الإنفجار

متوكل

      هنا كانت جنة حقيقية قبل الحدث الكبير الذي ضرب قبل أعوام طويلة، في السابق سادت القرية نفحات هادئة مرتبة تكتنفها لمسة من حركة منتظمة حفظتها الأزقة عن ظهر قلب. حركة متكررة بلا تغير دون انقطاع، كبندول ساعة قديمة تنتج طاقة تشغيلها من تأرجح بندولها، أولئك الغرباء عن المكان سموها “رتابة”، بينما كان للسكان رأي آخر؛ إذ يجدونها دليل التزام يفاخرون به، ودرجة من انضباط يرجعونها بحماس إلى أن جميع القاطنين في القرية ينتمون إلى مؤسسات تبرع في تعليم الالتزام، فهم أما جنود في قوات حكومية أو أنهم جنود سابقين فيها وأفراد حاليين في مليشيا يطلقون عليها لقب “قوات صديقة”، شمل الانضباط الجميع بمن في ذلك أطفال القرية الكثر الذين يصعب عدهم، فقد كانوا مثال للالتزام بدورهم، مع أنهم مزعجون لا يكفون لحظة عن الانغماس في العاب خطيرة بنهم لا يشبعه غياب الشمس طوال أيام العام، ولأنهم جميعاً بمختلف أعمارهم لا يذهبون إلى المدرسة فاللهو حيلتهم لتبديد الوقت، وعن لماذا لا ينتسبون إلى النظام الدراسي فهذا ما لا يعرف أي أحد أجابته، لكن واحد من الصبية لقبه “الزعيم” في ثورة غضب قدم ما قد يكون مدخلاً لفهم الوضع، ثار في وجه صبي من الحي المجاور واضحة فيه علامات الثراء حين سخر الطفل من الزعيم وصحبه متسائلاً:

      – أنتم أيها القذرون، لماذا لا تذهبون إلى المدرسة بدلاً من اللهو طوال الوقت؟ انصرفوا إلى هناك علكم تكفون عن سرقتنا!

      كان الرد جاهزاً، قريباً عند حافة لسان “الزعيم” كأنه ينتظر مثل هذه الإهانة ليبصق فيض شتائم أرقته طويلاً، خرجت من بين شفاه المرتجفة بغضب، رد بحزم عسكري متوارث جيل عقب جيل:

     – اذهب أنت وأدرس جيداً، فحين أصبح رئيساً سأنفذ بحقك حكم الإعدام”!

      لأطفال القرية قدرة كبيرة على إلقاء نظرة ثاقبة على ماضي البلاد وحاضرها، ومن ثم استخلاص صورة عن المستقبل.

      عيونهم تستمد الرؤية من حكايا الآباء، قصصهم وحكايات تجارب حروبهم الطويلة ذاكرة تنصب في أذهان الصغار تخلق رؤية خاصة يهم للحياة، الحكايات التي تخرج من أفواه الجند ممتزجة بأبخرة الكحول بينما هم متحلقين في دوائر كثيرة حول آنية ممتلئة بخمر محلي سيء الصنع في مساءات صيفية حارقة، كان الواحد منهم يرى اطفاله شهرين أو أقل بقليل من العام، في حين يقضي بقية الوقت في ساحات قتال تنتشر بسرعة وتتوسع أكثر في كل يوم لتصل ركن جديد في البلاد، الحرب تنتشر كنار تعمل ألسنة حادة في قلب غابة متيبسة الأشجار، تأخذهم ميادين المعارك وحين يرجعون يراهم صغارهن من بعيد يجلسون في حلقات تدور فيها حكايات بطولات باذخة، تتخللها همسات مصحوبة بضحكات ماجنة لا يتمكن الصبية من التقاطها، يقتربون من الدوائر مطرقين السمع، يهشهم الآباء كما يطردون الذباب المحلق حول مشروباتهم، ينزوي الصغار وقلوبهم تحمصها الضحكات الصاخبة؟

