الرئيسية / احدث التدوينات / خاص : حوار مع الروائي العراقي حميد الربيعي*

خاص : حوار مع الروائي العراقي حميد الربيعي*

16804206_929169463887241_1388905925107552316_o

 “التاريخ هو.. اللعنة التي تركب الناس وتجعلهم يدورون في وطئتها”

يعد الكاتب حميد الربيعي واحدًا من الوجوه الثقافية الفاعلة في المشهد العراقي، و لقد صدرت له 5  روايات أخرها رواية “أحمر حانة عن دار صفصافة إضافة إلى مجموعتين قصصيتين بالتوازن مع اشتغاله بالصحافة الثقافية سواء كمحرر أو عبر نشر مقالات نقدية ثقافية

تستند رؤيته النقدية الإبداعية للواقع الذي يعيشه حميد على اللغة في المقام باعتبارها “رحمًا” للمعنى وهو ما يجعله يبتعد عن اللغة المستهلكة  و تجنب المباشرة

إضافةً لتوظيف المكان بكل ما يحمله من أرث تاريخي و اجتماعي و سياسي ما يتيح له نقد هذا الإرث من خلال نبش ما مر و يمر به العراق من مآسي الحروب على اختلافها

مجلة جيل جديد تلتقي بالكاتب العراقي حميد الربيعي بمناسبة صدور روايته الجديدة “أحمر حانة”

1_ في روايتك الجديدة يلاحظ القارئ أن المكان في الرواية لم يعد مجرد “فضاء” للأحداث بل أنه صانع لحدث و مساهم أساسي ،بل هو بطل في ” احمر حانة “

قد تعشق المكان مع تفاصيل الحكاية ، حتى يبدو وكأن ثمة أصرة لا فكاك منها في الربط ، وفوق هذا هنالك حيوات تتحرك ، في كل تناقضاتها الحياتية اليومية ، من بؤسها وتعاستها إلى مسراتها وأفراحها ، أنهما معًا يشكلان خليطًا واحدًا اسمه الناس ، الذي يعيش الآن على رقعته وتمر به كل هذه الظروف ، التي تسمعون بها  .

 فلولا المكان لاعتقدت أن ” داعش” لن تنبت في العراق مثلًا ، ربما ستجد لها مأوى آخر ، ولولا المكان  وفضاءه لما شمخ لدينا ” السياب ” وأيضًا لولا المكان لأضحت ” أحمر حانة ” بعيدة عن وهجها ، ذلك الألق الذي اسمه فضاء رحب ، يكلل الجميع ويتيح مجالًا إلى البوح والسرد .

المكان في ” أحمر حانة ” هو الفضاء التي تتحرك به الأحداث ، الشخوص والوقائع وحتى التاريخ ، بالإضافة إلى أن الفضاء في الرواية صار دليلًا سياحيًا في أزقة المدينة وإرثها وحضارتها ، فالمتتبع لسير حركة الأشخاص سيجد أني رسمت ، عبر الأماكن والشوارع ، خارطةً لمدينة بغداد حاليًا .

2_ بدءًا بالعنوان “أحمر حانة “، إعادتك ترتيب أعمدة الرواية، اللغة، توظيف التاريخ الخ  ،هل هو ثقة باللغة في بعدها الذاتي و الموضوعي  أم ثقة بالقارئ باعتباره شريكًا في العميلة الإبداعية ؟؟

لا هذا ولا ذاك ، إنها عملية قائمة على تراكم الخبرة ، التي تتجلى في طريقة اختيار اللغة والشكل المناسب لتدوير الحكاية ، أي حكاية من تلك التي تنمو في الشارع . أن الإطار العام للعملية الإبداعية هي إعادة خلق العالم من جديد  ، وفق رؤية ذاتية ، تعطي معنى وبعدًا للموجودات ، وأيضًا تشتغل فيها المخيلة التي تخلق ما تشاء،  لإزاحة قبح العالم وإحلاله بصور أكثر جمالية وانسجام ، لن تتأتى هذه العملية إلا وفق مران طويل من التمرس في عملية البحث والخلق .

