الرئيسية / احدث التدوينات / جين جودال: المرأة التي أعادت تعريف البشرية .. عاشقة الشمبانزي .. عاشقة أفريقيا

جين جودال: المرأة التي أعادت تعريف البشرية .. عاشقة الشمبانزي .. عاشقة أفريقيا

عبير

      فاليري جين موريس جودال مواليد 3 ابريل 1934 بريطانية متخصصة في الرئيسيات وعلم السلوك والأنثروبولوجيا، سفيرة الأمم المتحدة للسلام وتعتبر العالمة الأكثر خبرة في الشمبانزي على مستوى العالم، حيث قضت خمسة وأربعون عاماً من عمرها في دراسة التفاعلات الاجتماعية والأسرية  للشمبانزي والحياة البرية في الحديقة الوطنية “جومبي” في تنزانيا، أسست معهد جين جودال وبرنامج الجذور والبراعم ”Roots & Shoots“ وعملت في قضايا الرفق بالحيوان، ومجلس إدارة مشروع حقوق غير البشر ”Nonhuman Rights Project“ منذ عام .1996

     منذ طفولتها المُبكرة كانت تمضي أوقات فراغها في مراقبة الحيوانات، تسجل الملاحظات، وترسم خربشات  عن الحيوانات، وتقرأ عن علمِ الحيوان والسلوكِ الحيواني. وقد كان حلمها وهي طفلةٌ صغيرةٌ أن تنتقِل للعيشِ في أفريقيا لمراقبة الحيواناتِ الغريبة والنادرة ضمن المناطق القريبة من مكان سكنهم. تطلّق والداها وهي بعد صغيرة وبقيت جين مع والدتها، التي كانت تشجعها على البحث والمعرفة، لتخالف  بهذا فتيات عائلتها في صفاتهن وحياتهن كفتيات، قام والدها وعمرها عشرة أعوام، بإهدائها دميةً على شكلِ شمبانزي، وذلك بسبب حُبِّها الكبير للحيوانات، وقامت بتسميتها “جوبيلي”. ظلّ جوبيلي مرافِقاً لِـ “جين” في كل مكان حتى هذه اللحظة. اليوم، وبعد 73 سنة يقبع “جوبيلي” في خزانة جين الخاصة، وإن تساقط فرائه من كثرة ما حملته معها في كل مكان تذهب إليه.

      بدأت جين العمل كسكرتيرةٍ لشركة أفلام وثائقية، ودعاها أحد أصدقائها المقيمين في “كينيا” لزيارتِهِم هناك، فعادت إلى “بورنموث” لتعملَ كنادلَة في أحد الفنادق المحلية لتقوم بجمع المال لتغطية نفقات السفر. وهناك، جمعتها الصدفة مع بروفيسور علم السلوك الإنساني “لويس ليكي” الذي قام بتوظيفها كمساعدة له وسكرتيرة مرافقة له ولزوجته في رحلتهما للتَّنقيب في Olduvai Gorge. وكمشرف في مجال التطوُّر البشريِّ، كان يُدرِك أن هنالك نقصاً شديداً في المعلومات المُثْبتة في ذلك المجال وخاصةً فيما يتعلَّقُ بسلوك السَّلف الأقرب للبشر وهو أحد أنواع القردةِ العُليا.

      لم تكن جين حائزةً على شهادةِ الدراسةِ الجامعية، وكان ينقصها الكثيرُ من مهارات البحثِ العلمي، إلَّا أنها كانت منقادةً بشغفها وحبها للبحث، وعلى الرغم من هذا فإن ثقةُ “ليكي” بإمكانياتها وإصرارها لم تكن كافيةً لجعلها قادرةً على الخوضِ في ذلك الحقل، حيث قام العديدُ من الخبراء بمعارضةِ مشاركتِها، وخاصة لكونها امرأةً صغيرة السن، عمرها ستةٌ وعشرون عاماً فقط معتادة على حياة المدينة؛ فكيف تعيش بمفردها في مكان خطير، على بحيرة “تنجانيقا” بتنزانيا لتتابع الشمبانزي، لهذا أتت والدتها إلى أفريقيا كي لا تكون “جين” بمفردها.

    حققت جين جودال ثورة علمية في بحوثها عن مراقبة سلوك الشمبانزي مباشرة لأنها كانت الوحيدة التي عاشت معها في المنتزه لفترة طويلة، حيث اكتشفت بأن قردة الشمبانزي تفترس اللحوم، وتصنع معداتها وتستعملها في اصطياد النمل الأبيض والديدان لتفترسها وأن للشمبانزي لغة مختلفة وأنها تخوض حروباً منتظمة.

     كان من إحدى هوايات “جين” الغريبة إطلاق أسماء على القردة، كان هذا خروجاً عن قاعدة تعريفِ الحيوانات بأرقام لا بأسماء؛ مما حدَّ من تطور المشاعر بين الباحثِ والحيوان، جودال كانت مقتنعة أنه ولكي تفهم سلوكَ الحيوان بشكلٍ صحيح، عليك أن تنظر إلى الحيوان على أنَّه فردٌ وليس مجرد عينة مختبريةٍ للبحث.

     علم سلوك الحيوان، من منظور “جين”، كان علماً يجاهد لإثبات أنه علم مبنيّ على أسس صلبة وثابتة قابلة للبحث الكميّ، فوقتما كانت تدرس، كان علماً اختزالياً وسطحياً للغاية، يعتبر أن وصف الحالات والفروق الفردية بين أفراد الحيوان خطيئة كبرى.

     أما هي فحسب قولها كانت راغبة في دراسة عواطف الحيوانات عقولهم، أفكارهم.

     جولياث، فرودو، ديفيد جراي بيرد، سبارو، مايك، فلينت، فلو… وغيرهم تلك بعض أسماء قرود الشمبانزي فى محمية جومبي بتنزانيا، هؤلاء هم رفقاء جين، ولكل منهم حكاية معها طوال السنوات التي أمضتها معهم.

     عام 1960، لاحظت “جين” أن “ديفيد جراي بيرد” يقوم باستخدام أغصان الأشجار لصنعِ سنارة صيد أثناء تواجده مع قطيع “جولياث” الذكر الزعيم في مجتمع الشمبانزي وقتها. حتى ذلك الوقت، اعتقد العلماء أن البشر هم الوحيدون القادرون على صنعِ الأدوات والأسلحة حتى أعلنت “جين” عن ملاحظتها فقال “ليكي”: “اليوم علينا أن نُوجد تَعريفاً جديداً للأداة، ليس فقط للأداة بل للإنسان أيضاً، علينا أن نُسَلِّم أن القردَةَ هم من البشرِ أيضاً”. وسُجِّلَت هذه الملاحظة كأحد أهم الاكتشافاتِ التي قامت بها “جين”. وكانت هي أول من اكتشف أن بعضاً من القردة كان يتغذى على الأحياء الصغيرة ليكون ذلك أحد الاكتشافات الجدَليَّة، حيث اعتُبِرَت القرودُ من الكائنات النباتيَّة حتى ذلك الوقت.

     كانت “جين” تراقب عن قرب كيف أن أم الشمبانزي تلاعب أطفالها وتضمها إلى صدرها وتفسح المجال لهم باللعب والقفز عليها وهي صابرة هادئة، وقالت إنها من أحسن الأمهات تعلمت منها ما طبقته مع إبني.

     في عام 1965 حازت “جين” شهادةِ الدكتوراه في علم السلوك من جامعة داروين في كامبريدج، دون أن تحصل على شهادتها الجامعية، لتكون واحدة من تسعَة أشخاص فقط في العالم ينالون شهادة الدكتوراه دون حيازة شهادة جامعية. تقول “جين”: “الأساتذة رفضوا المنهج الذي تبنيته، وصدمني ردّ فعلهم، قالوا لي أن كل ما قمت به خطأ تماماً، فكيف أطلق أسماءً على القردة، كيف أتحدث عن شخصياتها، أو عقولها، أو مشاعرها، تلك كانت بالنسبة لهم مميزات ينفرد بها بنو البشر، لكنني تذكرت أستاذي الأول عندما كنت طفلة، والذي علمني أن فكرة التفردّ هذه لم تكن صائبة، كلبي “روستي” هو أستاذي الأول، فعندما تمضي حياتك مع أي حيوان يمتلك دماغاً متطوراً إلى حدّ ما وفق علاقة ذات معنى لكليكما، وقتها تدرك أنه يتمتع بسمات شخصية.”

     في عام 1977، قامت “جودال” بإنشاء مؤسسةِ أبحاثٍ في الحياةِ البريةِ. كانت في بدايتِها تركزُ على دعم الأبحاث المتعلقة بحياة الشمبانزي وتوسَّعَ عملُها فيما بعد ليشمل المساهمة في دعم وحماية كلِّ أشكال الحياة البريَّة، وتدير مؤسسة تضمّ تسعة عشر مكتباً وتقيمُ العديدَ من المشاريع التنموية المتركِّزة غالباً في أفريقيا. ساهم عملها في المشروع المشترك بين منظمة اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة والذي يُطلق عليه اسم “مشروع إنقاذ القردة العليا” في تنسيق الجهود العالمية في هذا الشأن بالنيابة عن سلالات القردة العليا المعرضة للخطر بشكل كبير.

     تزوجت جين مرتين؛ الأولى من مصور مجلة ناشيونال جيوجرافيك الهولندي “هوجو ڤان لاويك” والذي التقط لها مع الشمبانزي صورها الأولى في هذا العالم، تزوجا عام 64، وأنجبا ابناً أطلقا عليه اسم “هوجو إريك لويس”، ولكنهما تطلّقا عام 74، وفي عام 1975 تزوجت مدير منتزه الوطني في تنزانيا “ديريك بيرسون” وبمساعدته تمكنت من ضمان العناية والرعاية للشمبانزي. تصف “جين” زوجها الثاني بالرومانسية والحنان، وتروي عنه أنه كان يطير فوق مسكنهما ليرمي كيساً بلاستيكياً من طائرته فوق البيت، عندما تفتحه تجد زهرة حمراء، لكنه توفي بمرض السرطان عام 1980.

