الرئيسية / احدث التدوينات / خاص : حوار مع الشاعر المترجم السوري أحمد م. أحمد

خاص : حوار مع الشاعر المترجم السوري أحمد م. أحمد

306552_10151266014187628_518091557_n

“لا أرى الإنسان كائنًا نظيفًا”

عرف عن الشاعر و المترجم السوري أحمد.م.أحمد طريقته الخاصة والملفتة ضمن مشروعه الكتابي، حيث يذهب للقبح مباشرة و يسميه باسمه، يُركز عليه ما استطاع، يغوص فيه ليكشف تأثيره على ما حوله، من ثم يترك للكتابة مهمة تحويل هذا التركيز لصورة شعرية متصلة بهذا القبح تخضع لجماليتها الخاصة والمرتبطة بها و به و لهذا اعتناء الشاعر بهذه الناحية يأتي قناعة لهذا الوجود المتساوي بين الجمال و القبح

مجلة “جيل جديد” تلتقي بالشاعر و المترجم السوري أحمد.م.أحمد للحديث عن الشعر و الترجمة

1_تمارس نفورك الإنساني في كتاباتك الشعرية من خلال التركيز على القبيح لخلق صور شعرية تخضع لجماليتها الخاصة بها و بك كشاعر

 

*القبح مادة أولية في الطبيعة والإنسان. لا أرى الإنسان كائنًا نظيفًا، بما أن النظافة إخلاصٌ للطبيعة الأم. والسلوك الفردي والجماعاتيّ في مسيرة الحضارة الإنسانية يتصف بالقبح. ونحن أبناء الحروب والمجاعات وإبادة المدن بالقنبلة النووية، نحن الكائنات الاستهلاكية لمنتجهم السام، ونحن حملة أفكارهم المرتجلة أو إيديولوجياتهم التي تخدم المؤسسة الربحية والقهرية، لذلك نحن سليلو القبح.

من هذا القبح، المادة الأولية لوجودنا، نعيد جَبْلَ الأشياء، ثم صوغَها على هيئة بنات أحلامنا؛ نعرضُ الأصلَ أمامك بكل زنخه وديدانه، وإلى جواره نقدم منتجَنا/ الحلم، التضاد الحادّ، نشيدنا الملحميّ النبيل، كأي نحات يجبل من الطين تمثالًا لفينوس، كأي سائس يخطر له أن يصنع من شعيرات في ذيل حصان ميت أوتار قيثارة. إننا نموت، ولكننا نمنح العالم قبلةً قبل النفس الأخير.

2_ تمارس النقد بطريقتك الخاصة سواءً في كتاباتك الأدبية أو عبر الثرثرات اليومية على صفحتك الفيسبوكية لو نقرأ واقع المثقف السوري في الداخل، كيف يراه أحمد م. أحمد؟

*تحوّل المثقف السوري في الداخل إلى فرد في طاحون على كافة المستويات: تطحنه الحاجة اليومية للخبز والوقود ومقومات حاجاته اليومية، وإلى رقم ينتظر على الحواجز، أو ينتظر سقوط قذيفة من أحد أطراف هذه الحرب الظالمة. أتذكر صديقًا تونسيًا لي كان يسخر مني في أميركا قائلًا: “..أنتم المشرقيون لا تنفعون في أي مشروع تغيير، لأنكم جماعة مشاعر وعواطف، أنتم لن تحرروا الجولان وفلسطين بكلامكم وكتاباتكم، ما تفعلونه أنكم تنتجون الحكي والمشاعر وتصدرونها إلى قارئ العربية..” والحق أن في كلام صديقي (ن) بعض الصحة، فالمثقف السوري، وهو في طاحونه اليومي، يعاني من طاحون آخر في داخله، طاحون ينتج جريش الأفكار والمشاعر، يفتت ذاته في رثائه بلدًا عذبًا أوشك على تحقيق قفزة نوعية في الفن والأدب من وراء السلطة السياسية ومؤسساتها الثقافية المتعفّنة. لكن (الحرب) عاجلته من الوراء هو الآخر ليشهد دمار حلمه وإنسانيته، فتراه الآن يعيش طقوسه المازوشية وهزائمه التي لا تشكل هزائمُ النكبة والنكسة نقطة في بحرها. إننا جيل مهزوم يحتاج إلى العلاج بالصدمات الكهربائية، لكي يشفى من ذاكرته.

