الرئيسية / احدث التدوينات / حوار مع الفنان الدرامي و الموسيقي “محمود ميسرة السّراج”

حوار مع الفنان الدرامي و الموسيقي “محمود ميسرة السّراج”

IMG-20171129-WA0012

الموسيقى التصويرية: هي نص موازي للسكريبت المعدّ للتصوير، ليس هناك أيّ قوانين، إلا إحساس المؤلف الموسيقي وخياله.

* عدم ربط الاحتفاء بالجسد بالفن أو المسرح، فهذا ينطوي على سوء نيّة.

 

*نحن نُقدم موسيقانا بطريقة فيها الكثير من السبهللية، لا نقدمها بعازفين بارعين بما يكفي، وبأجهزة صوت جيّدة بما يكفي، وأحياناً بتوزيع موسيقي متواضع.. لذلك نجد نفس الأغنية التي يغنيها الأستاذ عبد القادر سالم، تكتسب حضوراً شاهقاً، إذا غنتها تلك المغنية الإسرائيلية !

 

رسخّت الدراما، والمسرح بذاكرة المشاهد السوداني، وعقليته الفكرية، أنماطًا محددة و متكررة، فالدراما خلاف أنها تؤثر بدرجةٍ كبيرة على حياة المجتمع، في تغيير بعض المفاهيم، من خلال قوالبها الفنيّة المختلفة،يمكنها أيضاً التعامل مع مفاهيم المجتمع من عادات، وسلوكيات، وانساق، فشلت في جدواها للإجابة عن كثير من الأسئلة الحياتية، غالباً نجد أن معظم ما يُعرض من سيناريوهات متواضعة، أو نماذج جزئية انتقائية في كثير من الأحيان، تنافي واقعية تناولها في العمل الدرامي، بينها وبين مُسْتلزمات العصر، وقيمه الحديثة وحركة التنوير للنسيج الاجتماعي المتغير، وفق عجلة الزمن، فالنّص هو خروج قضايا المجتمع بصورةٍ عارية تماماً.

في هذه الحوارية تحاول (جيل جديد) أن تجد بعض الأجوبة بصورةٍ اقرب للحدث.. عبر الفنان الدرامي، و الموسيقي محمود ميسرة السّراج.

 

ــ كيف يستوحى ربط الموسيقى التصويرية بالعمل الدرامي، هل يتم ذلك باستنطاق الحدث موسيقياً ؟

الموسيقى التصويرية: هي نص موازي للسكريبت المعدّ للتصوير، ليس هناك أيّ قوانين، إلا إحساس المؤلف الموسيقي وخياله، حتى التقاليد التي تتكون بطول المدة يتم تكسيرها بمجرد الانتباه إليها. يحدثُ أحيانا أن يتفق المخرج مع المؤلف الموسيقي مبدئياً على فهم مشترك.. ولكن هذا كل شيء، عندها ينْطلق الموسيقي ليكتب نصه الخاص، وحتى تكون نتائج هذه المغامرة اللحنية مضمونة، تجد دائماً هناك معرفة مسبقة، وتواصل مسبق بين المخرج والموسيقي، أعني؛ أن كُل واحد منهما يفهم الآخر، ولذلك وبمجرد اتفاق الاثنين على الاشتراك في تقديم نص بعينه يكون هذا بمثابة اتفاق على أن يمارس كل منهما جنونه الخاص .

ــ تحتفي الثقافة الإفريقية بالجسد بصفته الوظيفية والجمالية في مسرحية الحياة، بينما هو مكبلٌ في ثقافتنا السودانية، وعلى خشبة المسرح تحديداً. رأيك؟

طبعاً لا اتفق مع هذا الرأي..اعتقد أننا كسودانيين نتعامل مع الجسد كما هو حاصل في الواقع، الواقع السوداني.. أما في المسرح تحديداً فالجسد ينطلق بأكثر مما هو حاصل فعلاً، الشاهد أننا نقدم أجسادنا باعتبارها أجسادنا، لا أعرف إن كان هذا جسد إفريقي، أو أوروبي! ولكنني أعرف أنّه جسدي.

يمكن لهذا السؤال أن يستقيم إذا كان يتحدث عن الشخصية السودانية، مطلق شخصية واحتفائها بالجسد، مقابل الشخصية الإفريقية جنوب الصحراء. ولكن؛ عدم ربط احتفاء الجسد بالفن أو المسرح، فهذا ينطوي على سوء نيّة.

* (عنيتُ هنا؛ الاحتفاء بالجسد، أيّ غياب الرومانسية، في عموم العلاقات بين الجنسين؟ وإيماءات الجسد كتعبير إنساني طبيعي)!!

