حلم مختلس

سمؤال

      كل الأحلام التي تبدأ بفتاة جميلة.. تنتهي بثوب متسخ.. أو قلب نظيف.. كل الجميلات اللواتي يسكن الأحلام.. هن راقصات في حانة ابليس.. أو أنفاس من حور جنة الله.. ولأن الجميلة ليست مخولة أن تبوح بسرها.. لم أسأل.. شحذت حواف ذكائي.. وطفقت أتابع نظراتها.. حركاتها.. سكناتها.. حبات العرق على جبينها.. رائحة اللعاب على مبسم سيجارتها.. أطراف أظافر أناملها إذ تطرق ببطء موقع على طاولة المقهى.. أجل.. في البدء كنا جلوساً على طاولة في مقهى بإضاءة معتقة.. ورائحة طفل.. لم تتوقف عن الحديث حينما انتقل المشهد بنعومة وهدوء إلى مدينة غارقة في البحر.. والليل.. وضحكات السكارى.. وأظافرها تشرخ سطح الماء.. تجلس متمردة بسكون مقلق على حافة مركب يتهادى على سطح نهر.. بحر.. محيط.. حسبما قضت دموعها التي كانت تسيل من بين كلماتها.. ابتساماتها الهادئة.. وحبات العرق.. لا أذكر كلمة مما قالت.. التفاصيل دائماً مبهمة بين صفحات الحلم.. الحلم كتاب قديم باهت مصفر الصفحات بغلاف رقيق ممزق.. أذكر فقط كيف امتلأت روحي بالبهجة كلما غرقت في الحكايات والذكرى..  أذكر فقط أنها لم تحوجني إلى أن أفتعل كذبات تترى من بين شفتي كي أحافظ على جلوسها بجواري.. أستزيد من أنسام عطرها وأستضيء بجبينها كما تفعل جميلات الحقيقة.. تركت كل العبء على كاهل شفتيها.. شفتيها المكتنزتين بالصمت والابتسام.. في البدء كانت ثمرة مانجو مهملة.. تتخفى عن أعين الحصاد وأحجار الصبية.. في مسيرتها القاصدة صوب الحقيقة استحالت ورقة مفعمة بالندى.. غصنا مترعاً بالسقيا.. ثم جميلة.. جميلة تنتصب بصلف أنثوي لذيذ.. ولا تسلمني صحن وجهها للقبل.. هي إذن ليست من عاهرات ابليس.. وهذا الحلم لا يريد أن ينتهي.. أعلم أن الأحلام كاذبة.. في ليلة ما دار خلف جفني شريط حياتي منذ الطفولة حتى الممات.. واستيقظت لأجدني لم أنم بعد.. الزمن.. الزمن مخادع في الحلم كما هو في واقع الحال.. آه.. أذكر اﻵن كلمة نطقت بها.. وانا أصفع خدي بقسوة.. قالت: لم يحن ميقات يقظتك بعد.

      هي إذن تعلم كل ما في تفاصيل الحلم.. الماضي والحاضر والمستقبل.. إله يرمي أحجار الودع على الرمل.. ويحكي لي مقبل أيامي.. أيحق لي أن أصفها بالإله؟ أم ينبغي أن أرمي لساني بالكفر والهرطقة.. لا بأس.. لا بأس.. سأنتظر يقظتي بتوجس.. ثم أغتسل.. أغتسل من نقاء قلبي.. كما أغتسل من دنس ثوبي حينما تأتيني الجميلة متدثرة بإزار ابليس.. أنا لا أغتسل من الطهر.. أو النجاسة.. أغتسل كي أنقي ثوب اليقظة الرمادي.  من بياض الحلم.. الحلم الذي لن ينفذ.. فتحت عيني على استحياء لا يعادل استيقاظاً.. احكمت الغطاء على رأس زوجتي النائمة على وسادة حلم مجاور.. ثم عدت.. أهمهم بصوت خفيض على مشارف أذن الجميلة: ها.. بأي محطة توقف قطار الحكايا؟

      أقطع انهماكها في ارتشاف الشراب.. تطالع عودتي بانبهار رفيق.. ثم تضحك.. بنهم..

عن السموءل شمس الدين

mm
فتاة المخمل .. زفت إلي في ليل بلا ضجيج.. تزهو على قريناتها بيدين خاليتين من النقوش.. وجبين بالغ السمرة.. تيممت كفيها بلا استخارة.. وتقدمتها للصلاة بوضوء منقوض . كاتب من السودان