3_ خوان خوسيه مياس يرى في الكتابة “فتح للجرح وعلاج له في آن”، الكثيرون يرون أن الواقع السوري “محضنة” مثمرة على مستوى الكتابة والإبداع وأن ما يعيشه السوري سواءً في الخراج أو في سوريا محفز للإبداع.

 

*يروي نجيب محفوظ في “المرايا” عن شخص أراد أن يكون (كاتبًا) أمضى شطرًا من عمره وهو يصنِّع (تجارب حياتية يومية) لعلّها تساعده في الكتابة، لكنه بعد سنوات خرج من هذه التجارب شخصًا ضائع الملامح، لم يصبح كاتبًا، ولم يستطع العودة إلى حياته الطبيعية.

ما أقصده هنا، أننا لا نهوى إلقاء أنفسنا في الموت، أو قبول موت شعبنا، لكي نثمر إبداعًا متميزًا. الحياة الطبيعية بكل تلوناتها وثرائها الطبيعي في هذه البقعة السورية هي محفّز الإبداع الحقيقي، وبلد الـ 7000 سنة يحفل بالتعدد والاختلاف والألوان ما يشكل تربة إبداع متجددة لا تحتاج إلى سماد الحروب؛ وحتى الحروب التي تأتي ضمن سياق تاريخي يفرضه احتلال ما، فإنها تصنع أدبًا عظيمًا، ولو كانت حروبًا خاسرة، وبالتأكيد، انتهت كلّ حروب العرب الأخيرة بالخسارة، وانتهى المثقف بدوره إلى حصد هذه الخسارات. وهنا لا أنسى الأرق الذي عاشه الراحل الكبير سعد الله ونوس وذهول فاتح المدرّس بعد حرب الخليج الأولى.

الإبداع الكبير يأتي في شرط الحرية والأمان والكرامة الإنسانية وحسب.

4_الترجمة “خيانة” خصوصًا لمن كان شاعرًا مثلك أيهما يبدو أكثر حضورًا وأنت تمارس خياناتك، أحمد الشاعر أم أحمد المترجم ؟

 

*في ترجماتي أستحضر باقة غريبة وشديدة التنوع، باقة معرفية متناغمة وشعرية عميقة الحساسية، ترمي أولًا إلى تخيّل معرفة الكاتب الأصليّ ووجدانه، مع الأخذ بالاعتبار تاريخه والمحطات الكبرى في حياته، ثم أحاول لمَّ شمل اللوحة بأكملها، وترجمة هذه اللوحة في داخلي حتى التشبّع. بعد ذلك تأتي اللغة ومجمل الأداء العربي عفوَ الخاطر، بما تحمله من ارتكابات ومن خيانات للأصل، لصالح أصلِ الأصل، أي لصالح ذات وأنفاس الشاعر. وفي كلّ ذلك يحضر أحمد بكل حساسيته ورهافته، تحضر الحالة ذاتها التي أكابدها لدى كتابة نص. لذلك أعتبر معظم ما ترجمتُه جزءًا من تكويني، أعطيته وأعطاني، ونسغ كلٍّ منّا يجري في نصّ الآخر.

5_ لو قرأنا واقع الترجمة بصورة عكسية ونظرنا في الترجمة من العربية للأجنبية، _ لماذا لليوم المؤسسات و دور النشر العربية تركز على ترجمة الأعمال الأجنبية في حين أن ترجمة الأدب العربي “محدودة” على الرغم من الحاجة الملحة وحتى المشاريع التي أنجزت ضمن هذا السياق توقفت أو فشلت ( كمشروع “ذاكرة المتوسط” الأجنبي أو مشروع الهيئة العامة للكتاب للترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى بين عامي 1998 و 2004

 

*ربما كانت الترجمة إلى العربية هي ما يفرضه سوق القراءة في العالم العربي. أنا كقارئ عربيّ، قلّما أشتري كتابًا عربيًا، ربما بسبب إحساس متطرف داخليّ بأن الكاتب العربي لا يقدّم لي شيئًا ذا جدوى، فأعمد إلى اقتناء المترجَم عن لغة لا أتقنها، أو قراءة الآداب الأخرى باللغة الإنكليزية.

أما ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأخرى، فتخضع لمعايير تفرضها أسواق الثقافة هناك، وهي معايير مشكوك في أخلاقيتها، كأن يترجم بلد أوروبي ويحتفي برواية سخيفة كتبتها روائية عربية من الدرجة العاشرة، لمجرد أن خطاب هذه الرواية يتفق مع الأهواء السياسية والثقافية لهذا البلد. كما أن لـ (العلاقات العامة) دورها في تصدير الكاتب العربي، وأيضًا هناك مزاحمة الأسماء المكرسة للأدباء العرب التي تنحي الجدي، هذا الجديد الذي لم تتح له الظروف لأن يُنشر ويوزّع بشكل عادل.