 العالم الواقعي مجرد ،أشخاص يتحركون وربما بدون معنى ، لكن في الرواية نجعل من المجرد نابضًا بالحياة وزاخرًا بصورها ، من هنا يصبح اختيار اللغة التي تساهم مع مدارك القارئ في بلورة وعي جديد ، قابل للتجديد والتأصيل،  في متغيرات حياتنا اليومية المربكة .

3_ استحضرت التاريخ للدلالة على ما يعيشه العراق اليوم في دلالة على فشلنا الاستفادة منه .

استحضرت التاريخ لأقوم بتفكيكه ، أولًا بإزالة القدسية عنه وثانيًا في تسليط الضوء على المتناقضات فيه والتي جلبت لنا على مدى قرون بؤسًا وفقرًا وجوعًا وأخيرًا اقتتال، التاريخ ليس نظيفًا ، مشبعًا بالبراءة ، بل هو اللعنة التي تركب الناس وتجعلهم يدورون في  وطئتها ، ولنا في حياتنا اليومية أمثلة كثيرة …. هل نعدد أم نكتفي بالعام ؟؟

نحن بأمس الحاجة إلى غربلة هذا التاريخ وتنقيته من كل ما علق به من أيقونات وخرافات ومرويات كبرى ، شكلت وعينا بشكل مشوه وجعلت هذه الأمة عاجزة على دخول ركب الحضارة أو أنها مشلولة بما ضوى بائد وخرف  .

العام الماضي كتبت قصة ، خلطت التاريخ القديم بالحديث ووضعتهما في غسالة اتوماتيك  فاختلطت الأحداث مع بعضها وسال حبر اسود مع ورق متهرئ .

نحن بأمس الحاجة لتدوين سرديات جديدة ، يكون محورها الإنسان بذاته وتطلعاته في مركز الاهتمام، ونبذ كل المرويات السابقة ،  التي قادتنا إلى التمزق والاحتراب  ،لا نريد عراقًا يذبح بالسكين ، كما السوري الآن، أو الجزائري قبل بضع سنين ، علينا إعادة قراءة ما مر بنا ورسم أفق لحضارة إنسانية ، و الاندماج في الركب البشري السائر نحو الانعتاق من الخرافة والجهل والتخلف .

4_ الكثير من الشعراء اتجهوا للسرد متخليين عن القصيدة، قراءة الروائي حميد الربيعي هذه التجارب ؟؟

ليس من السهولة أن ألبس جلدين أو ارتدي ثوبين في عز الحر وقائظ الصيف ، لابد من الانتباه أن ذا الباليين مفجوع بأحدهما، الآن أو بعد حين .

الحياة ممتدة أمامنا والجميع يغرف منها ، لكن ليس كل ما تمسكه اليد هو عود ألبان ، ثمة أشياء أصبحت مرتكزات ، منها أن الرواية ليست فن فحسب ، بل هي علم ، وعلم معقد ، تحتاج الدراية والدربة والمثابرة على أنتاج واقعة ، مقنعة ثقافيًا وجماليًا ووعيًا ، وهذه الصفات قد يمتلكها الشاعر في قصائده ، لكنها لا تعني بالضرورة أن تكون تحت يده ، حين يكتب الرواية ، أن كتابة الرواية مثل الدخول في موقعة حربية ، يجب إدارة شؤونها بحنكة وحبكة وإلا فرطت من اليد وصارت كجيش مهزوم .

لا ألوم أحدًا ، حين يتحول من الشعر إلى الرواية ، لكني لا أشجعه، خوفًا عليه من العبارة ” ذو الباليين ضائع ” ، إذا كانت قد عافت نفسه الشعر فليتمضمض في ماء أخر ويترك الساحة ، ثمة ظاهرة أصبحت جلية الآن أن الرواية هي السائدة ولا أتمنى لأحد أن يركب موجة هادرة .

5_ “العراق وطن الشعر” تلك مقولة معروفة ، لكن المتابع للرواية العراقية يلاحظ طفرة كبيرة على مستوى النشر و يلاحظ أيضًا أنها متميزة جدًا خصوصًا  و أنها تحتك بالتفاصيل اليومية العراقية، قراءتك لواقع الرواية العراقية اليوم .