ــ تحتفظ الذاكرة التراكُمية للمجتمع في الساحة الفنية بمعظم الأعمال الأولى، لبنة تشكّْل العمل الدرامي ـــ ماذا قدمت الدراما، و المسرح، من اضاءات جديدة لتضاف كنقطة تحوْل مختلفة في رصيدها الفني ؟

هذا السؤال صعب الإجابة عليه، انسب من يجيب على هذا السؤال هم النقاد _ والمتتبعون _ والراصدون لحركة الدراما السودانية، أمثال الأساتذة :

السر السيد, وعبد الله الميري وآخرين..

أنا استطيع أن اجيب بعموميات، فأقول أن المسرح السوداني تحديداً ومنذ بداياته كان مشغولاً بقضايا من صميم الواقع السوداني وناقشها بكل جسارة وتصدى للكثير من العادات الاجتماعية الضارة، وتناولها بالنقد والتشريح في مختلف القوالب الدرامية..لم يشذّ عن هذه القاعدة في أيّ يوم من مسيرته الطويلة، وحذت الدراما التلفزيونية حذو المسرح (غالبًا نجد أن كُتّاب المسرح في السودان هم أنفسهم كُتّاب الدراما التلفزيونية) فناقشت نفس القضايا وتعرضت إلى نفس المشاكل، مع اختلاف الوسيط الناقل.. من الصعب أن نعرف إلى أيّ مدى نجحت، أو فشلت الدراما في إِحداث التغيير المنشود. إذ أن حركة التغيير لا تؤثر فيها الدراما وحدها.. وإنما تصنعها مجمل الحركة الثقافية _ والسياسية _ في البلاد .

IMG-20171129-WA0013

ـ
ـ أين محمود السراج الشاعر ؟

يوماً ما فكرت..إذا أردت أن أكتب شعراً جيداً ؟ ينبغي عليّ أن احبَّ الشعر أكثر من أيّ شيء..أن أعيش مع الدواوين، مع كتب الشعر، فكّرت أن هذا ليس متاحاً لي، فأنا على الدوام في نهم لمعرفة اشياء اُخرى.. ليس من بينها الشعر!

من يومها توقفت عن كتابة الشعر. حدث هذا بعد سنوات قليلة من تخرجي من الجامعة .

ــ في جانب آخر ؛ اعتبر أحد الباحثين في حقيبة الفن، بأن أغاني الحقيبة مستوحاة من الزجل الأندلسي ثم وضعها كفرضية ثابتة في أبحاثه لاحقاً ـــ فهل يمكن تصنيف المكوْن الوراثي للأغنيات التي قد تخضع لظرف زماني، و مكاني محدد، من حيث الكلمة و اللّحن؟

نعم قرأت هذا البحث المشوق لمحمد جمال.. لم اقتنع تماماً ولكنني استمتعت بالقراءة..أنا لست خبيراً بأغنية الحقيبة، ربما تكون معرفتي بأغاني النّوبة (جبال النوبة) أعمق..وكذلك حبي لها.. بالمناسبة نحن ظلمنا أنفسنا كثيراً، أتحدث الآن عنا كسودانيين.. لقد أهملنا الجانب الأقوى في تراثنا الموسيقي وانجرفنا مع أغنية الحقيبة، لو تأملنا تراث القبائل السودانية في دارفور، أو جبال النوبة أو جبال البحر الأحمر قديماً ويا للأسف قبائل الجنوب مثل قبيلة الشلك، لو تأملنا هذا التراث لوجدناه يتفوق مئات وآلاف المرات على أغنية الحقيبة، تلك الأغنية التي يؤرخ كُتّاب تاريخ السودان لها، بوصفها المدرسة الموسيقية الأولى.. يا للمهزلة!

ــ إن صحّ القول أن الموسيقيّ يستمد إلهامه من إيحاء الطبيعة، فما هي الفضاءات التي تلهمك في التأليف، في النّوتة الموسيقية؟

لا أعرف إنْ كانت الطبيعة تُلهم الموسيقي بالفعل.. وحين أفكر في (الفضاءات التي تلهمني)، تتداخل عليّ (الفضاءات)، من المؤكد أن الموسيقى تأتي بغتة.. كقدرٍ جميل، ثمة حزن في مكان ما، تتحسس الأصابع طريقها إليه قبل أن تضغط على الوتر الثالث في الجيتار، في مكان الصوت (مي بيمول)، وإذا حالفك الحظ، ربما ينساب اللّحن بدون تلك المعاناة المعهودة في حالات الولادة المتعسرة.. دائما هنالك قَدر من الصمت، مطلوب حتى تتمكن الآذن من التقاط الأصوات البعيدة.. هذا ضروري. لكن؛ بحسب تجربتي، حين تكون الأشياء أكثر مما ينبغي..الصمت, أو الفرح, أو الحزن.. لن تأت الموسيقى أبداً.
هناك حالة من ضجيج الحياة المبتذلة، من ذلك الدأب اليومي والصهيل الشقي، مطلوب حتى يكون ثمة موسيقى في الجوار .

ــ إلى أيّ مدى قد ينجح تداخل الثقافات، لمزج عدة مواد موسيقية مختلفة، و ما تأثير ذلك في خلق لونية مختلفة ؟

وهذه هي الوصفة السحرية.. أعني مزج الثقافات، في الحقيقة هذا الشيء يحدث رغما عنا، وأنا اعتقد أنْ الفن كله هكذا.. عبارة عن تداخل ومزج للثقافات، والثقافة نفسها هي: مزج لثقافات سابقة، ليس هناك نقاء عرقي، هذه هي الحالة في كل وقت.. ربما يفكر الإنسان بأنه متماسك بما يكفي لينتمي! ولكن هذا وهم, ما هي ثقافتي؟، ما هو المقام الموسيقي الذي يعبر عني؟، وأيّ إيقاع؟! إن المطلوب الأول من أيّ فنّان هو أن يفتح أزرار قميصه، ويقف عارياً أمام الرياح ـــــ أمام العاصفة التي تتداخل فيها اتجاهات الريح ـــ ولا ينبغي علينا أن نقلق، ثمة ضابط ايقاع خفيّ موجود في الاعماق السحيقة، داخل كل منا، يحمينا من الزلل ـــ من الوقوع في الخطيئة ـــ خطيئة الارتماء بحذافيرنا

فيما هو ليس نحن ..!!

 
ــ ما هو تفسيرك للظهور المتكرر للدراميين أنفسهم، دون إبداع أدائي جديد يجذب المشاهد؟

ما هي المعايير؟ ما معنى ظهور متكرر بذات الأدوار؟ هل نتحدث هنا عن ما يسمى بالشخصيات النمطية؟ بت قضيم مثلا؟ ولكن بت قضيم تجذب المشاهد..طيلة حياة هذه الشخصية لم يتوقف المشاهد عن الضحك على نكاتها وطريقتها البديعة في الكلام..اعني ماذا نقصد بالضبط؟ ثم كيف نطمئن إلى حكمنا بأنه تكرار بدون إبداع أدائي..عمومًا هذا السؤال غياظ .

ــ كيف يتم اختيار الممثلين للعمل الدرامي، والمَعايير التي يتم وفقها التقييم؟

يتم اختيار الممثلين حسب رؤية المخرج.. حسب مناسبة الدور المعين مع الممثل المعين، هذا يحدده المخرج في الغالب، بعض الأحيان تشترط الشركة المنتجة ممثلا بعينه، وفي كل الأحوال يكون هناك اتفاق مبدئي على أنْ الدور الفلانيّ، يُناسب الشخصية الفلانيّة، والتقييم ذاتي، ليست هنالك مواصفات موضوعية صارمة، يتم التقيّد بها عند التقييم، ليس لأن الناس يتجاهلون هذه الضوابط الصارمة، بل لأنها غير موجودة أصلا .

ــ لم نشهد دراما قدمت حلولاً للطرح الذي تقدمه، أهو الخوف أم ضعف السيناريوهات؟

هنالك فهم شائع أنه ليست من مهام الدراما تقديم الحلول، عليها أن تجتهد في طرح القضايا، وكُلّما استطاعت طرحها بطريقة جاذبة، وواضحة، كان ذلك كافياً.. بالطبع القضايا تختلف ـــ وتتنوع موضوعات الدراما، تنوعاً مذهلاً..

هناك الدراما الاجتماعية ـــ وهنالك الدراما النفسية ـــ أو الفكرية ــــ أو حتى الدعائية ـــــ أو الترفيهية ــــ و التعليمية …الخ. كل نوع من أنواع الدراما يقترح شكل طرحه الخاص، وكذلك حلوله أو عدمها. في الغالب نجد أن الدراما الدعائية هي أكثر أنواع الدراما التي تقدم حلولا، لما تثيره من قضايا..ولذلك تعتبر دراما (بروباقاندا) دعائية، أمَّا الدراما الاجتماعية فتكتفي بعرض مشكلة اجتماعية أو تتحدث عن شريحة بعينها، أو تحكي قصة ما، وتترك للمشاهد في الآخر الحرية لإصدار حكمه القيمي، أو الأخلاقي على ما شاهده..الدراما الفكرية والفلسفية تجتهد في توصيل فكرة بعينها إلى ذهن المتلقي وهي دراما صعبة الهضم غالبًا، وخير ما يمثل هذا النوع من الدراما ما طرحه مسرح العبث في أربعينات القرن الماضي بواسطة كتابه الكبار، من لدن بيكيت، وكافكا وبيرانديللو، ويونسكو وآخرين.

ما أود قوله هنا أن عدم طرح الدراما لحلول للمواضيع التي تثيرها، لا يعتبر عيباً في هذه الدراما، وهذه قاعدة عامة لم تشذّ الدراما السودانية عنها.

ــ هل انتشار الأغاني المسماة (هابطة) يمثل الذوق العام، وجزء لا يتجزأ من المجتمع؟

هو في الغالب يمثل ذوق المؤسسة الرسمية..المؤسسة الرسمية هي التي تتولى برغبتها أو بغير ذلك – نشر ذلك الذوق على أوسع نطاق. طبعاً يجب علينا في البداية الاتفاق على معنى أغنية هابطة، على كل حال، الأعمال غير الجيدة تموت، تبقى يوماً أو شهر، ولكنْها تموت في النهاية..الأعمال الجيّدة فقط هي التي تقاوم فعل الزمن المدمر. وهذه حقيقة تم التأكد منها منذ مئات السنين.. وهي تستمر في كوْنهَا حقيقة حتى الآن.

ــ ما الذي ينقص الموسيقى السودانية لتكون حاضرة إقليمياً وعالمياً ؟

لا أعرف..ربما ينقصها ابتداءً أن تكون موسيقى، في كثير من الأحيان نحن نقدم موسيقانا بطريقة فيها الكثير من السبهللية، لا نقدمها بعازفين بارعين بما يكفي، وبأجهزة صوت جيّدة بما يكفي، وأحيانا بتوزيع موسيقي متواضع.. لذلك نجد نفس الأغنية التي يغنيها الأستاذ عبد القادر سالم، تكتسب حضوراً شاهقاً إذا غنتها تلك المغنية الإسرائيلية. ببساطة لأن العازفين عزفوا بطريقة ممتازة وكان الصوت نقياً وكذلك القالب الذي وضعت فيه. نعم؛ ما ينقص موسيقانا هو القالب هذا شيء مهم جدًا. وأخيرًا أعتقد أن ما ينقص موسيقانا هو بالضبط ما ينقص أيّ شيء آخر عندنا ليكون حاضراً إقليميا – أو دولياً.

صحافة, أو تلفزيون, أو كرة قدم, أو أي شيءٍ آخر.

ــ هل هناك ما يُقدّم من نقد موسيقى، وما الآليات التي يحتاجها الناقد؟

طبعاً لا يوجد نقد موسيقي حقيقي في بلادنا، لا الآن، ولا فيما سبق .

– المحاولات الخجولة التي أبتدرها أساتذتنا الكِبار أمثال :

الموصلي – وانس العاقب – والفاتح الطاهر – ومكي سيد أحمد (مع حفظ الألقاب)، كان قنديلها يشعُّ فترةً بسيطة، وسرعان ما يخبو.. ليس هناك استمرارية لفعل النقد الموسيقي، وليس هناك مواكبة، إلا أن الخطأ الكبير الذي وقع فيه معظم من تحمسوا للنقد الموسيقي، وساهموا بعمل دراسات عن بعض الأغاني السودانية أن نقدهم ودراساتهم تعلقت بالمنجز الشعري في الأغنية ولم تتطرق لا من قريب ولا من بعيد للموسيقى، واللّحن الذي يحّمل هذه الكلمات. هذه المسألة أثرت سلباً على حركة الغناء السوداني، إذ أصبح تصنيف الأغنية إلى حدٍ كبير، يؤسس على كلماتها، طبعاً الأغنية موسيقى في الأصل وليست قصيدة شعرية، والغناء ضرب من الفنون ينتمي إلى الموسيقى بينما ينتمي الشعر إلى الأدب.. أصبحنا نسمع تبعاً لذلك؛ توصيفات مثل أغنية هابط و: فنعرف أنها تعني أن كلمات هذه الأغنية (هابطة)، أو أغنية رصينة: فنفهم أننا نتحدث عن شعر جيّد.. وهذا شيء مُضحك وعيبٌ كبير.. بل أننا نجد رئيس اتحاد الأغنية شاعر، وليس موسيقي وهذا شيء عجيب..!

بالنسبة للآليات التي يحتاجها الناقد الموسيقي، فهي لا تختلف (شكلاً) عن الآليات التي يحتاجها أي ناقد آخر، سواء كان موضوع النقد قصة، أو رواية أو قصيدة، أو مقطوعة موسيقية.. الخ

عن فاتن علي

mm
كاتبة من السودان أحاول أن أُحيل الرماد من عيون المجتمع .