البلدان العربية تخشى من أي مشروع تبادليّ بين الثقافتين العربية والعالمية، فتصديرها لثقافتنا العربية يعني فضح بنى الأنظمة العربية وفسادها وتعريض ثقافتنا اليومية الغيبية التي كرّستها تلك الأنظمة لمجهر الغرب ونقده، إن تبنيها لمشروع ثقافي ناجع يعني أنها تحفر قبرها بأيديها، والأجدى بالنسبة إلى هذه الأنظمة أن تحصر دعمها للثقافة بما يكرّس هيمنتها ويثبت كراسي حكّامها. لن يصفق الحاكم العربي لترجمة أعمال أنثروبولوجية إلى العربية، لكنه يسكت عن ترجمة كاتبين هزيلين مثل باولو كويلو ودان براون.

6_فرانشيسكو غابرييلي، مترجم ألف ليلة وليلة الذي كان يمتنع عن ترجمة الأعمال الروائية العربية، كان يقول: “على العرب أن ينتظروا حتى يظهر من بينهم روائي في قامة تولستوي حتى يمكن ترجمتهم إلى اللغات الأوروبية”

من منطلق هذا القول، هل قرأ الغرب العرب في نظر أحمد. م أحمد الكاتب والمترجم، أم أن ما يتم ترجمته اليوم من العربية للغات أخرى خاضع “لشروط” أصحاب هذه اللغات ؟؟

 

*في إجابتي أعلاه جزء من الإجابة على هذا السؤال. لكنني أضيف: بالرغم من أن معظم ما يكتبه العرب الآن لا يروي ذائقتي، إلا أنني أعترف من خلال ترجمتي لشعراء وروائيين عديدين من العالم بأن هناك تجارب شعرية وروائية عربية تتفوق على أسماء أميركية وأوروبية كثيرة؛ لن أذكر أسماء من الأجيال السابقة، بل سأذكر أبناء جيلي، سأذكر بأن الشعراء إياد حمودة، جلال الأحمدي، محمد المطرود، محمد علي اليوسفي وآخرين هم أهم من الأميركيين و. س. ميروين، و لويز غليك وحتى لانغستون هيوز الذين فازوا بجوائز بوليتزر، وبجائزة الكتاب على مستوى أميركا وألقاب (أمير الشعراء) هناك. هناك معايير وأهواء في كلٍّ من هذه الثقافات الغربية، وهي المعايير ذاتها التي تفاجئنا بترجمة روائيين عاديين مثل علاء الأسواني وسمر يزبك، وتناسي روائي مثل حيدر حيدر وفواز حداد وهاني الراهب. إنها الأهواء، هذه الأهواء التي قد تكون شخصية في بعض الأحيان، كأن يترجَم شاعر عربي بسيط إلى اللغة اليونانية لأنه يعيش في آثينا، مثلًا!

7_ أحمد م. أحمد الشاعر و المترجم وصاحب دار الناشر الذي يعيش قلب الجحيم، هل ما زال يرى من جدوى للكتابة اليوم في ظل كل التوحش الذي يعيشه؟

 

*الكتابة، والفن عمومًا، فعالية منزهة عن الأغراض. الفن مثل لَعِبِ الأطفال. والكاتب (المهندس) لا يلقى القبول لدى القارئ العربي بنفس القدر الذي يلقاه كاتب ذو وجدان متدفق. بذلك، رغم سواد اللوحة من حولنا، ورغم السوداوية التي تعتصر أرواحنا، أرى أن ثمة جدوى أولى للكتابة متمثلة في علاج الكاتب أولًا. دائمًا أقول، “لولا الكتابة والترجمة لكنتُ في الدار الآخرة، أو في مصح عقليّ في أحسن الأحوال”.

العرب، والمسلمون، أمة غير قارئة الآن. فوفق إحصائيات الأمم المتحدة، لا يتجاوز معدل قراءة العربيّ سطرين في السنة، بينما يبلغ متوسط قراءة الأوروبي 2000 صفحة. مع ذلك، لا نزال ننشر ونحتفي بالكتاب، ويحضر الكاتب مخطوطًا آخر للنشر، ويُقام حفل توقيع للكتاب يحضره عشرات.. نعم عشرات وليس مئات. نشعر أحيانًا، نحن الناشرين والكتّاب والقراء، بأننا دونكيشوتات، واهمون، مجانين، لكننا نقول في دواخلنا: باقون في هذا البلد حتى آخر رغيف، وباقون في الكتابة والنشر حتى آخر قارئ.