يجب أن يعاد كتابة التاريخ العراقي الحديث انطلاقًا من سؤالك هذا ، فأنت تؤشر بدقة إلى واحدة من أهم مرتكزات الحدث العراقي الجاري الآن ، ذلك أن الشعب هذا فتق جلده وأعلن صرخته ، بالضبط في نفس اليوم التي ادخلوه في لعبة الأمم ، حين زحفت الدبابات الأمريكية إلى بغداد ، لقد كان الشعب وطوال تاريخه الماضي  وعرضه حبيس الخوف والذبح ، لكن استغل الفرصة وقلب الطاولة وأعلن صرخته ، تلك الصرخة التي تفجرت فيها كل الطاقات الحبيسة على مدى قرون ، أولها أو أول الغيث هو العودة إلى السرد ، حكايات ألف ليلة وليلة ،  التي دونت في بغداد وغابت عنها قرون تعود اليوم في أبهى صورها .

لقد التزم الجيل الروائي هذه الحقيقة التاريخية وفجر ينبوع الحكي في كل المجالات وله الحق بان يطالب بإعادة تقيم التاريخ ، بدءًا من انطلاقه .

لأسباب ذاتية وموضوعية استطاعت الرواية العراقية أن تجتاز العقبات بسرعة ، معتمدة على الانفتاح المتاح أمامها والرغبة العارمة لدى كتابها بإزالة المحرمات والخوض في التجربة الإنسانية،  في كل أبعادها وتفصيلاتها،  لهذا تنوعت وتعددت الثيمات ، التي تغرف منها الرواية العراقية  ، حتى أنها خلال سنوات قليلة صارت منافسًا قويًا في ساحة السرد ، إقليميًا وعالميًا .

6_   العنف بمختلف أصنافه عربيًا يتنامى ، هل استطاعت الرواية العربية أن تلتقطه وتنتقده أم  أنها مازالت  بعيدة عما يحصل عربيًا ؟؟

في مقالة لي نشرت ، منذ أيام في الأهرام  عن ثقافة الشارع ، قلت أن الرواية رافقت الربيع العربي وكانت الجنس الأدبي الذي واكب الأحداث،  بعدما أخرجت الرواية من قمقمها في البنى الفوقية لمؤسسة الدولة وتحولت إلى أحضان المجتمع ، فهي ابنة الطبقة الوسطى ، انتقالها هذا قربها مما يجري  ويعتمل في قلوب البشر ، فرصدت الأحداث بشكل جلي ، سواء من خلال سرد السيرة واليوميات أو العمل الروائي الفني .

ثمة أكثر من مستوى تكتب به الرواية العربية ، فهنالك من يكتب عملًا ليلتقط به جائزة ، وهنالك أعمال مباشرة أو فجة تقع ضمن منظور الخطابية  ، وهنالك أيضًا رواية ناضجة بشروطها الفنية وهي الغالبة ، وان كانت غير ظاهرة إعلاميًا ،  لكنها في سوق المطبوعات هي الرائجة ، هذا الصنف الأخير هو الذي واكب الأحداث وعاش هم المواطن باتجاه وجعه من الحالة المعايشة أو باتجاه طموحاته وأمانيه بمستقبل أخر، أكثر إشراقًا.

العنف يأخذ بخناق الناس والبلدان وتتعدد أشكاله وألوانه،  لكنه بالنتيجة له شكل أدبي واحد ، ذلك الذي توارثته الأجيال من ماضيها المظلم ولم يشذب على مر الأيام،  فاستفحل وكبر وبات يجوب البلدان طولًا وعرضًا ومقاومته عمل أخلاقي بالدرجة الأولى .

7_ من المعروف أنك عشت لفترة طويلة خارج العراق، هل قرأنا الآخرون فعلًا أم أن ما يصلهم يخضع لحساباته الخاصة ؟؟ .

إطلاقًا هذا حلم بعيد ، صعب المنال ، لا يوجد لدينا قارئ من الطرف الأخر ، القارئ العادي أو القارئ المختص ، فثقافتنا لم تصل إلى بوابات مدننا ، نحن لنهج رطانة بلغتنا الغير مفهومة ، وجازمًا، على مستوى الأعلام،  ليس لنا بضع أسماء معروفة ، كشخصيات عامة .

ثمة قصور بهذا الصدد في جانبين ، الأول : أن الترجمة باتجاه الآخر ضعيفة أو لا وجود لها ، نادرًا ما سمعنا أن ثمة كتاب من هنا أو هنالك قد ترجم ، بالإضافة إلى نوعية الترجمة وكذلك اللغة التي تتم الترجمة لها ومدى رواجها عالميًا ، من حيث عدد الناطقين بها أو انتشارها .