      يعود الجنود متعبين من معارك كلا طرفيها خاسرين، ليس فيها منتصر، معارك لها نتائج عادلة لكنه الجانب المظلم الموجع من كلمة “عادل”، فالمهزوم في جميع الأحوال هن أمهات الموتى! يرجع الجند آذانهم معطوبة من كثرة ما ضربت طبولها أصوات دوي الانفجارات، وبعيون متورمة دامية، أقدام متشققة حنطتها بعناية أحذية عسكرية تكاد تكون عضو من أجسادهم لا تخلع إلا عند ضرورة ملحة، يصلون بقلوب تتحرق شوق لنساء قد لا يكنون لهن الحب، بل ويمقتوهن أحياناً! تعتري أدمغتهم موجات من شبق معتق ظل يتجمع لوقت ليس بالقصير، يجيئون دون أن يجدون الوقت للبقاء مع أطفالهم فيقضون الصباح وأطراف النهار يغطون في نوم عميق، ومساءاتهم تخصص لدوائر الأنس التي يفاخر فيها كل بشجاعته في الحرب، وفي الليل أمر مختلف “الرقص”، ليالي القرية الحارقة تالفة الهواء يبددونها محاولين إطفاء نار مستعرة في الأذهان بل الأجساد، تهدئة شبق ما يلبس أن يتعتق بغروب شمس اليوم التالي، هكذا كانوا ينشغلون عن أطفالهم ساعين إلى صناعة أطفال جدد، لتمتلئ شوارع القرية بعد عام بأشقياء جدد نزقون، كل واحد منهم مستعد لأن يصبح رئيساً للبلاد متى ما خلا الشارع بين القيادة العامة والإذاعة من الزحام!

     الانضباط الذي يغطي سماء القرية لم يحجب شيء من حزن يطفر من الوجوه، لم يغطي شتائم متبادلة بين الجميع باتت معتادة حتى عند مخاطبة الصغار لكبار القرية، هذا لو تجاوزنا بعض عيوب طفيفة تطل برأسها بين الفينة والأخرى، لكن أكثر عيوب المكان رسوخاً هي مقالب الأوساخ المنتشرة بكثافة حتى أصبحت القرية جزيرة صغيرة تغرق في بحر هادر من أوساخ تحيط بها من جميع الجهات، تهدد بابتلاعها يوم عقب يوم، مكبات النفايات تلال تعانق اسوار البيوت في مشهد حميم كموجات تغازل أصابع الشاطئ تتكسر عندها، الساحات كالحة تتنفس بصعوبة مريض يؤرقه تليف الرئة، أجساد مترنحة تعبر الشوارع جيئة وذهاباً في وجل، عيون تحرث الأرض تبحث عن ما لا تعرف كنهه، رؤوس الناس تثقلها هموم عصى حملها على الأكتاف، يسكنها خوف مبهم وقلق متنامي على الدوام.

     مللنا من اللعب بأسلحتنا الصغيرة التي نصنعها بأنفسنا وتأخذ من وقتنا الكثير، أعجبتنا تلك الأسلحة البلاستيكية ـ كمثل التي يمتلكها أطفال الحي المجاورـ كانت تطلق كرات صغيرة شبيهة بالرصاص، من هنا بدأنا نفكر في حيلة لكسب بعض المال لشراء أشياء مماثلة ـ فنحن في حالة حرب مع أولئك الأطفال السمان؟ ـ همنا على وجوهنا نبحث عن عمل، بددنا أسبوع كامل نجوب المحال التجارية نستجدي أي فرصة، طرقنا أبواب كل المهن دون جدوى، ليس لأن أصحاب هذه المهن لا يقبلون تخديم الصغار بل لأنهم كانوا يبحثون عن صبيان يريدون الاستمرار في العمل، واكتساب المهنة، حفظ تفاصيلها جيداً والقيام بعادات ممتهنيها، سلك مسالكهم من أنشطة يومية.

     أبواب السماء يطرقها الخريف إثر ذلك يتسرب هدوء حذر مؤقت ومربك في الوقت نفسه، فالسكينة في أرض المعارك تصحبها تحضيرات مجنونة في مستودعات الذخائر، يتوقف الاقتتال دون أن يعني ذلك تحقق حلم ميلاد سلام طالما انتظرنه أمهات الجند بقلة صبر، وأفئدة وجلة شاخت من التضرع والدعوات بأن يعود إليهن الأبناء أحياء، يتبادلون عناق حار بعمق دون يهم أن عادوا بأطراف ناقصة مبتورة أو مجانين ما يشغل أمهات الجند طوال الوقت أن يظل الأبن حياً وما سوى ذلك مقدور عليه!

      تتجمع سحب داكنة مثقلة بالمياه تكسو سماء البلاد ما يكون إعلان يبشر باقتراب موعد حضور الآباء ـ الجنود المخلصون لقادتهم على الدوام ـ بوصولهم يكتسب الحي حركة أكثر انتظام من ذي قبل، فها هم الأطفال المتسخين على الدوام لامعون من كثرة ما دلكتهم أمهاتهم بزيوت عطرة منزلية التحضير، أقدامهم الدامية الحافية التي جابت أغلب شهور العام تجوب شوارع الله الواسعة بلا هدف هدأت بأمر من أباء صارمين، مع فصل الخريف يركن الأولاد الأشقياء داخل منازل ذويهم في هدوء مؤقت وحذر، عيونهم الصغيرة تلمع في مكر وترغب كحال معارك آبائهم ـ العائدون ـ تلك التي لا تخمد إلا لتنشط مرة أخرى بشكل أكثر جنون.

      في هذا الوقت من السنة تتصاعد أعمدة من دخان قاعدتها منازل الجنود العائدين، أعمدة تلامس عنان السماء كما لو كانت تمنع سقوطها بعد أن صدعتها انفجارات مدافع حصدت أرواح كثيرة، أبخرة من دخان شعائري مقدس، طقس يثيره مقدم جنود شبقون، ونساء أكثر شوق يتشاغلن عن قلوب جففها الغياب باختلاق حوارات مع أزواج غائبون اقتربت ساعة عودتهم، جمل عطوف مضمخة كل كلمة فيها بحنان باذخ، حوارات يعلمن يقيناً أنه ليس لها مكان في مفردات أولئك العائدون مؤقتاً وأذهانهم خالية إلا من توجس، أوضح فكرة تدور داخلهاهي “صناعة أطفال جدد” يعبون أرحام زوجاتهم بأجنة تشغلهن إلى أن يحين وقت اللقاء التالي في عام مقبل أو بعد عامين.

     البؤس حالة ملازمة للجميع، لكن النساء هن الأكثر وجع، فأمهات الجنود فقدن قدرة الشعور بشيء عدا الفراغ الذي يتخلق من أصوات الأحذية العسكرية الصارمة التي يمتطيها أولادهن ساعة الرحيل، حناجر أمهات الأطفال الكثر شققها صياح متواصل في آذان أولاد لا يقومون بغير تمثيل معارك تدمي قلوب جداتهن، تولد في أجساد الأمهات قشعريرة لئيمة، تزيد اشتعال نيران متقدة منذ الأزل ـ أي مذ عرفت البلاد الحرب ـ ولأن لكل شيء مهما طال حدود فإن للغياب العريض أيضاً نهاية ـ أقول نهاية مع أنها مؤقتة حذرة ـ لكنها أفضل من لا شيء!

       كان اليأس من أن نجد فرصة عمل تمكننا من شراء أسلحة بلاستيكية قد تملك قلوبنا، خاصة مع اقتراب موعد قدوم ابائنا قدومهم الذي يشبه سجن كبير، غير مرئي، قاسي وشاق نقبع فيه طوال شهرين تزحف مشلولة ببطء، نحس بذلك ليس لعدم حبنا لآبائنا بالطبع، كنا نحبهم، وعندما يرحلون نفتقدهم بشكل عميق، خاصة وأننا نحب قصصهم عن المعارك التي خاضوها ودمروا فيها الأعداء “أعداء الأمة” هكذا حفظناها من كثرة ما رددوها دون أن نعرف ماذا تعني كلمة “أمة” هذه؟

      ما لا نحبه في حضورهم تلك التعليمات الصادرة منهم أضافة لتلك المتكررة من الامهات، دون تفسير يفرض علينا النوم بعد مغيب الشمس مباشرة، نمنع من الوصول إلى أماكن في المنزل طالما كنا نختبئ فيها ونحن نلعب، وفي النهارات التي اعتدنا تبديدها بالصياح ونحن نمثل المعارك يصبح محرم علينا فيها مجرد الحديث بصوت مرتفع ناهيك عن “خوض معركة” بحجة أن الآباء متعبون، يحتاجون قدر من النوم للراحة.

      بحركة منتظمة ينشغل سكان القرية كل بما يعنيه فقط، ما يمثل قيمة في ميزان نظرته للأشياء، فالجنود العائدون يبذلون ما باستطاعتهم لتخصيب أرحام زوجاتهم بأطفال يحولون دون حدوث خيانات متوقعة عند الغياب لمعارك وشيكة، الزوجات يجلسن ساعات طوال على حفر تحترق داخلها أعواد أشجار عطرية، يحمصن أفخاذهن لتقديمها لأزواج على أهبة الاستعداد للرحيل في أي وقت، غياب قد ينتهي بشكل حذر ومؤقت أو قد يطول ويؤجل اللقاء إلى الأبد حال أبتلع ثقب الحرب أحدهم، يجلسن على النار بوجوه تفصدها قطرات العرق غارقات في النشيج مدندنات أغنيات وأناشيد حزينة تلعن الغياب، والحرب. الأطفال ليس يعنيهم شيء غير محاولة إيجاد ما يعينهم على شراء أسلحة بلاستيكية صغيرة تطلق الخرز.

      “وجدتها؟” صاح أحد الصبية ثم أوضح لبقية الأطفال ما يقصد. وافقنا جميعاً، وعلى الفور شرعنا في تنفيذ خطة “الزعيم” القاضية بأن نخرج مساءاً للبحث عن قطع المعادن في مكبات النفايات الكثيرة التي تحتضن الحي بحميمية، مستغلين انشغال الآباء بسرد قصصهم وهم يشربون خمر مصنوع من مواد تالفة، وقتها تكون الأمهات منشغلات بالتزين وممارسة شعائر غريبة لانفهم مغزاها ولا يمارسنها إلا في عين التوقيت من كل عام حين يصل آبائنا القرية.

      أسبوع من عمل منتظم ودؤوب تجمعت على إثره أكوام من معادن مختلفة داخل منزل آمن، بيت أحد الصبية دون أن يلحظ أحد ما يقوم به الأولاد، فوالد الصبي لم يأتي مع القادمين، روى أحدهم قصة موته، فأكد أنه مات بشجاعة ممسكاً بمدفعه الألي، وأردف قائلاً: “وضعته بيدي هاتين داخل القبر، وحين أهلت عليه التراب فاحت من القبر ريح المسك!” ثم رفرفت عيني الرجل برعشة آلية ودخل في النشيج وقتها بكى معه جميع الحضور في بيت العزاء وانفضوا سعداء فأحد أبناء القرية يجوب الجنة الآن تنبعه سحابة أين ما ذهب!

      قررنا التوجه إلي السوق لبيع ما جمعناه حسب ما جاء بالخطة، اتفقنا أن موعد اللقاء الغد، بل كان أمر أصدره الزعيم صاحب الفكرة، والذي نصب نفسه زعيماً للمجموعة ووافقنا عليه دون كلمة، ودائماً ما يشغل دور القائد عندما نعيد تمثيل ما نسمع من قصص الحرب مباشرة من أفواه الآباء العائدون بصورة مؤقتة؟

      تجمع الصبية عند النقطة المحددة نهاراً مستفيدين من غرق الآباء في بحر نوم ما بعد الظهيرة، وانقطاع الأمهات بالتحضير لليلة أخيرة مشبعة بتأوهات لذة، تتبعها ليالي كثيرة باردة تشقق جدران قلوبهن الراكضة الآن جراء حرارة الحفر المحترقة التي يجلسن على فوهاتها، لكن الزعيم لم يكن هناك؟ سألوا بعضهم بعضاً عنه وقبل أن يجيب أحد ينسل الزعيم كما لو خرج من العدم، من يظهر يحمل حقيبة عسكرية ثقلها يجبره على السير بتمايل، وضعها أمامهم وسط دهشة اعتلت وجوههم دون أن يفهموا شيئاً.

      فتح الحقيبة وأخبرنا بأنه قد عثر شيء ثمين سيحقق ثمن ما نريد من أسلحة صغيرة، قال بحسم: “سنشتري ملابس عسكرية، وأشياء كثيرة وسنتوجه إلى الإذاعة!”

      كان داخل الحقيبة كرات كثيرة معدنية خضرا، طبقتها الخارجية خشنة بانحناءات منتظمة تشبه ثمار الأناناس تماماً لكنها كانت أصغر حجماً، التفت الزعيم إليهم بعد برهة من صمت مكسو بالترقب، ثم أصدر إلى بقية الأطفال أمراً بأن يحطموا الكرات المعدنية حتى يصعب على تجار المعادن التعرف عليها ويسهل بيعها. وبصوت غاضب خاطبنا قائلاً: “اسرعوا”

      زلزلة عنيفة تضرب أركان القرية، يرتد صداها مخترقاً الأزقة الضيقة ، الآباء المستعدين للرحيل ما أن تصلهم أوامر قادتهم نهضوا من أسرتهم في هلع فهم يحفظون هذا الصوت ويعرفونه أكثر من معرفة أولادهم الكثر، مباشرة توجهه والد الزعيم ناحية خزانته، تفل في وجه زوجته السباب قبل الانضمام إلي بقية السكان المهرولين صوب ساحة القرية حيث مصدر الصوت، ركضت النسوة في خوف وكل واحدة منهن تصيح باسم أبنائها، كن يمنين أنفسهن بأن يكون الأمر مجرد مشاجرة كتلك المعهود المنتظمة، متكررة الحدوث ما أن يعود رجال القرية، أولئك الجنود المجانين الحمقى، إذ يباهي كل منهم بقوة وحدته العسكرية، ودائماً ما ينتهي الأمر بشجار تنطلق معه أصوات الرصاص.

     ساحة القرية تعج بغبار يتصاعد في جنون يحجب الرؤية، حين وصل الأهالي كانت السماء تعبق بشميم شواء طازج، انقشع الغبار بتمايل يشبه حركة انفتاح ستارة مسرح مهجور، من تحته انكشفت ثمانية وثمانون جثة ممزقة بشكل مريع، أشلاء محترقة، بقايا معفرة بتراب محترق امتزج بدم ساخن ما زال يقطر ببطء مقيت، ولولت النسوة في جزع، جفلن وهن غير قادرات على تصديق أعينهن، وقف الآباء بأذهان مشوشة، الجنود الشجعان المتأهبين للرحيل وقفوا لا يلون على شيء رغم اعتياد قلوبهم على مناظر الأجساد الممزقة التي تنسفها القنابل، لكنها أول مرة يرى فيها أحدهم جسد طفله منصهر محترق، متحداً مع التراب.

     الآباء، ممتهنوا الغياب أو الحضور المؤقت، أصابهم الشلل التام، عجزوا عن إبداء أي حركة، أو القيام بأي فعل ووسط ولولة النسوة الأمهات بقلوب منفطرة تزداد تشققات جدرانها اتساعاً، بدأت أرواح الأطفال تتخذ شكلاً جديداً، نبتت فيها أجنحة شفافة، في لمح البصر اكتست أرياش ناعمة زاهية، تجمعت معاً وبحركة منتظمة منضبطة ضربت بأجنحتها في الهواء، حلقت في سرب واحد مبتعدة عن ولولة النسوة، عجز الرجال “الجند المتأهبين للرحيل”، طارت مبتعدة عن القرية الغارقة في بحر من العفونة، طفت من جنباتها الأوساخ. المتدفقة من مكبات نفايات تحضنها بحميمة نهر يلف جزيرة.

عن متوكل الدومة

mm
قاص من السودان