8_ باعتبارك صاحب دار نشر، ثمة رأي متداول اليوم عن الاستسهال الكتابي وتسرع” يمارسه البعض في النشر؟

 

*خذي هذا الاعتراف المؤلم: نشرتُ في الدار ما يزيد على 1000 عنوان، أحسب أن ما يستحق القراءة منها لا يتجاوز الخمسين؛ ولو وافقتُ على نشر كلّ ما يُعرض عليّ لبلغت منشوراتنا الـ 5000 . وهذا طبيعي في مجتمعاتنا العربية التي لا يوجد فيها دورية واحدة لمراجعة الكتب وتصنيف جدارتها، ولا يوجد نقد نظيف، ولا مؤسسة حكومية تفرز الغثّ والركيك وتشير إلى مكامن الضعف فيه، بل، كأن هناك نوعًا من تشجيع الكتابة السطحية، كما يفعل اتحاد الكتاب العرب في دمشق، الذي يضع ختم موافقته على نشر عمل أدبي شريطة أن يتجنب كاتبه الخوض في السياسة والجنس والدين.

9_ دائمًا ما تثير الجوائز الأدبية العربية الكثير من الحبر و النقد ؟؟

 

*أولي الأمر على الشعوب العربية يشبهون هذه الشعوب بمعنى ما؛ وبمعنى ما، يشبه القيّمون على الجوائز أولياء أمورهم، لذلك تتبع الجوائزُ الأهواءَ، ولذلك أيضًا تأتي الردود على الأعمال الفائزة وغير الفائزة وفق الأهواء. الأمر يشبه أهواء أصدقائي الـ 5000 على الفيسبوك: لكلّ منهم رأيه المختلف عن الآخر، بل لكل منهم خمسة أراء متناقضة في قضايا تكاد تكون متطابقة. ولأعترف بأنني مثل هؤلاء الأصدقاء، وبأنني سأهلل لفوز صديق لي، وأسعد لوصول عمل من منشوراتي إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر، وأسكت أحيانًا عن إطراءٍ نقدي فضفاض لشاعر هزيل من معارفي.

هذه أمة لا أمل منها، إلا بعد ثورة ثقافية تحفر مجراها ببطء، لكن بعمق، لكي يكون أحفادنا، وأحفادي، أقل منّا تأثرًا بـ (الأهواء) سالفة الذكر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد م. أحمد:

-كاتب ومترجم وناشر.

-من مواليد سوريا 1965.

-خريج كليّة الآداب والعلوم الإنسانية، قسم اللغة الإنكليزية، جامعة دمشق.

-صاحب ومدير دار أرواد للطباعة والنشر بطرطوس.

-مقيم بين سوريا والولايات المتحدة، ولاية كارولاينا الشمالية، منذ سنة 2000.

الكتب المترجمة:

* رجل في الظلام، رواية ، بول أوستر ـ دار الآداب 2010

* العالم لا ينتهي، تشارلز سيميك ـ الهيئة العامة السورية للكتاب 2010

* قصائد مختارة، تشارلز سيميك ـ أرواد للطباعة والنشر ـ 2011

* الحياة مسدس محشو يحدق فيك بعين صفراء ـ بيلي كولينز ـ 2011

* لعلّ الخريف هو اللحد ـ روبرت بلاي ـ 2011

* حافة البياض ، بول أوستر ـ 2014

* مع بورخيس، ألبرتو مانغويل، دار الساقي 2015

*المكتبة في الليل، ألبرتو مانغويل، دار الساقي 2015

*”ذلك الشيء الصغير”، و “رجل التبديات”: كتابان لـ تشارلز سيميك. الإمارات العربية المتحدة

* العديد من الكتب المترجمة قيد الطبع.

الكتب المؤلفة:

* “جمجمة الوقت”، قصص 1993

* “أحرق سفنه إلا نعشًا”، نصوص 2014

بالإضافة إلى العديد من المقالات واللقاءات والقصص والدراسات والمواد المترجمة المنشورة في الصحف والمجلات العربية.

عن مبروكة علي

mm
كاتبة من تونس

أضف تعليقاً