نحن لا نجيد الترويج  لثقافتنا ، اقصد ليس لدينا شركات متخصصة في التسويق والترويج وتستطيع أن تصل بالمطبوع إلى قارئه ، الخبرة ضعيفة  أو أن عقدة الخواجة قد شلت العمل بهذا المجال .

الجانب الثاني :   مؤسساتنا الرسمية لا تجيد التعامل دبلوماسيًا مع الثقافة والكتاب ، فلم يتناهى لسمعي أن رئيسًا أو وزيرًا عربيًا أهدى كتابًا أو لوحة إلى الأخر ، كي ما ينقل أليه روح وثقافة شعبه .

لسنوات طويلة قادمة وعمل حثيث ، قد يتاح أو لا يتاح ، يجب أن نسعى صوب الوصول إلى الأخر والتعامل معه ثقافيًا .

8_لماذا  رواية السيرة الذاتية  تبدو غائبة ، هل هو الخوف من المكاشفة ؟؟

بالعكس ، أنا أرى رواية السيرة هي الأكثر كتابة من بقية الأساليب السردية وذلك لسهولتها بالنسبة إلى الكاتب وقربها من مساحات البوح المفضي إلى التفاصيل اليومية بالحياة .

لا أعتقد أن أية سيرة تصلح لأن تكون رواية ، فثمة الآلاف من الحكايات المبذولة على الرصيف والتي لا يعار لها أهمية ، إن ما يصلح للرواية هو الحدث المتنامي مع السرد والنابض بالحياة ، عبر شخوص حية وفاعلة .

السيرة تحمل التورية أكثر ما تحمل المكاشفة وذلك لان المثقف العربي عمومًا مازال منغلقًا على ذاته ، خوفًا من الفضيحة الاجتماعية أو المطاردة السياسية ، من النادر أن تجد بوحًا حقيقيًا عبر سيرة ذاتيه ، فهؤلاء قلائل في حياتنا العامة .

لابد من تشجيع مثل هذه محاولات ، من ناحية أنها تفك طلسم النفس البشرية بتعاملها مع الأحداث ، وأيضًا لكون هكذا أدب يكشف لنا هفوات المسئولين ،  ليتاح النظر بهذه القضايا المعقدة ، التي تمر بحياتنا مرور الكرام .

 

ــــــــــــــــــــ

* حميد الربيعي

مواليد : الكوت \ العراق

التخرج : بكالوريوس \ جامعة بغداد

  • عضو اتحاد الادباء .

  • عضو نادي السرد

  • عضو نقابة الصحفيين الوطنيين .

  • عضو جمعية الثقافة للجميع

السيرة الذاتية :

  • مغادرة العراق في عام 1979 وبدء الغربة .

  • احتجاز الأوراق الثبوتية من قبل السفارة العراقية بالكويت في عام 1980

  • محرر في القسم الثقافي في جريدة الوطن \ الكويت – من عام 1981

  • محرر شؤون عربية في مجلة الطليعة \ الكويت – من عام 1983

  • مسئول البيت الثقافي العربي \ فيينا –  من عام 1987

  • مغترب 30 عام ومقيم حاليا في بغداد منذ 6 سنوات

البواكير الاولى : كانت قصص قصيرة في جريدتي التآخي و الراصد عام 1976

الكتب :

1- تل حرمل  – قصص قصيرة .   دار تموز ، عام 2012

2- سفر الثعابين – رواية  .      دار الهمداني ، عام 1987

                         طبعة ثانية . دار تموز، عام  2012

3- تعالى وجع مالك – رواية .   دار الينابيع ، عام 2010

                        طبعة ثانية . دار تموز ، عام 2011

                        طبعة ثالثة. دار امل الجديدة ، عام 2017

4- جدد موته مرتين – رواية . دار فضاءات ،عام 2012

5- دهاليز للموتى – رواية . دار تموز ، عام 2014

6- بيت جني – قصص . دار أمل الجديدة ، عام 2015

7- أحمر حانة – رواية  . دار صفصافة ، عام 2017

 

 

 

عن مبروكة علي

mm
كاتبة من تونس