الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : ” حكاية من يحتاج حكاية ” الشعر الارتري المعاصر

ترجمات خاصة : ” حكاية من يحتاج حكاية ” الشعر الارتري المعاصر

cover_preview

* جزء من الفصل الأول في كتاب الحرب والسلم في الشعر الإرتري المعاصر، تشارلز كانتابلو

لقراءة المادة الأصلية بالانجليزية إضغط ( هنا )

كان الشعر الإرتيري باستثناء البعض منه غير مسموع في عالم الأدب الحديث حتى بدأت بعض قصائد الشعراء الإرتريين المعاصرة بالبروز مطلع القرن الواحد والعشرين في صحف أدبية عريقة أمثال : اكسكيسيت كوربس ، لفت كيرف ، درنكين بوت، وورد وذاوت بوردرز،تو لاينز،وور ليترتشر آند آرت، مودرن بويتري ان ترانسليشين، راتّابلكس وغيرها الكثير بل وحتى النيويورك تايمز والسي إن إن. 

بملاحظة هذا الاهتمام الحرج المتزايد استغل الناشر حدري في أسمرة في إرتيريا المصادر الشحيحية لنشر كتاب (من يحتاج حكاية؟ الشعر الإرتيري المعاصر بالتيجرينية،التِجيرية و العربية) سنة 2005.

كان كتاب (من يحتاج حكاية) فريدًا، الأول من نوعه في عالم كانت الأنطولوجيات الشعرية للشعر الأمريكي المعاصر، الشعر الإيرلندي، الشعر الفرنسي، الشعر الإيطالي، الشعر البريطاني، و شعر معظم الأمم المتقدمة وافرًا و غزيرًا. وكالعديد من الشعراء الذين يكتبون باللغات الإفريقية لم يكن الإرتيريون الذين يكتبون بلغتهم الخاصة أو يترجمون أعمالهم لتوجد أعمالهم على رفوف مكتبات العالم ومتاجر الكتب. لكن الشعراء الإرتريين المعاصرين الآن في طريقهم ليُعرفوا و يشتهروا و تستمتع أفريقيا والعالم بشعرهم كما حقق ذلك غيرهم من الشعراء من الدول الأخرى ولكنه تقدير واهتمام عالمي متأخر جدًا  فعلى سبيل المثال: الطريقة التي قُرأ بها شعراء أوروبا الشرقيين المعاصرين لأول مرة و بجمهور عريض في السبعينيات أو شعراء أمريكا الجنوبية في الستينيات و من غير التأثير غير القابل للتصور الذي عاشه هؤلاء الشعراء المعاصرون في الإنجليزية وغيرها من اللغات لكونهم يكشفون ويعبرون عن شعور و إحساس لم يكن مُلاحظ قبلهم.

بالرغم من كل ذلك فإن نشر من يحتاج حكاية هو حكاية بحد ذاته. كيف كانت بداية نشر أول أنطولوجيا شعرية للشعر الإرتيري المعاصر المترجمة؟

سنة 2002 دعاني مدير دار حدري للنشر زيمهريت يوحانّيس إلى إرتريا للبحث في إمكانية ترجمة وتعديل أحد الأنطولوجيات الشعرية المعاصرة. وكنت سابقًا قد نشرت كتابين مترجمين عن التيجرينية لشاعر معاصر هو ريسوم هالي وهما: نحن نملك صوتنا الخاص (المنشور سنة 200) و نحن من اخترعنا العجلة (المنشور سنة 2002)، وكان للكتابين أصداء واهتمام جيد. وقد أحس زيمهريت يوحانيس أن العديد من الشعراء الإرتيرين يستحقون اهتمامًا مماثلًا، وبعد مقابلة العديد من الشعراء و مؤسس ورئيس قسم اللغات الإرترية والأدب في جامعة أسمرة تبين لي أن يوحانّيس كان على حق.

في سنة 2003 تُرجمت أكثر من ست قصائد من التيجرينية والتِجرية والعربية و طورت في أسمرة لتحسين جودتها و إمكانية فهمها لتحديد القابلية الحقيقية لتنفيذ المشروع، و عرض الشعراء شريحة كبيرة من المجتمع الإرتري تضمن الرجال والنساء الذين عرفوهم في عمر الثامنة عشر و في عمر العشرين، وكذلك علماء،كُتاب محترفون،صحفيون،علماء اجتماع،نشطاء ثقافيون،معلمون،ممثلون، مديرو مسرح ومؤدون. بالإضافة إلى ذلك فإن معظم هؤلاء الشعراء هم ممن شارك في الصراع الإرتري لنيل الاستقلال كمقاتلين أحرار و أو كداعمين في الشتات الإرتري.

