامه إلى فصائل مختلفة، مجمل ما حدث في جنوب السودان من تدهور، حيث فشلت قيادة الحركة منذ 2005 في تطبيق مشروع السودان الجديد في حده الأدنى، بشكله المنهجي المفاهيمي، فأنتجت هذه الفجوة السياسية والفكرية، مما أدى إلى تعزيز النزعات القبلية، والإقليمية، وتوغل السلاطين، والقبائل، والمجتمعات في السياسة، وترتب على ذلك انفجار الأزمة سياسياً، وانشقاق الحركة إلى ثلاثة فصائل. إضافة لذلك غياب الأحزاب السياسية المعارضة، وضعفها في ممارسة معارضة فعالة ضد الحكومة، فأصبحت جزء منها مقموعة من قبل الحركة، والأخرى رضخت للحركة، وأصبحت من أحزاب التوالي. ومما عمق الأزمة عدم فك الارتباط العقائدي بين الحركة الشعبية والجيش الشعبي، وعدم تحويله إلى جيش قومي ذي عقيدة عسكرية احترافية، ومهنية، مما جعل الجيش بشكل أو بآخر تكون ولاءاته قبلية، أو شخصية، وأقرب ما يكون إلى تجمع مليشيات.

رابعاً: البعد المعرفي: يتمثل في غياب التأسيس النظري، والفكري لأغلب الأحزاب السياسية الجنوسودانية، عدا الحركة الشعبية لتحرير السودان، والحزب الشيوعي الجنوسوداني، فبقية الأحزاب أغلبها مطلبية، ويغيب عنها التأسيس النظري، والتأصيل الفكري الفلسفي، وهي أصبحت في مستويات متباينة، رهينة القوة الاجتماعية التقليدية. أما ما يخص الحركة الشعبية، والحزب الشيوعي، فقد جمدتا فكرياً، ومعرفياً، ولم تحدث أي إضافة لأطروحتهما لمواكبة الواقع، بل نفس طرح ما قبل الاستقلال ، و حتى الأن لم تحدث أي مراجعات فكرية في هذا الصدد من قبلهما. فغياب الفكر والمعرفة، واضمحلال دور الأيديولوجيات في الساحة السياسية، والتنظيمات المختلفة، جعلت من الانتكاسة المعرفية شيء طبيعي، حيث ارتد الكل إلى قبيلته وعشيرته وإقليمه، مدافعاً عنه دون فكر، وأصبحت الأحزاب السياسية بمثابة واجهات قبلية واجتماعية، إلا عدد ضئيل جداً من الذين مازالوا متمسكين، وساعين نحو تفكيك بنية العقلية السائدة، لتأسيس فكر ووعي مدني، يكون فيه الاتفاق والاختلاف على أساس الأيديولوجيات، وليس على أساس القبيلة، والإقليم و الأثنية.

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً