الرئيسية / احدث التدوينات / حياتي كرسالة بحثية: من أنا؟

حياتي كرسالة بحثية: من أنا؟

سارة

     “الشك هو بداية الحكاية… فأول شكي كان من أنا؟ وأول يقيني أني أنا”

     الحياة، نقضيها على وجه الأرض لسنا عابثين، يتسارع الزمن فيها من حولنا، تتخطف فيه اللحظات التي نشتهي بقاءها، وتسبقنا تلك التي نرجوها لإنجاز ما نود، يوماً بعد يوم، وذلك حساب أعمارنا. وإن كنا في هذه الحياة لا نختلف كثيراً عن بعضنا البعض، فجميعنا في رحلة بحث عن هدف معين، قد يدركه بعضنا، وقد يضل عنه الآخرون. إلا أننا في رحلة البحث سواء، ربما نبحث عن الحقيقة، أو السعادة، أو أننا نبحث عن المال، أو ربما نبحث عن الله، أو أننا في رحلة بحث عن الذات، إلي غيرها من غايات البحث، فالحياة مليئة جداً بالبحوث. وأياً كان الطريق الذي اخترناه لأنفسنا، تظل غاية البحث الجوهرية هي استشعار قيمتنا الوجودية، وعلي اختلاف توجهاتنا يختلف تعريفنا لتلك القيمة.

     في ظل زخم الحياة وتسارعها، قد نرتبك، قد نفقد البوصلة، بين ما نحب أن نفعل، وما يجب أن نحقق. بين ما علينا من التزامات وما نواجهه من مغريات، فنجد أنفسنا مطالبين بتحديد أولوياتنا. كنت في الأيام القليلة الماضية قد تمكنت من حضور ورشة تهتم بكيفية إجراء البحوث العلمية وكتابة الأوراق البحثية. كان الحديث في مقدمتها مستفيضاً عن اختيار سؤال البحث، وأهدافه العامة والخاصة، عن كيفية تشكيل ملامح البحث، آلياته وطرق تنفيذه، حتى يتحول من كونه عرض لفكرة إلي كونه عرض لنتائج ذات قيمة محسوسة. دعاني ذلك للتفكير حول سؤال ماهية الحياة والغرض الذي وُجدنا من أجله. وعندما وضعت ذلك أمامي على قالب البحوث هذا وجدتني متسائلة عن رسالتي الحياتية، قد لا يكون هذا التساؤل بالجديد فكثير من كتب التمية البشرية تتحدث عن ذلك على مستويات مختلفة. ولكن يتفق أكثرهم على أهمية كتابة الأهداف وربطها بالقيود الزمنية، وعن الالتزام والتكرار، وتحديد الأولويات المهم فالأهم. وما عداها من النصائح المتداولة داخل تلك الكتب، وأذكر جيداً أنني كلما قمت بقراءة أحد تلك الكتب امتلأت بالحماس وبدى لي الأمر سهلاً، إلا أن الحقيقة تختلف، فالحياة أكثر تعقيداً وإن احتجنا إلى مطالعتها من منظور التبسيط. ومنهجية البحث فيها أكثر تعقيداً، فغايتنا أحيانا تكون خارج نطاق الزمن أو المكان، قد نحاول إخضاعها للمنطق ولكنها تظل محكومة بانفعالاتنا الوجدانية، ما يحتاج منّا ربما الكثير من المثابرة والاجتهاد.

      هذا التحدي الذي تخلقه رغبتنا في إيجاد قيمة لحياتنا، هو ما يجعلنا نُسائل أنفسنا، هو ما يحدد ماهية السؤال وكيفيته. قد لا يكون ذلك التحدي طاغياً وواضحاً، فنمضي في حياتنا غير منتبهين، مسارنا هو مسارنا ولكننا عنه ملتهيين، لا يعني ذلك أننا نفقد القيمة، ولكنّا ربما نفقد لذة الإحساس بتلك القيمة. كثيرة هي المحطات التي توقفت فيها مع نفسي بحثاً عن تلك القيمة، بحثاً عن ذاتي. من أنا؟ كان سؤالاً سألته لنفسي قبل فترة طويلة، أدركته حين بدأت اختبار الكتابة، فكنت أجد فيها شيئاً مني، كانت طريقي لمعرفة ذاتي، فأجدني أكتب لأقرأني. تساؤلي عن نفسي كان منطلقاً من ارتباك داخلي، فملامح الطريق أمامي لم تكن واضحة لي، ربما لانشغالي بأشياء عديدة لم أستطع أن أميز بينها وقتها. تلك الأنا التي أسائلها هي كل ما قد تكون لأكون، فأراني أستنطقها عن حقيقتها، رغباتها، وغاياتها، وعن هواها. فهي متغيرة بتغير حوادث الحياة، ولم أكن لأدرك هذا التغيير مالم أختبره، مالم أتساءل، فانعكاس صورنا عادة لا يعطينا الحقيقة ولكن يعطينا تصورنا لتلك الحقيقة، ومالم نُنقب داخل ذواتنا لن ندرك كنهها.

      والتنقيب في دواخلنا، هو ضرب من ضروب البحث أيضاً، قد لا نجد له منهجية محددة، فرحلة كلٍ منّا داخل ذاته فريدة تختلف عن تلك التي يخوضها الآخرون. إلا أننا جميعاً نحتاج لجرعة من الشك زاداً لتلك الرحلة، نحتاج لدكِ حصن اليقين الذي يزين لنا من نكون، لدك ذلك التصور الافتراضي عن أنفسنا، والذي ينفضح عند الأزمات. لا يعني ذلك أننا نُخادع أنفسنا، لا، ولكننا نتجاهل أهمية التوقف مع الذات. قد لا ندرك المتغيرات من حولنا، ما تضعه علينا من أثر تراكمي لا نلحظه، حتي إذا انتبهنا لأنفسنا وجدنا أننا بعيدون جداً عن من نكون، أو من نتصور أننا نكون. قد نندهش لكم التغيير الذي أصابنا، وحينها تشُق علينا المراجعة. لذا وجدتني في أكثر حالاتي متسائلة من أنا؟ تساؤل لن ينتهي، ورغم أنه تساؤل عام وفضفاض، إلا أنه نقطة انطلاق، نحو مساحة من التنقيب عن الذات، رحلة ليست من الشك إلي اليقين، ولكنها العكس. فكان شكي يبدأ بوجودي من أنا؟ ولماذا أنا؟ إعادة هيكلة لما هو لي، وإعادة تشكيل وبناء لمن هي أنا.

      كان سؤالاً، وكانت محاولة قراءة الإجابة، تخلق في داخلي مواجهة مستمرة بيني ونفسي، تحدي يجعلني أحياناً أكثر قرباً مني، ويأخذني أحياناً إلي مسافات بعيدة أحتاج معها إلي ترتيب خطواتي من جديد. هذا الشد والجذب، تناغم حياتي أجد فيه الكثير من المتعة. لن أستطيع يوماً القول بأنني أدركت حقيقتي الكاملة، لا أعتقد ذلك، ولكن جمال الرحلة هو ذلك الإحساس الذي نختبره كلما اكتشفنا شيء ما عنّا، فهي طريق أدرك كل يوم من خلاله أن شكي هو حقيقتي لا خوف.

عن سارة النور

mm
سودانية بحب هى أنا .. طبيبة محبة للحروف .. ومابين سماعتى وقلمى أتوه .. متفائلة حد الأمل ما وُجِد له حد .. باحثة عني ولعلي إذ أكتب فإننى أكتب لأعرفنى أكثر .