كان راحيل أسجيدوم و نازريث أمليسوم – وكلاهما مُحاضرًا في قسم اللغة الإنجليزية في جامعة أسمرة- من أوائل من ترجم النصف الأول من القصائد الذي يضم أربعين قصيدة بالتيجرينية والتي يجب أن تكون في القائمة لُتضمن في الكتاب،أما الجزء التِجري من القصائد فقد كتب مسودتها الأولى أديم صالح وهو صحفي تلفزيوني إرتري ووكاتب عمود صحفي في جريدة حادّاس إرتريا وطالب متقدم في اللغة الإنجليزية في جامعة أسمرة. وكان غيرامي نيجاش هو المنسق والمشرف على النسخة الأولى من الترجمة من التيجرينية والتِجرية، كما ترجم النصف الثاني من القصائد بالتيجرينة و قرأ كل الترجمات وأعاد تصحيحها وتعديلها لأجل الدقة والسهولة في القراءة، ويمكن أن أقول بأنه كان المحرر والمترجم المساعد معي.

أما الصحفي القدير والمحترم في الأوساط سعيد عبدالله والذي قابلته أيضًا أول مرة سنة 2002 لنناقش احتمالية صدور الكتاب وإمكانيته قد قَبل أن يأخذ على عاتقه تنسيق ترجمة القصائد العربية؛ و لأن وجود القصائد العربية في الكتاب كان محورًا أساسيًا منذ البداية أُرسلت القصائد إلى مكتب مِكي للترجمة والطباعة وهو مكتب عالمي للترجمة في بيروت،لبنان،الذي زودنا بالمسودة الأولى من الترجمة إلى الإنجليزية.

وباستلامي لجميع المسودات الأولى للترجمات من جميع الأطراف بنهاية سنة 2003 بدأت العمل على المسودة الثانية منهم،ساعيًا للدقة والحرفية اللغوية وقارئًا ومحررًا للنصوص كشاعر الإنجليزية هي لغته الأم و ناقد أدبي و عالم أنتجت مخطوطة كاملة للكتاب والتي أعدت إرسالها إلى غيرامي ليقرأها ويترك ملاحظاته عليها.في نهاية صيف سنة 2004 تقابلنا أنا وغيرامي في الولايات المتحدة للعمل على المرحلة الأخيرة من المشروع،و بناءً على ملاحظاته على القصائد بدأنا الانخراط في حوار حاد ولكنه لطيف وممتع عن القصائد بالتيجرينية،كما أننا دمجنا كذلك استشارتنا لسعيد عبداللهاي وموسى آرون -اللذان كانت معرفتهما و تعلقياتهما ذات البصيرة على العربية والتِجيرية محل اهتمام- بالإضافة إلى ترجماتهما أدت جميعها إلى عملية تعاون أدبي مُفرحة للجميع وعلى مستوى من التحدي. متسلحًا بإرشادات وتصويبات غيرامي كتبت بعد ذلك النسخة الأخيرة من الكتاب.

كانت واحدة من أصعب القرارت التي تناقشنا بخصوصها أنا وغيرامي هي من يُفترض به أن يكون جزء من هذا الكتاب،فالنسخة الأخيرة من الكتاب تطلبت أن يُقلص عدد القصائد والشعراء الذين عملنا لتضمنيهم في البداية،حيث كانت رغبتنا أن نضيف المزيد من الشعراء والمزيد من قصائدهم في مساحة أكبر من تلك التي كانت متاحة لنا – معضلة العديد من الأنطلوجيات. ومن المؤكد أن رغبتنا كانت أن نعرض أفضل و أكثر الشعراء تمثيلًا للشعر الإرتري المعاصر،كما أن عددًا من القصائد التي استثنيناها كانت مشابهة لأعمال هؤلاء الشعراء،كما أننا استثنينا تلك القصائد التي بدت في ترجمتها عويصة أو مبهمة بالرغم من أنها لربما كانت رائعة في لغتها الأصل.

قرار صعب آخر كان يجب اتخاذه و هو عما إذا كانت القصائد المضمنة في الكتاب هي فقط المكتوبة وليس الشعر الإرتري المحكي (الشفوي) الذي له تاريخ طويل وتراث عريق ما زال يتمتع بأهمية كبيرة في إرتريا، وكان يمكن لاعتراض على هذا القرار الحاسم أن يحل الأمر ببساطة. أتذكر جدالنا حول هذا الأمر،كما أن أهمية قرار كهذا تجعلني أتذكر تلك البقعة تحديدًا في أسمرة، الدوران حول زاوية شارع تيجرديلتي ولمعان المبنى عند اتخاذنا للقرار النهائي بتضمين الشعر المكتوب فقط، في نفس الوقت عزمنا بثبات على أن عمق وجودة و امتداد الشعر المحك تبرر وجود مشروع ترجمة منفصل له. أخيرًا تنبأنا بخريطة للمجموع الوراثي الشفهي الإرتري لتضمين اللغات الإرترية وكذلك أبعادها الأدبية و إنجازاتها محاولين ببضع خطوات بنشر (كتاب من يحتاج حكاية) أن نخطوا إلى تلك المحاولة.

اتسعت حكاية (من يحتاج حكاية) لتصل إلى احتفال أدبي أقيم في أسمرة في شهر يناير من سنة 200: ” في وجه كل الشبهات: يدخل الأدب واللغة الإفريقية القرن الواحد والعشرين”. لمدة سبعة أيام اجتمع الدول،الجامعات،الشركات،الناشرون،الكُتاب،العلماء،الفنانون،الطلاب وحتى الأطفال مكونين حشودًا في الطرقات التي وجدت منذ قرون ومنذ حضارات مختلفة ليعترضوا اعتراضًا يعد تاريخيًا منذ أو اجتماع أفريقي في سنة 1900.

كان أهم مخرجات “في وجه كل الشبهات” هو “إعلان أسمرة عن اللغة و الأدب الإفريقي” الذي ساهم في صياغته كاسّان شيكول،مبوليلو مزمان،نوال السعدواي، نجوجي وا ثينقو، زيمهريت يوحناس وأنا أيضًا،و أبرمه هذا الجمع نفسه في السابع عشر من يناير من سنة 200،و منذ ذلك الوقت تُرجمت تلك الوثيقة إلى عددٍ كبيرٍ من اللغات الإفريقية وكذلك لغات العالم أجمع .

إن كتاب (من يحتاج حكاية) هو إحدى ثمرات أهم النقاط التي تناولها إعلان أسمرة التاريخي، فعلى بيل المثال: ” يحتفل الكتاب بحيوية اللغات الإفريقية والأدب وتحديدًا اللغات التيجرينية والتِجرية والعربية في الأدب الإرتري المعاصر، ويؤكد على إمكانتيها”، بالإضافة إلى ذلك فإن الكتاب يظهر وبكل فخر أنه وبالرغم من كل الشبهات التي تحوم حولها فإن اللغات الإفريقية في إرتريا  -التيجريانية والتِجرية والعربية و هذه الثلاثة منها- “بصفتها طريقةً للتواصل وناقلًا للمعرفة نجت و لها محتوى مكتوب منذ آلاف السنوات” بالعودة مرة أخرى إلى التفويضات التي تضمنها إعلان أسمرة فإن القصائد التِجرية والتيجريانية والعربية التي تضمنها كتاب (من يحتاج حكاية) “أخذت على عاتقه واجب ومسؤولية وتحدي تمثيل إرتريا والحديث بصوتها بل وأكثر بالتضامن وتقبل الآخرين من كل المناطق والأقطار الذي يفعلون الشيء نفسه مع لغتهم وأدبهم. كذلك وفي لغة إعلان أسمرة: “الحيوية والمساوة التي تتمتع بها اللغات الإرترية و الشعر الإرتري الذي يجب أن يعامل كقواعاد مستقبلية لتمكين شعب إرتريا”، ” كما يعكس أيضًا تنوع اللغات الإرترية الثراء الثقافي التراثي الإرتري و هو وسيلة وأداة لتحقيق وحدة إرتريا. في الواقع ووفقًا لكلمات الإعلان:” فإن أي حوار يتناول اللغات الإرترية هو حوار أساسي، كما يجب أن تكون هذه اللغات هي أداة الترجمة في التواصل المتقدم”. ومرة أخرى واتباعًا للإعلان فإن الكتاب سيروج “لتناول اللغات الإرترية في البحث كوسيلة حيوية لتقدمهم”. إن القصائد التي تضمنها الكتاب مكتوبة بروح تعزيز ما هو جوهري للنهضة الإفريقية”. وكمخرج مباشر للإعلان فإن الكتاب يقدم ويمثل نموذج بدئي للكتب التي تتضمن شعرًا باللغات الإفريقية لينشر في أجزاء أخرى من أفريقيا والعالم. باختصار يمثل إعلان أسمرة النظرية ويمثل الكتاب تطبيقها.

تبدأ تجربتي في إرتريا خمس سنوات قبل “احتفالية في وجه كل الشبهات”. عندما زرت أسمرة عاصمة إرتريا أول مرة في مطلع صيف سنة 1995 رأيت شعبًا جديدًا يعيش في سلام و يعملون/في حركة – بوجود نساء مقاتلات يخدمن الحكومة، وأطفال يتعلمون بلغاتهم الأم،رأيت عملية بذر وزرع للدستور قاربت على نضح ثمارها و أكثر من ذلك- يطور من نفسه متسلحًا بالثقة،والمتعة والعمل الجاد المتزايد. كان هذا كله بعد أربع سنوات من الانتصار الإرتري “في وجه كل الشبهات” – بما في ذلك التغلب على معارضة كل من الأمم المتحدة والاتحاد السوفيتي- في السنة الثالثة من الحرب الوحشية التي خاضتها البلاد لنيل استقلالها. بالرغم من ذلك في سنة 1995 جسدت إرتريا رؤية سياسية و اجتماعية متنورة كانت بالايعاز من نصوص كُتاب أفريقيا العظماء أمثال: – تشينو أكيبي،نجوجي وا ثينجو،تسيجاي،غابر ميدهين،نوال السعدواي، وول سوينكا- الذين كانت بلادهم هم قد أهملت معظم أجزاء نصوصهم مفضلةً عليها الاستعمار الجديد الذي كان بلا رؤية ولا تنوير. كان إنجاز إرتريا باختصار “في وجه كل الشبهات”، ولكنه أيضًا مهتم بالمشكلات السياسية والاجتماعية في القرن العشرين في إفريقيا، وكان نفس التعبير ” في وجه كل الشبهات” الطريقة الأمثل والأفضل لوصف معانا هؤلاء الكُتاب و العديد غيرهم من المعاصرين الإفريقين في الأدب ودراسته.

مع ذلك فإن حكاية (من يحتاج حكاية) تُعد ناقصة من غير الأخذ أيضًا بعين الاعتبار الوسائل العملية للانتاج الثقافي خلف كتاب كهذا. كنت أعلم بشكل بسيط عندما بدأت العمل على (من يحتاج حكاية) أن التجربة ستصبح يومًا ما شكلها الخاص من “في وجه كل الشبهات”، كما أنها ستبدو كما لو انها تعكس كلمات عنوان كتاب الثاني المترجم مع ريّسوم حايل “نحن من اخترعنا العجلة”. إن نشر كتاب في أي قطر من أقطار العالم يرافقه مشاكل عديدة في التحرير،الجدولة،الطباعة،التأخير المستفز و غيرها الكثير، فعلى سبيل المثال: كان يجب علي أن أشتكي من أن نشر الكتاب في أسمرة احتاج وقتًا طويلًا أطول مما كان يجب علي أن أطيقه حال نشر كتبي في الولايات المتحدة. و مرة أخرى بقي كتاب المؤلف الإفريقي الأكثر شهرة نجوجي وا ثوينجو غير منشور عند معظم الناشرين الأمريكين بعد أكثر من أربع سنوات ! ومع ذلك احتاج “العجلة” حتى يُنشر بشكل كتاب يضم قصائد ذو جودة عالية بأربع لغات -اثنتان محلية والأخرى عالمية- ثلاثة أشكال من الخطوط والتي تطلبت تنسيقًا مختلفًا وتقنية جديدة لم تعرف قبل (من يحتاج حكاية) الذي خرج أخيرًا من المطابع في الولايات المتحدة.

عادةً ما تكون عملية الكتابة عملية خاصة و بين الفينة والأخرى في الخلوة و كذلك عملية منهجية. أما إنتاج (من يحتاج حكاية) قفقد وظف طاقمًا كبيرًا من العاملين، ففي فترة من فترة العمل امتلك كل واحد و واحدة مخطوطه الخاص – بمعنى نسخ متعددة من نفس القصيدة و نسخ مختلف من تهجئات الكلمات – و كذلك خطها المختلف مما يعني أن جمعها كلها في صفحة واحدة لربما عاث خرابًا بعملية التحرير. أو (كالرسم كذلك الشعر) وهو تعبير شهير من قصيدة هوارس فن الشعر،اجتمعوا جميعًا كنوع من أنواع الاجتماعات في العصر الحديث كما لو أنها ورشة عمل في النهضة الأوروبية. أنتج هذا نوعًا من الفن العام الضخم أو أعمالًا فنية عن الصراع الإرتري بين الحرب والسلم الذي عُبر عنه في الشعر، و بمشاركة مؤلفين اثنين من المؤلفين القدريرين فلم يكتفي العمل بهما بل ضم عدد آخر بما فيهم أعضاء هيئة تدريس و طلاب جامعة أسمرة،صحفين إرترين ولغويين لثلاث لغات، ومركز ترجمة عالمي، وبعض الأشخاص من جبهة الإرتريين للديموقراطية والعدالة،العاملون في مركز الأبحاث والوائق الإرتري، وبالتأكيد الشعراء أنفسهم.

اجتمع عددًا منهم مع مجموعة قراءة في الليلة التي سبقت الاحتفال برأس السنة الإرترية ميسكريم في سبتمبر من سنة 2004 في أشهر مطاعم أسمرة التقليدية جيادايس. وقرأ كل شاعر أو شاعرة قصائده بلغتها الأصلية أمام الجمع الذي كان يجلس حول طاولة طويلة ويشرب سيوا وهو شرب بيرة الشعير الإرتري التقليدي في أقداح من البورسلان المطلي بالمعدن على الطريقة الإرترية التقليدية في إلقاء الشعر المُسمى بـ جي تميتي بالتيجرينة – جي تماي للذكور وجي تاميتي للإناث-، وبعد كل إلقاء أقرأ أنا وغيرامي ترجماتنا بالتناوب.بالرغم من أن هذه الوسيلة للانتاج الأدبي كانت إنجازية و ستعلق في الذاكرة إلا أنها لم تبدو فريدة بالضرورة حتى اللحظة التي تقدم فيها إلي أحد الشعراء الذي كتب بالتيجرينة وقال أن ترجمتنا بالانجليزية اللغة التي يعرفها هو جعلته يشعر لأول مرة في حياته ويفهم رفاقه المقاتلين لأجل الحرية الذين سار معهم في الدرب ونزف دمائه الذين كتبوا بالعربية التي لم يكن يجيدها.

كشف شاعر آخر من أولئك الذين ألقوا قصائدهم تلك الليلة – و هو الشاعر سلمان تسيهاي مؤلف النشيد الوطني الإرتري- جانبُا غريبًا – على الأقل بالنسبة إلي- من الإنتاج الأدبي الإرتري.

سافرنا جميعًا في جولة قرائية سنة 2005 عندما كنتُ في أسمرة أضع اللمسات الأخيرة على مخطوطة الكتاب. توقفنا في مدينة كيرين بالقرب من سوقها الشهير للجمال رغبة منا في شراء بعضِ من فاكهة المانجو الذائعة الصيت كذلك و نحملها معنا إلى أسمرة، كما اشتريت بعض الفلفل الأخضر والطماطم للغذاء، و في اللحظة التي وضعت فيها الحقيبة على ركبتي في السيارة لاحظ سليمان فجأة شيئًا وقال: ” تلك قصيدتي !” وعندما سألته “أين؟” أجاب: ” على الحقيبة” حيث أن ثلاثة مقاطع شعرية مكتوبة بالحروف الجعزية كانت تزين الحقيبة بالرغم من وجود أخطاء في كل سطر التي صححها سليمان بقلم أعطيته إياه بعدما ما طلبت منه أن يصححها. في العقد الثاني من  1800 م هل من الممكن أن يجد فرانسيس سكوت كي مقاطع شعرية من النشيد الوطني الأمريكي ” الراية المتلالائة كنجمة” على ورق تغليف بعض الخضراوات أو السلطعون الذي سيشتريه من محل مزارع بلتيمور؟ منذ مئات السنين تقريبًا المنصرمة في إنجلترا انتهى المطاف بكتاب الشاعر الساخر جوناثان سويفت المهجور كزينة لعلب الفطائر و المافن . ففي كتابه ” أبيات عن موت الدكتور سويفت” (الصادر سنة 1731) والذي كتبه قبل أربعين عامًا من وفاته تخيل الشاعر عندما “يرحل سادة الريف إلى لينتوت” و “الاستفسارات عن سويفت في الشعر والنثر”،كما يقول: “سيدي لربما وجدتهم في دك لان/أرسلتهم مع عددٍ من الكتب/الاثنين الماضي إلى مخبز الحلويات”.

بتنبيه عن القيود الضرورية/الحاسمة التي تتعلق بتطبيق أي أمثلة أو نماذج غربية أو غيرها على ظروف الإفريقية الفريدة لخلق مقارنة بينهم، ما زلتُ أثير هذه الحالات التاريخية في محاولة مني لإدخال اللحظات التي قضيتها مع سليمان في سوق كيرين في السياق ولو في جزء منها وبالعموم في الإنتاج الأدبي الإرتري الذي عايشته.

يقدم الإنتاج الأدبي المعاصر في إرتريا نقاط إضافية للمقارنة بينه وبين تاريخ الولايات المتحدة وإنجلترا المنشور، فمثلًا: بالنسبة للكُتاب والشعراء الأمريكين منذ القرن السابع عشر وحتى على الأقل منتصف القرن الثامن عشر – عصر آن بردستريت،إدوارد تايلور،ماري هاتشينسون،فيليب فرينيو،توماس بين،جويل بارلو- لم يكن هنالك وجود لأي دعم عام للكُتاب سواء عند الناشرين،الجرائد،النُقاد،الكتب الصغيرة،المجلات ما عدا بعض الشوارع في فيلادفيا قبل الثورة فقط،بالمقارنة مع لندن في ذلك العصر. مع ذلك وبالعودة إلى التاريخ الانجليزي أكثر بمئة سنة فإن مقارنة بين إنجلترا الإليزابيثية وبين إرتريا المعاصرة يكشف أن التحول الحاصل في الشعر في كلا الثقافتين وبمعدلات متشابهة في معرفة القراءة والكتابة بحوالي خمسين إلى ستين بالمئة يمكن الوصول إليه وتعريفه بشكل أكبر بالمحكي أكثر منه بالمكتوب.

اجتمعت معدلات المعرفة بالقراءة والكتابة المنخفضة وقلة الاهتمام وقلة الفرص للنشر لتشكل فكرة أن المؤلف بالشكل الذي نعرفه هي فكرة غير قابلة للتصور في إنجلترا حتى التجديد سنة 1660 و مسيرة جون دريدين الأدبية،وكذلك فإن فكرة المؤلف في إرتريا يمكن أن تكون مشوشة وضبابية بنفس الشكل. بالإضافة إلى ذلك فإن ادعاء الكاتب بحقه في الكتابة – هو الآن نوع من اعتراف المؤلف المؤكد بعمله- هي عادة ما تصور وكأنها ليست ضرورة هناك، بل و في تطور جديد في حركة النشر الإرترية يعد ادعاء الكاتب بحقه الكتابي في بعض القطاعات أمرًا غير مرحبٍ به،وصفعة من الأنا ونوعًا من الفردية التي لن يقدر على منحه الصراع المسلح في سنته الثلاثين لنيل الاستقلال.

إن التأمين والضمان الآن هو جوهري،فسطر في النهاية كنوع من كشف هوية الكتاب، ورقم دولي معياري للكتاب، تعرض كلها تحديًا أكبر حتى من حقوق الكتابة في حالة (من يحتاج حكاية). لم يسبق لدار حدري أن نشرت أي كتاب برقم دولي معياري، و كذلك كان وضع الكتب في إرتريا فالقليل منها هو من حظي بهذا الرقم باستثناء عددٍ من العناوين التي نشرتها مطبعة عالم إفريقيا و البحر الأحمر التي لها قواعد أمريكية وكذلك إرتريا، ومعظم الكتب التي تُنشر في إرتريا تبقى فيها مما يجعل الرقم الدولي المعياري للجزء الأكبر منها أمرًا غير ضروري و/ أو في غير محله،فهم لا يطبقون النظام الغربي المُعتمد بتضمين الرقم الدولي المعياري كدلالة حتى يُدرج الكتاب في قواعد البيانات الإلكترونية وغيرها من السجلات المتعلقة بـ “الكتب المطبوعة”، مما يؤدي إلى تمييزها و تمييز مبيعاتها عبر الإنترنت بل وعبر متاجر الكتب محليًا وعالميًا. إذا كان (من يحتاج حكاية) سيُنشر فقط للتدوال في إرتريا فإن الرقم الدولي المعياري لن يكون مطلوبًا. لكن وتحديدًا  لأن الكتاب كان يبحث عن جمهور عالمي وكذلك محلي،كان يجب أن يظهر هذا النوع من الدلالات على غلاف الأنطولجيا، و قد ظهر ياللسعادة بالرغم من أنه لم يظهر بالكثير من خط اليد والاقناع. و هكذا وبرقم دولي معياري (99948-0-088-6)أضاف (من يحتاج حكاية) أيضًا بعدًا تاريخيًا آخر – إلى جانب أنه أول كتاب مختارات شعرية من الشعر الإرتري المعاصر بلغته الأصلية وبترجماته وبلغتين محلية و بلغتين أخرى عالمية- لتاريخ النشر في إرتريا والعالم.

مع ذلك وكما سبقت واقترحت فإن هذه المقارنات التاريخية بين وسائل الإنتاج الأدبي في إرتريا الآن و بين الماضي في أوروبا والولايات المتحدة محدودة و يمكن فقط أن تتسع بهذا الشكل. إذا كنا نتحدث عن تاريخ الأدب المكتوب في إرتريا كما قال نوجي وا ثينجو عن كتاب (من يحتاج حكاية): ” منذ حوالي أربعة آلاف سنة – منذ نصب حجر أساس بيليو كيليو الأثري وحتى أرض معارك الصراع البطولي للإرتريين للاستقلال- وحتى القرن الواحد والعشرين لم يتخلى الشعراء الإرتريين أبدًا عن الكتابة بلغاتهم، و لذلك كان شعرهم يبزغ ويزدهر. وبصراحة فإن التاريخ الأدبي لإرتريا يقزم ويحجم تاريخ انجلترا -وبالطبع- أمريكا أيضًا. علاوة على ذلك الترتيب بين حجر بيليو كيليو بوجود شمس وربع قمر- فإن شخصيات النقوش الممزقة() كما سأترجمها، يمكن ببساطة أن تُعرف كعلامة و دليل سابئية على اللغة الجعزية العتيقة. أرى هذا الحجر كباكورة للأدب الإرتري،الذي صمد وبقي كالأطول والأكثر استمرارية وديمومة في العالم،فالأدب الإرتري و وسائل إنتاجه الثقافي تتدفق من الحجر إلى الخارج حتى تشمل الكتابة العربية والأرثودكسية المسيحية بفعل جرائد الاستعمار الإيطالي المنشورة في أسمرة في وقت تحول القرن، وحتى آلات النسخ التي ضخت الترجمة إلى التيجرينية لأعمال غوركي،ديكنز،برنارد شو،تولستوي -المخبأة في الكهوف وبعيدًا عن طائرات الميغ الخاصة بالعدو التي تحاول تدميرها في المعركة الطويلة الإرترية لأجل الاستقلال- وحتى ( من يحتاج حكاية). من يحتاج حكاية؟ يثير تاريخ الأدب الإرتري المتميز العريق هذا السؤال، ويمكن أن يكون فقط سؤالًا بلاغيًا. وبشكل ساخر فإن هذا النوع من الاتجاه التاريخي ما زال قابل للإنتاج كما قلتُ في بداية الكتاب :كتاب البدايات.

هذا التاريخ الطويل قادني في آخر أحد الأيام من شهر يوليو في أسمرة، في أحد أكثر مواسم الصيف مطرًا التي عرفها الإرتريون. كان يُفترض بـ (من يحتاج حكاية) أن يكون منشورًا قبل تسعة أشهر عند وصل إلى المطبعة، وكنتُ أحتاج إلى طبعة واحدة على الأقل لأجل العرض الذي سأقدمه لاحقًا ذلك اليوم، اتصلتُ بسابور – مؤسسة الطباعة- و أوصلوني إلى المسؤول عن الطباعة، ليخربني أن بإمكاني أن أذهب وسيطبع لي نسخة ، وكانت سابور تقع في منطقة مأهولة نوعًا ما بالسكان تطمح إلى أن تكون أرضًا صناعية خلف الفندق الذي أقيم فيه، و كان يجب علي أن أسير بشكل متعرج بجانب أرض واسعة ممتلئة بالطين الأحمر حتى أتجنب البرك، كما أنها تقع بجوار موقع منظمة اليونسيف المحاطة بالأسلاك الشائكة،والمطوقة بستة أطباق أقمار صناعية ضخمة و ثلاثة أبراج اتصال شاهقة. كما كان المسار إلى بوابة سابور يقود أيضًا إلى معسكر اليونسيف،وفي اللحظة التي ولجت فيها إلى هناك قابلني حارسان ثم أصبحوا أربعة أشهروا أسلحتهم واستعدوا ،وبسبب بركة عميقة اضطررت إلى الالتفاف إلى اليسار بحوالي خمس ياردات بعيدًا عن مدخل اليونسيف إلى بوابة سابور التي يراقبها رجلان كبيران في السن واللذان سرعان ما فتحاها لي بتأرجح مرحبان بي بالإيطالية بتأنٍ.

مع ذلك فإن حكاية (من يحتاج حكاية) و وسائل إنتاجه الأدبي بما في ذلك عثراته لا يمكن حصرها فقط على ما حدث في إرتريا و/ أو تجربة محاولة نشر كتاب في دولة غير متقدمة. احتاج الكتاب إلى موزع وطلب مني الناشر أن أجد واحدًا عند عودتي إلى الولايات المتحدة.

بعد تسعة أشهر من نجاتي من مواجهتي مع الأمم المتحدة جنود “حفظ السلام” الذين كانت أصابعهم على زناد أسلحتهم الموجهة إلي في أسمرة، تلقيت رسالة بالبريد الإلكتروني من أحد الطلاب في أسمرة ليخبرني بأن الكتاب قد نُشر أخيرًا وأن النسخ ظهرت في المدينة، و لم يذكر أين وتساءلت في متاجر الكتب؟ على مكتب الناشر؟ في المطبعة؟ وبعد أسبوع تلقيت نسختين من الكتاب، كانت متينة و واضحة الطباعة وكانت لغاتها الأربعة والخطوط الثلاث المستخدمة مائلة إلى الكمال في شكلها. أما الغلاف الذي صممه الفنان لورانس إف سكايس – نوع من الصور المرسومة بالأخضر – صبي يرتدي كنزة صوفية ويلاحق كرة قدم هائمة فوق كومة من الحصى وتحته ثلاثة أقواس متتابعة متهدمة في مصوع على الساحل الإرتري على البحر الأحمر الذي يتوهج بأناقة بالظلال البرتقالية و المائلة إلى الصفرة، وهناك أمر مساوي الأهمية لكل هذا و هو أن الرقم الدولي المعياري ظهر على الكتاب كما يجب.

مع الأسف لم أنجح في العثور على موزع،والموزوعون المشهورون في الولايات المتحدة الذين جربت التواصل معهم أمثال إنجرام رفضوا ذلك. في النهاية و في محاولات نشر الكتاب تعلمت جانبًا جديدًا من جوانب النشر وذلك و كمؤلف له عددٌ من الكتب السابقة فإنني بالكاد موجود أو حتى مضمون،فأنا على علم بالعملية التي يمر بها الكتاب من ذهن الكاتب وحتى القلم أو الحاسب إلى المخطوط فالناشر إلى التجارب الطباعية فالشكل النهائي للكتاب، و بفهم لكون عرض كتاب/نشره له أهمية وصعوبة بقدر ما لو كان ذاك الكتاب للقراءة، لم أعرف أبدًا مدى حيوية والأهمية العملية لتوزيع كتاب فمن غيره كانت معظم الكتب ستبقى في نفس مدارها، في مكان ميت بدل من أن تصل إلى أيدي القراء لتنتعش وتحيا . بناءً على ذلك شعرت بالحظ و الامتنان المُفرط عندما قبل سمول بريس ديستيربتيشيون توزيع (حكاية من يحتاج حكاية) وهم منظمة أمريكية مختصة بفنون الأدب مرموقة و مشهورة كرست جهودها للنشر البديل والمستقل والمبدع.

 

 

عن عبير حماد

mm
مترجمة من الأردن أقرأ وأتطوع وأُترجم لجعل هذا العالم مكانًا أفضل للعيش .