     عندما شاهدت “جين” في إحدى القرى الأفريقية أنهم يبيعون الشمبانزي المشوي حزنت، وقررت أن تجد حلاً لمنع قتل الشمبانزي، وساهمت في حثّ هيئة الأمم المتحدة لإصدار أمر بمنع قتل الشمبانزي واستخدامها للتجارب في المختبرات الطبية نظراً لأن الشمبانزي يتألم مثل الإنسان ويشبهه في بعض الصفات بنسبة أكثر من 90%. وجدت “جين” أن الفقر المدقع والبطالة والجوع كلها تقود إلى القيام بقتل الشمبانزي والقردة الأخرى، ففكرت بعمل مزارع للدواجن ووفرت أجهزة تفقيس البيض لتوزيعها على العوائل المشردة التي ستعود إلى الكونغو لتبدأ بتربية الدجاج. وأسست بنكاً خيرياً لقرض العوائل الفقيرة قروضاً قليلة لكي تبدأ بالعمل والزراعة و تعيد القرض إلى البنك بدون أرباح. كما تواصل “جين” دفاعها من أجل الحفاظ على البيئة والتغذية الصحية لا التغذية الجينية المعدلة.

     وفي سنة 1991 أقامت للأطفال في تنزانيا مراكز أو مدارس لتعليم الأطفال الإنجليزية للجذور والبراعم Roots & Shoots التي انتشرت في أكثر من أربعين دولة لإطعام وتعليم الأطفال اليتامى المشردين نتيجة الحروب في المخيمات من كل القوميات والأديان، فقط لمنحهم الأمل للحياة.

    نالتِ “جين جودال” ميدالية “تانزانيا، وجائزة أمير “أستورياس” للبحوث العلمية والتقنية، ميدالية “هوبارد” من الجمعية الجغرافيةِ الوطنيةِ، جائزة “كيوتو” اليابانية، جائزة “بينجامين فرانكلين” في علومِ الحياة، جائزةُ “غاندي” لـ اللا عنف. أما في عام 2002، تم منحها لقبَ سفيرة السلام من قبل هيئة الأمم المتحدة. وفي عام 2004، وخلال حفلِ قصر “باكنجهام”، مَنحتها الملكة “إليزابيث” الثانية لقب سيدة الإمبراطورية البريطانية، وهو لقبٌ يوازي لقب الفارس.

     تسافر “جين” التي احتفلت بعيد ميلادها الثالث والثمانين إبريل الماضي، إلى بلدان عديدة في العام الواحد، لتجوب العالم وتشارك رسالتها لتشجيع للشباب بجعل العالم مكاناً أفضل. تقول: “عندما يتلقّى الشباب الدعم الكافي والمعرفة، فإنَّهم سيعلمون تماماً ما هو التغيير المطلوب، وعندها فقط سيتمكَّنون من تغييرِ العالمِ بأسره، فهم قد بدأوا بذلك مسبقاً.”

     في نوفمبر من هذا العام وبـ “مترو جراف” بمدينة نيويورك تم عرض فيلم “Jane” الذي فاز بجائزة “Critic’s Choice Awards”، ويرصد العمل العديد من اللقطات الخاصة بحياة “جين” ويسرد تجاربها ودراستها الأولى عن الشمبانزي في تنزانيا عام 1960، كما يسلط الضوء على مشاهد من حياتها.

     عندما سئلت عما إذا كانت تعتقد في الله، قالت: “ليس لدي أي فكرة عن من أو ما هو الله، ولكنني أعتقد في بعض قوة روحية كبيرة، أشعر بها وبخاصة عندما أكون في الطبيعة، إنها مجرد شيء أكبر وأقوى مني أنا أو أي شخص آخر، وهذا يكفي بالنسبة لي.”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الروابط المرجعية:

–  صفحة جين جودال الرسمية على الفيسبوك

https://m.facebook.com/janegoodall/

– بيوجرافيا (سيرة حياة) جين جودال

https://www.biography.com/people/jane-goodall-9542363#recent-news

–  تريللر الفيلم الوثائقي جين Jane من إنتاج ناشيونال جيوجرافيك

https://youtu.be/FRlUJrEUn0Y

– أحد فيديوهات جين العلمية الذي تتحدث فيه عن الشمبانزي.

https://www.ted.com/talks/jane_goodall_on_what_separates_us_from_the_apes/up-next?language=ar

– فيديو آخر لجين عن علاقة البشر بالحيوان

https://www.ted.com/talks/jane_goodall_at_tedglobal_07?language=ar

اقتباسات  Quote’s 

Every individual matters. Every individual has a role to play. Every individual makes a difference.

Only if we understand, will we care. Only if we care, will we help. Only if we help shall all be saved.

The least I can do is speak out for those who cannot speak for themselves.

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .