حلم يقظة

سيد

بقلم: رجب سيد

      صوت خافت، يتصاعد ويزداد صخبه وصياحه كلما اقترب. يمتزج صوت الرجل الصارخ خارج الشقة، مع صوت الفنان محمد فوزي المنبعث من التلفزيون وهو يقول: الورود زي الستات لكل لون معنى ومغنى. يقلل السيد مسعود صوت التلفاز لينتبه إلى المتحدث خلف الباب، فيسمع حوارهم:

      – هي دي الشقة؟

      – ايوا هي، سيب الكرتونة دي هنا وإنزل هات الكومودينو من تحت.

      – أمرك يا باشا.

      – وإنت يا إبني حاسب على لوح الزجاج اللي شايله، بلاش نزعل مننا الأستاذ حاتم.

      – عاوزين مياه نشرب يا ريس.

      – انجزوا شغلكم الاول وبعدين نشوف الأكل والشرب، فاضل نص ساعة على وصول الأستاذ حاتم.

      يكتفي مسعود بما شاهده بعد أن فهم أن هناك ساكن جديد في الشقة المقابلة، يفرك عينيه من أثر الثقب السحري في الباب، ويعود إلى حيث كان يجلس، ويرفع صوت التلفاز، ولكن أغنية محمد فوزي قد انتهت.

      الإعلانات مملة، ما فائدتها؟ نحن لا نستقر على قناة بها إعلان سواء كان تافه أو جاد. لبّيت نداء السرير، فهو كالندّاهة لأن في النوم سحر، وخصوصاً لو زارتني في منامي تلك الممثلة التي افتتنت بجسدها الممشوق، آه لو كانت الممثلات تتقافز من خلف الشاشة لتقبيل المعجبين أمثالي. ما هذه الخرافات؟ اذهب إلى النوم حيث عالم الخرافات يكون حقيقة.

      تراخت قواه فوق سريره، وغاص في نوم عميق. لم تتأخر عليه، لقد جاءت الممثلة الفاتنة بمجرد أن راح في نومه، ولكن بمجرد ظهورها له رن جرس الباب، فغادرت الفاتنة منزعجة، وانزعج هو أيضاً.

      – أنا حاتم جارك الجديد هنا. آسف لو كنت تسببت في أي إزعاج.

      – أهلا بيك أستاذ حاتم، وأنا مسعود جارك القديم أو الجديد.

       يضحكان لوهلة، وينشغل مسعود بمسح اللوحة الرخامية المكتوب فيها اسمه ودرجته الدالية الدالة، فثارت نفس الفكرة في عقل الأستاذ حاتم.

       – أرجو أن تكون جيرتنا مودة وتفاهم.

      – ده أكيد يا أستاذ حاتم، نورت البيت.

      – أردت فقط أن أحييك تحية الجار الجديد.

      – مرحباً بك دائماً أستاذ حاتم.

      – شكراً على ترحيبك.

      بخطوات سريعة يهرول مسعود نحو سريره ليلحق بالفاتنة، ولكنها قد رحلت ورحلت معها الرغبة في النوم، ولكن لا تزال الرغبة فيها قائمة، فمال نحو الحمام بهاتفه الذي انبعث منه هاتف ليتأمل مفاتنها في حلم يقظة، بفضل هذا الاختراع لم يعد بحاجة إلى الإلحاح الكثير لكي تراوده الفاتنة في منامه. بعد خمود لهيب النار يعود للتفكير في جاره الجديد، يبدو أنه رجل طيب ووقور، ستكون جيرة طيبة بلا شك، وسيكون هادئاً بعكس الساكن القديم، ولحسن الحظ أنه ليس حديث عهد بالزواج، ولن تتساقط عليه الزيارات في أيامه الأولى. مع صوت آذان العشاء يغشاه النعاس وهو جالسٌ فوق الأريكة، يرى في الحلم: أنه عاد من عمله للتو، وهو يشعر بإرهاق شديد، يدخل غرفته ويجد أن غرفته تمت سرقتها، السرير غير موجود وقد قام السارق بوضع علبة سجائر فارغة محل السرير، كانت سيجارة وحيدة، في نفس موضع السرير، ترى هل يكون السارق هو الساكن الجديد؟ ينتقض جسده لينتبه أنه حلم عابر، حلم قصير مزعج، اذهب الآن إلى غرفتك لتنام في سلام تام، وتقوم كعادتك في السادسة صباحاً لكي تذهب إلى عملك.

      مرت الليلة في سلام، نوم بلا أحلام، واستفاق في ساعة الصبح. الطاولة فوقها قهوته وأسفلها حذاءه، وعلى مخادع الكرسي كانت بدلته. هو يحب أن يرتشف قهوته ما بين ارتدائه لنعله، يضع قدمه في اليمنى ويرتشف قهوته ثم يتممها باليسرى، ينهض وهو يلتقط مفاتيحه ويتحسس جيوبه ليطمئن أن كل شيء في محله، ويصادفه عند خروجه الأستاذ حاتم الساكن الجديد:

      – صباح الخير أستاذ حاتم.

      – صباح النور دكتور مسعود.

      يشير كلاً منهما للآخر أن يعبر أولاً، وينتصر الأستاذ حاتم فيدخل مسعود المصعد ويتبعه الأستاذ حاتم، والابتسامة لا تفارق وجه الأستاذ حاتم، فهو بشوش جداً. وفي المساء عند عودة مسعود من عمله يصادف الأستاذ حاتم ولكنه كان متغيراً، لا يبتسم ولم يلقي عليه التحية كما اعتاد أن يفعل، يصعد مسعود إلى شقته غير مكترثاً بالتغيرات المفاجئة على طبيعة جاره. وفي الصباح يقابله أمام المصعد لأنهما كما يبدو تتصادف مواعيد عملهم، وكان الأستاذ حاتم بشوشاً مبتسماً في هذا الصباح، فيطمئن مسعود على حاله ويتوقع أنه كان منزعج ليلة أمس بسبب خسارة فريقه. وفي المساء عندما عاد مسعود من عمله يصادف الأستاذ حاتم وهو يخرج من المصعد، لم يلقي عليه التحية، وكان وجهه غاضباً، وازدادت حيرة مسعود في أمره فاليوم لا توجد أي مباريات، ولكن ربما تذكر هزيمة الأمس، لا عليك اصعد إلى شقتك. في صباح اليوم الثالث يتقابلان معاً في المصعد، كان وجه الأستاذ حاتم بشوشاً مبتهجاً، ولم يسأله مسعود عن سر تقلبه كما الليل والنهار، وتأمل حاله كأن ابتسامته مثل بطارية الهاتف يتم شحنها بالنوم وتنفذ في آخر اليوم. في المساء أثناء عودة مسعود من عمله يصادف الأستاذ حاتم في طريقه، ولكن هذه المرة عند موقف سيارات الأجرة بناصية الشارع العام، يراه هذا المساء مبتسماً بشوشاً، ويتعجب منه مسعود، ما سر ابتسامتك هذا المساء؟ يبدو أنني أخطأت حين وصفتك ببطارية الهاتف، وبعد التحيات القصيرة يركب الأستاذ حاتم سيارته، ويعود مسعود إلى المنزل، ولكن في حوش بيتهم يصادفه الأستاذ حاتم، يتساءل من الذي حييّته منذ دقائق؟ كنت معك منذ دقائق، وها أنت الآن غاضباً كعادتك في كل مساء، يتصرف مسعود بتوتر وهو يحاول الابتعاد عنه، فلم ينتظر خروجه من المصعد وفضّل أن يصعد الدرج. في شقته أخذت تضارب في عقله عواصف من الأسئلة ولذلك لم تزوره الفاتنة هذا المساء، ولكي يستطيع النوم أقنع نفسه أنها هلاوس بصرية وسمعية، وسوف يذهب لصديقه الطبيب النفسي إن تدهورت حالته. تمر الليلة كأنها حجر الرحى يدور في عقله، نومٌ متقطع، وهلاوس ليلية مع أصوات حركة أقدام آتية من الحمام والمطبخ، ومنذ سنوات لم يشعر بالوحدة كما أحس في تلك الليلة بأنه وحيد جداً. في الصباح يقابل الأستاذ حاتم أمام المصعد، ابتسم له الأستاذ حاتم وهو يشير له بالدخول أولاً:

      – معذرة أستاذ حاتم، عاوز أنزل على السلم النهار ده، محتاج للحركة.

      – زي ما تحب دكتور مسعود، نهارك سعيد.

     عيادة الطبيب المعالج مغلقة لأنه يقضي اجازة الصيف، كيف سأتحمل هذا الضجيج لمدة أسبوعين؟ وظل على حاله هذا لمدة أسبوع، وهو يرى الأستاذ حاتم بالصباح مبتسماً، ثم يقابله في المساء وهو غضوب عابس الوجه، وكثيراً تكررت أن صادفه في الشارع ثم يجده بعد دقائق يخرج من شقته، وهو متغيّر الطباع، الحيرة جعلته لا ينام، لمدة أسبوع، وأثناء ذلك الأسبوع تدهور حاله في العمل وساءت صحته، واحتل السواد محيط عينيه. وفي نهاية الأسبوع، في يوم الخميس، حدث شيء عجيب بسببه استفاق من الهلاوس السمعية والبصرية، واتضحت الحقيقة الغائبة. في ذلك اليوم قابل صدفةً في طريقه الأستاذ حاتم ومعه الأستاذ حاتم! هو ليس هو، هو اثنين، وهذا غير ذاك، هذا يبتسم والآخر عابس الوجه:

      – مساء النور دكتور مسعود، هذا أخي حازم.

      – أهلاً وسهلاً أستاذ حازم.

      – أعلم أنك مندهش، فأنا لم أخبرك أن لي أخ هو توأمي، نصفي الآخر.

      – أهلاً بك دكتور مسعود.

      – شكراً يا حازم، الآن فهمت.

     – فهمت ماذا؟

     – لا عليك، المهم أنني تشرفت بالتعرف على أخيك. يسعد مساكم.

     أخيراً بدأت أشعر بالراحة، الآن أريد أن أنام، أريد أن أضحك. تمسك حتى تفارقهما فلا يجوز الضحك بلا سبب وخصوصاً أن هيئتهم معاً تبدو مضحكة. يعبر من أمام المقهى الشعبية التي كان دائماً يسخر من زبائنها، وكان يقول لنفسه لا يمكن أن أجلس في مكان مثل هذا، ولكن فجأة أخذته رغبة في أن يجلس على المقهى. هناك كرسي يناديه، فجلس. يستدعي النادل ليطلب منه قهوة، وتجري أخيراً دمائه من جديد، وفجأة اجتاحته تلك الفاتنة وهي تأمره أن يسرع باللحاق بها هناك فوق سريره. يبتسم، تظهر أسنانه، تتجلى ابتسامته على وجهه، ولا يملك نفسه أن يضحك، فانفجر ضاحكاً، وهو يقول لنفسه: “ماذا لو أن كل إنسان منا بداخله الضدين؟ لو علمنا ذلك فلن ننزعج من أحوال أحبائنا المتقلبة.”

عن رجب منى السيد

mm
قاص من مصر