حيوات ضائعة

11091514_368045853390900_6577372753702456740_n

مأمون الجاك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

(1)

حياتك معطوبة ، بالية ، لا يمكنني إصلاحها – يقول ذلك بلامبالاة غير عابئ بتوسلاتي – : ألقِ بها ، لا يهم أين ، إرمها في مكب قمامة أو قم بطيها عدة مرات وضعها في صندوق ذهبي أو اقذفها في البحر ، لافرق ، المهم أن تتخلص منها . أُخبره بأنني قضيت عمراً طويلاً في تكوين هذه الحياة ، كل هؤلاء الأصدقاء ، هذه العلاقات والذكريات لا يمكنني الاستغناء عنها ، بدونها أنا لا شيء، وأنني جئت إليه لأنه بارع في عمله . نعم ، ولكن ليس حياة كهذه ، وماذا يعني كل هذا ؟ – يقاطعني بعصبية – : جميع هذه الحيوات التي تراها أمامك الآن ملقاة على طاولتي بلا حراك كانت ذات يوم جميلة ورائعة ولكنها الآن غير ذات نفع .

أُمعن النظر في أشكال الحياة المنثورة أمامي ، حيوات زاهية وبهية حتى أنني تمنيت أن أمتلك إحداها ، ” لو كانت جيدة لما تخلى عنها أصحابها ، لا تلتقطها ، لا تنخدع بسطحها الخارجي ، بائسة هي في أعماقها ” يقول محذراً إياي ومتململاً من إزعاجي له : أنظر إلي أنا الذي لم أستطع الانفصال عن حياتي في اللحظة المناسبة ، صرت حبيساً لها وسأظل حتى أفنى ، لا عمل لي سوى إسداء النصائح أما أنت أيها الشاب فما زلت قادرا على ذلك ، لديك الشجاعة والوقت ، لا تقع في فخ البحث عن الذات أو المعنى فلا ذات ولا معنى ، لماذا تريد أن تعرف من أنت طالما يمكنك أن تكون الآخر . أحمل حياتي – أنوء تحت ذلك الحمل – وأخرج . *** مساء أمس هبت ريح عاصفة ، فكرت في أن هذا الجو مناسب للنخلص من حياتي ، وفي هدوء لملمتها ورتبتها كأنها تخص شخصاً آخر ، فتحت النافذة ورميتها ، شعرت باطمئنان غريب وراحة لا يمكن وصفها وأنا أشاهد حياتي تبتعد عني .. ثم واصلت حياتي .

(2)

استيقظ غ . س ذات يوم – بعبارة أكثر دقة انطفأ هاتفه الذكي – فوجد أنه لا شئ ، وعندما بدأ يتعرف على ذاته أدرك وقتها مشقة التعرف على اللاشئ ، كان يخشى دوماً الالتفات الى الوراء ، يخاف من مواجهة الخواء العريض في حياته ، لكن حين استدار الان للمرة الأولى منذ سنوات بعيدة رأى حائطاً ضخماً يحول بينه وبين ماضيه … ” من المستحيل أن أكون قد قضيت حياتي كلها دون أن أفعل شيئاً ما ” قال لنفسه . قرر عندئذ أن يتوقف عن متابعة مسار حياته الأفقي وأن يتسلق ذلك الجدار لكي يكتشف ما يحجبه عنه ، وعبر الفجوات الصغيرة والنادرة التي صادفها خلال سنوات صعوده للجدار شاهد صوراً باهتة له عندما كان شيئاً – أحس بالسعادة لأنه ليس شيئاً ينقضي عمره بسرعة ، يملأ لحظاته بأفعال كثيرة ويظل فارغاً من الداخل – أما الصور الضبابية والمشوشة لأيام كان فيها إنساناً فلم يعاوده الحنين لها لظنه بأنها تخص كائناً آخر – مرة أخرى شعر بالامتنان لعدم كونه ذلك الكائن السائرة حياته ببطء حلزوني – فجأةً تذكر أنه لم يقابل شيئاً أو حتى ” لا شيئاً ” يشبهه طوال فترة تقدمه طولًا وعرضاً داخل هذه الشبكة ، أصابته هذه الخاطرة المزعجة بما عجز عنه الارتفاع اللانهائي للجدار – باليأس – فحاول أن ينتحر ولكن أي فناء بعد اللاشئ ؟ وبعد مرور عدة قرون – أي بما يكفي لامتلاء بطارية الهاتف – وصل غ .س الى قمة الجدار وكاد أن يعرف اللامعنى الكامن وراء وجوده – أو لا وجوده – ، لكن الأوان كان قد فات على كل ذلك ، فقد عاد الى حالته الطبيعية ، إنه الآن مجرد حساب فيسبوك .

(3)

بعد حياة طويلة من الاذعان الأبدي لكل ما يحصل له واللامبالاة الدائمة إزاء ما يقال عنه ، قرر هذا العجوز – لسوء حظي وقلة بخت بقية الركاب – أن يعترض وأن تكون له ردة فعل حتى تجاه شيء سخيف في نظرنا نحن ، من لم نأخذ حصتنا الكافية من الرضوخ بعد .. لو أنني ركبت حافلة أخرى لما اضطررت لسماع كل هذه الضجة الفارغة – ولكن نقاشات الحافلات تتشابه – وهذه على علاتها أفضل من أخرى بها مذياع يبث أغاني تافهة ، ولو أن عطراً نسائياً تسلل إلى أنف ذلك الشاب المتعجرف لما رد على العجوز بنبرة وقحة وتهكمية ، وربما اشتركت في الحديث عليا أحظى بنظرة إعجاب … ولكن أياً من هذا لم يحدث . فكرت في جو الحافلة المزعج وكونه يمثل اختباراً حقيقياً للحكم على جودة أي قصة قصيرة ، فالقصة الجيدة تستطيع أن تنتزعك من الصخب المبثوث حولك ، تتملك جميع حواسك ويتلاشى عند قراءتها أي ارتباط بالواقع ، أفضل القصص قرأتها أثناء ترحال ما : ” رسالة الى ايلين ” و ” عينا كلب أزرق ” ، رسخت في ذاكرتي بشعور غريب ، إحساس الراكض بسرعة ويشعر بطمأنينة وتوتر في الوقت ذاته ، نبضات قلبه تسابق الواحدة الأخرى ومع ذلك تغمره السكينة ، أعادني صياح السائق لموقعي الحقيقي في الزمان والمكان : وهل تتوقف الحياة على جنيه واحد ؟ قال مخاطباً العجوز المستمر في جداله العقيم طوال تلك الفترة . اللعنة على الزمن الداخلي ، ما حسبته نقاشاً تافهاً ومعاداً اتخذ منحى عميقاً وعبثياً في آن واحد . إن الرب – سواءً كان حقيقة أو وهماً – يخطر ببالي أكثر مما يخطر على بال قسيس ، يجئ ويذهب ، يتجلى حيناً ويختل نظام الكون أحياناً كثيرة ، وقلت لنفسي إنه يشبه ذلك الذي يلقي نكتة ثم يضحك عليه وحده – ما وجه الشبه ؟ – ، العبث في العقول لا الأجساد، في المقول لا الأفعال ، نجيب محفوظ لم يفهم العبث جيداً ، تشابه عليه البقر فظن اللهو عبثاً وكلام المساطيل رواية عبثية ، دائما أنقذته أفكاره وآرائه السياسية التي يوزعها في أعماله هنا وهناك – رغم بساطتها ووضوحها – أخرجني صوت العجوز مرة أخرى من متاهتي : لكننا نعيش تحت سلطة حكومة ، تحدد كل شيء ، ولا يمكن لأمثالك استغلال حوجة الناس ، لم نعد نحيا في غابة . ظننت أن أحدهم سيقوم بتذكيره بلا شرعية الحكومة وأن النظام انقلابي ومستبد ، وأنه في الحقيقة يعيش في غابة إلا أن أحداً منهم لم يتذكر ذلك ، أخذوا يرددون عبارات التسليم المبتذلة : القانون لا يلزم السائق بشيء، أنت تضيع وقتنا … قهقهت وأنا أتمتم بمقولة جورج أورويل الكاذبة : ان كان ثمة من أمل فالأمل في عامة الشعب ، لن يثوروا حتى يعوا ولن يعوا حتى يثوروا . حتى وينستون سميث أدرك خطأ فرضيته وأحب الأخ الأكبر في النهاية . أفضل مافي الأمور السيئة أنه يمكنك الإعتياد عليها والعكس في حالة الأمور الجيدة كالجنة مثلاً ، ها قد عدت للرب وما ورائياته ، نجيب محفوظ قال : اذا أردت أن تضحك من قلبك حقاً فانظر إلى الدنيا من فوق – الآن تذكرت وجه الشبه – لا بد أن الرب أصيب بخيبة أمل كبيرة بعد أن رأى أن كل هذه المخلوقات لم تنقذه من وحدته ، ولم تقض على ملله الأزلي ، أين الشيطان من كل هذا ؟ ، وهل عرف نجيب محفوظ بأن بعض رواياته مضجرة وباعثة للسأم ؟ وأنك اذا أردت أن تضحك من قلبك فعليك أن تستمع لأحاديث ركاب الحافلات . وعندما نزل العجوز ، أدركت عبثية العالم ، إننا لا نستطيع تحمل بعضنا البعض خلال رحلة قصيرة كهذه فكيف نطيق الآخر في الرحلة القصيرة الطويلة المسماة – زوراً وبهتاناً – الحياة .

عن مأمون الجاك

mm
كاتب من السودان

أضف تعليقاً