الرئيسية / العدد التاسع والثلاثون / جورج طرابيشي لقاء الفكر بالأدب

جورج طرابيشي لقاء الفكر بالأدب

جورج

محي الدين هارون :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

الدور الخطير للأدب في تشكيل الوعي ، الدور الخطير للوعي في تشكيل التاريخ هذه العبارة المفتوحة التي يختتم بها جورج طرابيشي كتابه الموسوم بشرق غرب ، رجولة أنوثة دراسة في أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية تمثل مفتاحا لفهم  مشروعه الكبير والذي يشمل اشتغاله في حقل الدراسات النقدية التي شملت أكثر من تسعين رواية ومجموعه قصصية عربية ، على امتداد أعماله النقدية الكاملة .

في إشارة إلى  بنية الوعي لدى الإنسان الشرقي ومفهومه المتجذر تحت سطوة الوصاية الأبوية الذكورية في بناء علاقاته مع العالم والتي لم تفلت منها شخوص الروايات سواء تلك التي تناولت علاقات الشرق والغرب بداية بعصفور من الشرق لتوفيق الحكيم والحي اللاتيني لسهيل إدريس وموسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح المعادلة التي قلبت موازين التاريخ  . أو علاقة الإنسان بالله والمحيط  في كتابه الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية أو بنية الوعي لدى الأنثى الشرقية في كتابه أنثى ضد الأنوثة والتي قدمت دراسات نقدية مقدره في أدب نوال السعداوي .

ولان مشروعه الفكري بُني على نقد التراث والحفر في حقل الفلسفة الإسلامية والعربية واليونانية القديمة فقد تجاوزت  دراساته النقد الأدبي الذي يهتم بجماليات النص وعيوبه صوب النقد الثقافي بأوجهه النظرية والمنهجية المتعددة والذي يولي اهتماما بما هو مضمر في النص، كالدراسة اللغوية للأبنية النصية و تحليل المظاهر المتنوعة لجميع أشكال التواصل النصي  كالشحنات الدلالية للكلمات والتراكيب عبر تبني منهجية لوسيان غولدمان في تحليل البنية التكوينية للنصوص بأبعادها الكرنولوجية والسيسيولوجية من منطق أن الأدب ينتج عن الوعي الجماعي الذي تعبر عنه رؤية العالم ، ما دام هو الذي يشكل هذه الرؤية إذ يقول غولدمان عن رؤية العالم : ” هذه الرؤية لا تخلقها الجماعة، ولكنها تخلقها العناصر المشكلة لهذه الجماعة التي ترعرعت في ظلها، والجماعة وحدها هي القادرة عن تطوير هذه العناصر جنباً إلى جنب مع الطاقة الضرورية اللازمة لجمع عناصر هذه الجماعة في إطار كل واحد ونتيجة لذلك تعالج الدلالة الموضوعية للعمل الأدبي وهي لا تتطابق دائماً مع قصد المؤلف والمعنى الذاتي من منطلقين يلتقيان في معنى واحد وقد التقيا في البنيوية التكوينية كما يقول غولدمان ، هما المنطلق الماركسي ومنطلق التحليل النفسي، ويقرر ذلك بأن البنيوية التكوينية تبدأ من الفرضية القائلة بأن كل حالة من حالات السلوك الإنساني هي محاولة الاستجابة الدالة لموقف معين، وبالتالي فإنها أي الحالة السلوكية تميل نحو خلق نوع من التوازن بين الذات الفاعلة والموضوع الذي تلقى الفعل .

وفي قراءاته للحالات السلوكية للشخوص يعتبر طرابيشي أول من إستصحب إسلوب التحليل النفسي لدى (فرويد) في حقل الرواية والقصة و يبدو ذلك جليا في وجهة نظره حول منهجه النقدي مؤكدا انه ينهج ذلك أمام عمل فنّيّ لا أمام حالة مرضيّة. والفارق بين الشيئين كبير. فالتحليل النّفسيّ، حسب قوله، هو منهج إفقار عند تطبيقه على الحالات المرضيّة شأنه أن يجرد المريض من عقدة واحدة تلو الأخرى ويردها لأصل واحد. أما تطبيق التّحليل النّفسيّ على العمل الفنّيّ فهو يبدو على العكس، منهج إغناء، ويجعل للعمل عدة مستويات للقراءة والتّأويل ويعطي بعدًا عميقًا بعيد الغور بمثل العمق الذي يعطيه اللاشعور للشعور.

ومن هنا يعتقد طرابيشي ويجاهر بأحقية نقده ، فيقول أنه ما دام الرّوائيّ قد أصرّ أن يروي لنا ما حصل، فقد صار من حقنا أن نقرأ وأن نفهم ما نقرؤه على الوجه الذي نعتقد أنه هو الصّحيح. ويلخص جورج طرابيشي ذلك بقوله : ” الكلمة التي تُكتب لا تعود ملكًا لصاحبها ، بل تكتسب وجودًا موضوعيًا تفسيره يكمن في النّيات الذّاتيّة للكاتب ” .

إن ما قدمه الراحل جورج طرابيشي ( 1939 – 2016 ) في حقل الدراسة النقدية للرواية العربية لا ينفصل عن مشروعه الفكري في نقد التراث ومحاولاته لتشريح العقل العربي ولكنه ينساق لذات الغاية في تفكيك إعادة صياغة الخطاب التي تنتجه الثقافة العربية ، الدور الخطير للأدب في تشكيل الوعي الدور الخطير للوعي في تشكيل التاريخ . هذه العباره أطول مما تبدو ، اليست كذلك؟ .

عن محي الدين هارون

mm
كاتب من السودان

أضف تعليقاً