الرئيسية / احدث التدوينات / خاص: حوار مع الشاعر عثمان بشرى

خاص: حوار مع الشاعر عثمان بشرى

17426177_1194724987321696_6963905125603532075_n

حاورته: فاتن علي

“لقد بدأ مشروعي في خواتيم عمري أن يأتي أكله، و المرأة حلم كوني مزعج من أجله صيغ الوجود”

“الشعر يأتي من الله والشعر الحق، سؤال الوجود، والذات، والما وراء والأبد”

      من عجائب الشاعر عثمان البشري، حبه للمرأة العرجاء، نابذاً بذلك حب المرأة الفاتنة، إذ إنه لا يحبها لذاتها بقدر حبه لمكونها الإلهي؛ بكونها أنثي. فلا غرو إذاً، في نقله للواقع، بجوانبه المعتمة، إلى الشعر. منزلاً إياه من منزلته العالية إلى حياة الناس العادية. لهذا ولبساطته ونظرته الإنسانية؛ ما زال يُشكل في ذاكرة “متذوقي” شعره، صورة مماثلة للوطن، مُنذ بداية الحياة فيها. كيف لا، وهو يُعري الحياة من زيفها، مظهراً سوء عورتها. وليس ذاك بمستغرب لبدويته القحة الممزوجة بالتصوف، وفوق ذلك فهو تقدمي، قلبه كـ”إسفنجه” تمتص أكبر قدر من المشاعر باختلافها وتنوعها. ورغم تلك الرقة، تتفجر حممه البركانية تجاه الرياء والغدر. لكنه أيضاً يهنأ كطفل جائع لكلمة شكر، مستعداً منح عمره نظير معروف تقدمه.

      أثار جدلاً واسعاً، بداية التسعينيات من القرن المنصرم، ولا يزال. غزارة إنتاجه لا تتناسب وقله حضوره الإعلامي، مُرجعاً تلك القلة إلى إقصاء الحكومة للأصوات التي لا تتماشي وخطها، رافضاً حضوره في وجودها، وهو الذي لا يراهن اليومم أحد سواه، سواء في نزاهة كلمته أو موقفه منها، موقف المثقف. (جيل جديد)، حاولت التنقيب عن عثمان البشري عبر عثمان البشري، وخرجت بإفاداته التالية.

   – بداية، نرحب بك في جيل جديد.

      – شكراً على الاستضافة، وحتماً مجلة إلكترونية بادئة بهكذا تحدى، لهي قمينة بالاحترام والتقدير، والمشوار وعّر، خصوصاً وأن فضاء العولمة فتح للعديد من العقول وأصحاب الكتابات والأفكار أثيراً، يعجُّ بالكثير من الإبداع والرؤى النيرة، تتسابق نحو الأفضل والممتاز. مما جعل مثل هذه المحاولات، تقف أمام خيارين، إما أن تجود وتكثّف من نشاطها، وحيويتها إلى ما هو أجد وأنفع ومواكب، أو أن تقف.

    س/ من هو عثمان البشرى، وفقاً لنصه؟.

       ج/ ضحك قليلاً، ثم قال: كأنك تريدين أن تقولي لي: هل أنت عثمان بشرى كما قالك النص، فعلاً؟. إذن أنا نصي الذى قرأته وتقرأينه دائماً، لا فصام بيننا مطلقاً، أنا الشعر نفسه الذى كُتِب ويَنْكَتب. ولا أعرف لي تعريفاً آخراً خارج نصي بكل تشظياته، تجلياته، إحباطاته، بؤسه، أمانيه، أحلامه، تمرده المستمر، وغنائه الخالص لوجه الحياة، وأسئلة الوجود.

    س/ أي متاهة هلاك تنشد، أي قسوةً ترجو؟. أعني هل ترجو شفقة ما؟.

       ج/ ضحك مرة أخرى، ثم قال: هل الشفقة هذي معادل العطف، وكذا وضعية منكسرة ومسحوقة، و…، أم شيء آخر؟. أنا، أم الشعب السوداني عامة؟. هنالك حالة إحباط شاملة، وفي حالتي أنا أسميه “إنحباط “، و ليس إحباط على صيغة إنفعال، أي تام الحراك، برغم السوداوية، والقتامة في الأفق السياسي، والاجتماعي، والثقافي، وكافة الأصعدة. إنني أقوم فقط بعملية وضع اليد على العِلة وفضحها، وتعريتها أمام نفسى اولاً، قبل المجتمع؛ بالتالي تشريحها، وتحديد نوعها، وكل ذلك بداية ب(الأنا) الخاص، على غرار لا أبريء نفسي من السوء، ومروراً بكل الذوات الفاعلة، فالغافلة ثم المنكفئة في عملية جرد تامة، وكُلٍ يتحسس عورته، وهذه المسألة شديدة الشفافية، لدرجة محاسبة وجلد الذات ومعاقبتها، وزجرها، بالتالي وضع النقاط فوق الحروف. فمن يشفق على من هنا؟!، وكلنا في الهم والغم نعمى، ونخوض حتى شعر رأسنا. من هنا نعم، أخططت لنفسي القلقة، دروبا قاسية، ووَعِرة، أمهّدهَا، ليمشي فوقها من يمشى،  ويحيد عنها من يحيد، ولكنني ابداً ما كنت في عزلة يوما ما. فأنا “دباب بامتياز” للذين يؤمنون ويعترفون بأخطائهم، ويحاولون إصلاحها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

    س/ …………………………………………. ؟.

      ج/ عفواً هذا السؤال شخصي جداً، والخوض في الإجابة عليه لمن يخصه فقط. هنالك مبررات فلسفية ومعرفيه، بها إجتراحات لا تعمم، ولا ينبغى أن يُقاس عليها. فكأنك تريد أن تقول لشخص ما، كم مرة في الاسبوع ترفث إلى زوجك؟، أو كم هو راتبك؟، وكيف وأين تنفقه؟. هذه مسائل بالغة الخصوصية،  ولا ينبغي لنا الخوض فيها.

    س/ لنعد للشعر إذاً، هل له باب وتوّجه يدخل على أساسه الشاعر من الوهلة الاولي، عند مُصافحته للغة؟.

      ج/ ليس تماماً. وفى الغالب هي حالة كمون، واعتمال، تظل تتراوح بين الحالة الذهنية، اوان عصفها اليومي من مشاهدات/ أماني/ أشواق/ طموحات/ وتعثرات وجدانية، متراكمة ومنهكة، من جراء تقاطعاتها مع واقع الحياة المضطرد، وإحباطاته، وتشظياته، وتقلبات الذات، وصراعها مع الخاص والعام/ الذاتي، والموضوعي، وبين لهاث الروح القلقة للشاعر، وفجأة يقتحمك النص، من خلال دفق عابر!، لأي مسبب ما، من أبسط الجمل اليومية العادية، أو أي حيوات، أو عناصر، تكون مفتاحاً للحالة الشعرية، وأسميها الومضة تماماً. وإن لم تحدق فيها جيداً، وتقبض عليها بذات الخطف البريقي العابر (راحت عليك)!.

    س/ إذاً، الشعر لا يأتي من فراغ، أليس كذلك؟ .

      ج/ يأتي الشعر من كل حدب وصوب، يأتي من كلاكل الروح، وعذابات الذات، يأتي من الموت والحب،  من النار والناي، من الريح والماء، من غيمة شاردة، ونهد ينتفض “كرأس القط من الغسل” ، يأتي من الحلم والصحو، من عبث الحياة، يأتي من الجوع، والفقر، والمرض،  يأتي من بدايات الخليقة، في أسئلتها عن الوجود، إلى نهايات عدمها، وأبدها المستمر. باختصار الشعر يأتي من كل نأمة، وهنة، وغفلة. من أصغر برعم ورد، يأتي من الله.

    س/ ماذا يخصم الشعر من شخصية الشاعر؟.

       ج/ الحياة، فالشعر يأكل الشاعر، والشعر يورث الفقر، والشعر يجلد الشاعر بقسوة، ويسحله، ويغرقه في العدم كل ثانية.

    س/ أهناك حالة تجد نفسك فيها مُهيئاً للكتابة، أم أن الكتابة عندك لا تخضع للمزاج والحالة النفسية؟.

      ج/ الكتابة عندي، وبالتحديد الشعر، كالهواء والماء. فليس هناك وضع محدد، ولا حالة نفسية معينة. أكتب حتى وأنا نائم، أكتب في المواصلات، وفى زعيق، ورعد، ورزيم، وأهوال، أكتب وأنا ثمل حتى، فالكتابة عندي هي حياتي باختصار، فليست هناك وضعية معينة.

    س/ كيف استعطت تولّيف المفردة العامية، مع الفصحى، وهل يحتاج ذلك لإمكانيات معينة للكاتب؟.

      ج/ عودة إلى السؤال عن مسألة التوليف، والترويض، للمفردة الدراجة، والفصيحة، وما بينهما من حساسية بالغة التعقيد، فهذا الأمر ليس بجديد تماماً، ولكنّه غير مطروق تماماً أيضاً، على المستوى العملي. فلقد بدأه الشاعران “أحمد عبد المعطي حجازي” و “صلاح عبد الصبور”،  في مصر منتصف الستينات من القرن المنصرم، تحت مسمى مسرحة الشعر، وليس الشعر المسرحي، كما هو متعارف عليه، وكانا يُحاولان مسج لغة الخطاب العامي مع اللغة الفصحى الرسمية، لخلق حالة توتر ما، من شأنها خلق حوار  خارجي مع حوار داخلي، تولّد حركة مسرحة للغة، في الخطاب الشعرى ككل. ولكنّهما فشلا بشكل نهائي، لطبيعة اللهجة العامية المصرية، وعدم قدرتها على التناغم مع اللغة العربية، لخصيصة بائنة فيها من قصور.

      أما في حالتي أنا، ولم أكن قد اضطلعت مسبقاً على هذه التجربة الرائد، منذ ما يزيد عن النصف قرن، وعلى سجية عنفوان تجربتي الشعرية، وتحديها، وتمردها على السائد آنذاك، أواخر الثمانيات، وبداية العقد التاسع من القرن المنصرم،  بدأت في التجريب بعد نصوص “توما” وما تلاها. وذلك بعد أن نبهني الناقد، والكاتب الفذ “سامى سالم”، بأن ما أقوم به هو مشروع ضخم، نجحت فيه بالصدفة، وأوجدت ما كان أن بحثا فيه الشاعران صلاح ومعطى، أو فيما يسمى بالمسرحة الشعرية أعلاه، وهذا كلما ما في الأمر.

    س/ هل ثمة اختلاف في الحِراك الثقافي “الشعري”، بصورته الحالية عن المُسْبَقة؟.

      ج/ هنالك اختلاف، واختلاف كبير طبعاً، ليس على مستوى الفعل فقط، بل وعلى مستوى الموضوعات، والأحلام، الأشواق. وأكثر أيضاً على مستوى التكنيك، واللغة، والأخيلة. هنالك فرق مقدار ونوع على حدٍ سواء، ولكن هذا لا يعني أن هنالك أفضلية أم لا، فذلك شأن المهتمين بعملية النقد، والإضاءات، والحفر، والتحليل. بالتالي فإن مسألة الكمية، والنوعية هذه تقتضى معاول جادة، ومتماسكة، وذات حياد موضوعي؛ يضع نصب أعينه الظروف الحياتية الخاصة، والعامة للشاعر، أو الكاتب، رهان واقعه من حيث الكتابة مجملاً. والمحيط النفسي، والمادي سابقاً، والآن أيضاً.

    س/ هل هناك تصنيفات للشعر غنائي وغير غنائي؟ أليس الشعر بعامته غناء؟.

      ج/ لا، ليست هنالك تصنيفات بالمعنى المطلق عموماً، في المسألة الشعرية، إذا كنت تتحدثين عن الشعر بشكل خاص. أما إذا كانت المسألة في ما يسمى بالنظم، أي القصيد الغنائي، في خصوصيته المعروفة، فهنالك فرق شاسع، وهذه مسألة أخرى، لنا فيها القول الكثير، وليس هذا مجاله.

    س/ هل تعتبر الشعر السياسي لوناً آخر من انواع المقاومة؟، وإلى أي مدى يمكنه أن يخدم قضايا التغيير؟.

       ج/ ليس هناك شعراً سياسياً بالمعنى الدقيق، وما نسمعه إبان فترات الكبت، والقمع، والدكتاتوريات، من كلام مقفى، وموزون، تهتف به المنابر، والجامعات، والنوادي المناوئة لنظام الحكم القائم، ما ذلك إلا قصيد ونظم، الهدف منه تجاوز مرحلة معينة، أو تعرية أوضاع، أو تشريح أزمة آنية، ولا ينبغي علينا أن نقول عليه ذلك “شعر سياسي” وذاك “اجتماعي”، أو غيره من التصنيفات. فالشعر الحق هو سؤال الوجود، والذات، والما وراء، والأبد، وأي نص لا يطرح هذه الأسئلة، غير المجابة، لا يُعد عندي شعر. أمّا مسألة أن يخدم ذلك النوع أعلاه قضايا التغيير،  فهذا حسب وعي الشارع، وحساسية تجاوبه معه.

    س/ هل للمرأة صورة خاصة، في مشروعك الشعري؟.

       ج/ جميل هذا السؤال، جميع نصوصي السردية، والشعرية، هي سؤال مستمر عن المرأة، الوطن والمتخيلة. ولا أدرى هل وجدتها في الواقع أم لا!. هنالك مشوار طويل سنجتازه كشعراء، حتى نحقق هذا الحلم الكوني المزعج، والذي من أجله صيغ هذا الوجود.

    س/ دوماً تردد، الوجود .. الوجود، هل تخشى فكرة الموت؟.

      ج/ لا، لا أخشى الموت. ولكنّي أيضاً أحب الحياة، إذا ما استطعت إليها سبيلاً. وحسبك نص رؤية البرزخ، الذى حببت فيه الموت على الحياة.

    س/ عَلمْتُ بفقدك لهاتفك المحمول، والذي كان يحتوي أربعة أعمال جاهزة للطباعة، كيف وقع الأمر عليك؟، وكيف استعطت تتجاوز هذه الفاجعة؟.

       ج/ لقد كان أمراً فظيعاً، وموجعاً، وكارثياً، ولكنّي قد تجاوزتها بالكاد، فبعض النصوص، أو جلها، كان لها مسودات أولية. جمعتُها من مواقع متفرقة، وأعدت تنضيدها،  والآن اكتملت بنسبة 85 %.

    س/ رواية حلم أعلى شمال الجسد، جسد جنوب الخيال، والتي تأخر انبلاجُها. ماذا تحمل في طياتها؟، ولماذا تأخر صدورها حتى هذه اللحظة؟.

      ج/ الرواية تعمل في حقلين، أحدهما لغوي، والآخر جمالي، وفى نفس الوقت تجسير الهوة بين الجنوب الجغرافي، كحالة إنسانية مفقودة، والشمال الجغرافي، كحلقة استعلاء جمالي، يدعي السيادة المطلقة، في مجمل مجسدات الصراع السياسي، والاجتماعي الذى طال أمده، ومن المؤكد يستصحب كل ذلك تشظيات الوجدان،  وازدواجية رؤاه، عبر شخوص الراوي وأبطاله.

    س/ رغم إنتاجك الكثيف المنتشر بين جمهورك الكبير، نجدك مقل إعلامياً، لماذا؟.

       ج/ قطعاً هذا السؤال مجاب عليه خلال الأسئلة أعلاه، ولكن لا بأس، فعندما تكون هنالك دولة مثل هذه، ونظام يحدد ماذا تقول، ولماذا تقول، ومتى تقول، وتنقب في خيالك وأحلامك،  وحتى في سرك، وتقلق بشأن ما تكتب، خوفاً من فضحها الذى لا يحتاج إلى فضح، فأن من البديهي أن تكون حارسة لبوابات إعلامها المضلل، بكل أجهزة التكميم والإقصاء والنفي، وفى أحسن حالاتها، إن رضت عنك، فلا بد أن تخضع لشروطها، وتقدم التنازلات والانحناءات، تحت آلة التقطيع، والتقليم، والتشذيب، وتقديمك لجمهورك ككبش فداء لحريتها الزائفة!، وحتى يُقال أن هناك حرية رأي، تحت هذه الأوضاع المشترطة، هل يجوز حضوري؟. ” فمصطفى سيد أحمد” مثال حيّ لذلك، وكذلك “محمود عبد العزيز”  ففي النهاية من الذى انتصر؟.

    س/ رسالة تود توجيهها للأديب السوداني، وعبره للشعراء الشباب؟.

     س/ أصدقوا أيها الكتاب الأنبياء، فبين الحرف، والحرف، غفلة وهوة، تبتلع كل ما تكتبونه، إذا حدتم عن بياض الروح وأنتم تكتبون. وعلى الشباب جرأة المشروع، وطلاوة التلاقح، مع مجمل منتوج البشرية، قديمها وحديثها، والنأي بالأنا عن مغبات النرجسية، والحفر بجسارة، وبمعاول صقيلة، على صخر هذا الوجود.

   س/أخيراً، هل أنت راضٍ بما قدمته حتى هذه اللحظة؟.

     ج/ نعم أنا راض تمام الرضى، وممتن والحمد لله، لقد بدأ مشروع في خواتيم عمري أن يأتي أكله، ولا بأس إن انتفع به غيرى.

و اخيراً … شكراً ابنتي وصديقتي أستاذة فاتن علي، على هذه السياحة الشاقة، وأرجو أن أكون قد أشفيت غليلك، وغليل القُرّاء الوارفين.

عن فاتن علي

mm
كاتبة من السودان أحاول أن أُحيل الرماد من عيون المجتمع .