الرئيسية / احدث التدوينات / خاص: حِوار مع الكاتب الصَّحفي والرِّوائي وأمين عام اتِّحاد الكُتَّاب السُّودانيين/ عُثمان شِنقِر عن راهِن الأدب في السودان

خاص: حِوار مع الكاتب الصَّحفي والرِّوائي وأمين عام اتِّحاد الكُتَّاب السُّودانيين/ عُثمان شِنقِر عن راهِن الأدب في السودان

شنقر

أجرى الحوار: موافي يوسف

        وعثمان الشيخ

  • بدءاً، أنت قاص وروائي وكاتب مقالة وناقد أيضاً. لماذا كل هذه التحولات؟ أم هو قلق الكتابة؟ وبأيهم بدأت وما مدى التقارب بينهما ؟

     أنا قبل الكتابة في المقالة أو في النقد أو القصة أو الرواية، أنا قبل ذلك صحفي. باعتبار أن الصحافة مهنتي التي أنتمي إليها وعالمي الذي أحس بأنني قريب منه، وهو ما أسهم لاحقاً في تماساتي مع الكتابة في مختلف مستوياتها. وإن كنت قد بدأت في كتابة القصة القصيرة في وقت باكر تحديداً في المرحلة الثانوية في مدرسة وادي سيدنا الثانوية. هذا التعدد في الكتابة هو جزء من حمل هموم كثيرة في وقت واحد. وأنا لا أستطيع أن أطلق على نفسي صفة ناقد، ولكن هو جزء من همومي أن أكتب وأن أتناول الأعمال الأدبية والأعمال الفنية، ربما من وجهة نظر الناقد ولكنني أتعامل معها من وجهة نظر الصحفي المتابع والمراقب، ولا أمتلك جرأة أن أسمي نفسي ناقداً. كتابة القصة والرواية تختلف طبعاً كثيراً باعتبار أنها مُدرَجة ضمن الفنون الكتابية الإبداعية، لكن العمود الصحفي والمقالة لا تعدو أن تكون غير المتابعة اليومية للأحداث والقضايا. هذا التعدد إذن ليس خصماً، على ما يبدو لي، على التجربة بقدر ما هو إضافة. ويمكننا القول أنه نابع عن فكرة ممارسة الصحافة، بميزتها التي تنفتح على قطاعات كبيرة جداً من المجتمع، وتهم بقضايا كثيرة جداً، إقتصادية وسياسية وإجتماعية وغيرها.

  • ماذا عن منتوجاتك الأدبية، المنشور منها، وما هو مخبوء؟

    كل حصيلتي في الضروب التي ذكرناها، لا تتجاوز الكتابين، مجموعة قصصية (ثلاثتهم دهاقنة حرباوات لدنة خضراء برائحة تعبُق) صدرت من دار عزة للنشر عام 2009، ورواية (ذكرى حروب قادمة)، الصادرة من دار المصوّرات للنشر عام 2015، لدي كذلك أعمال مخطوطة أخرى لم تُنشر بعد، منها مجموعات قصصية وأكثر من رواية.

  • المتابع لمشروعك الكتابي بمختلف ضروبه يجد أن السخرية سمة بارزة، للحد الذي يمكننا من القول أن عثمان شنقر كاتب ساخر. ما قولُك؟

     هذه إنتباهة بالنسبة لي، صراحةً لم أنتبه لها في كتاباتي بشكل عام، وإن كانت أمر مشروع في وجوده. فيما يتعلق بالسخرية أو الطُرفة أو الأدب الذي تحدث فيه مُفارقات، يروقني كثيراً. إذا كتبت نصوص في هذا السياق، فأنا لا أزعم بأنني قد انتبهتُ إليها أو كتبتها عن قصد ووعي مُسبَق.

  • إذن إلى أي حد يُعوَّل على السخرية في المعالجة الأدبية؟

     السخرية واحدة من الأدوات، سواء أكانت في الأدب أو المسرح أو في الدراما، حتى في المقال الصحفي. إذا أخذنا مثلاً أدب شكسبير وتشيخوف وغوغول نجد أن السخرية أو الطرافة واحدة من أساليب معالجة القضايا.

  • (التجريب) هو السمة الأساسية التي يمكن أن نصف بها مشروعك الكتابي، ما مدى قرب أو بعد هذه السمة من الحقيقة؟

     التجريب في الكتابة بشكل عام، هو أمر مطلوب، سواء كان في القصة أو الرواية أو في الشعر أو في كل جوانب الفنون الأخرى، على مستوى المبدأ  وعلى المستوى المفهومي للإبداع والخلق بشكل عام، باعتبار أن ما تردَّم أو ما كُتِب، أنت بالضرورة إن لم تتجاوزه، يجب أن تكتب ما هو مختلف عنه. وأن تكتب ما هو مختلف هو سؤال كيفية: كيف تكتُب ما هو مختلف؟ قديماً قال عنترة: هل غادر الشعراء من متردَّمٍ؟ صراحة هذا الشاعر الجاهلي سبقته عقود وعصور من الشعر وكان لا يظن أن هناك شعر سيأتي بعد ذلك. فيما يتعلّق بكتابتي وتحديداً في كتابة القصة والرواية، انتبهت إلى أن الكتابة تحتاج إلى تعدد مستوياتها في السرد، سواء كان من خلال تعدد الرواة، سواء كان من استخدام تكنيك أو أساليب وطرائق مختلفة: من ضمنها الفلاش باك، وحتى الهذيان و التداعي الحُر. إذن تعدد الأساليب وتعدد الرواة يكسب الرواية والقصة الطويلة جداً نمط من الجِّدة، وإذا أخذنا بموسم الهجرة إلى الشمال، نجد الراوي ومحيميد ومصطفى سعيد نفسه يتحدّث. أنا أتمنى أن يكون التجريب تجريباً موفقاً، لأنه ومن باب التجريب فقط، لا بد أن يستند على أساس وجذر قوي في الكتابة أو في المعرفة النقدية، لن يحقق جدة أو طرافة أو حتى استمرارية للمشروع.

  • عوالمك القصصية وفضاؤك السردي في مجموعتك (ثلاثتهم دهاقنة حَرباوات لدنة خضراء برائحةٍ تعبُق) مثلاً، وإذا أخذنا معها روايتك (ذكرى حروب قادمة)، يمكن أن توصف بأنها كتابة واقعية، تعالج المُشاهَد والمحكي واليومي أكثر من المُتخيَّل، ما مدى صحة هذا الزَّعم؟

     أي كتابة في القصة هي بالضرورة تنطلق من واقع. واقع افتراضي، واقع واقعي، لكن هذا لا يعني أنّ هذه القصص لها تحقّق في الواقع المادي. فكل ما يُكتب في القصص، فيما أكتبه أنا ويكتبه الآخرون، لديه إسقاط في الواقع، ولديه تقاطعات وتلامُس مع الواقع المُعاش، ولكن لا يعدو أن يكون بناء في واقع افتراضي آخَر، وهو الواقِع الأدبي، والذي يبني علاقاته ووشائجه داخل النَّص الأدبي.

  • القارئ لروايتك (ذكرى حروب قادمة)، يجد فيها أبعاد شتى، من سخرية الفرد اللاذعة المتمثلة في شخصية الطاهر منصور بطل الرواية، مروراً بقضايا النزوح والحرب، ومشكلة الجنوب، وتفاهة الفرد والمجتمع، بل ويمكن القول أنك بذكاء غصت في أبعاد سيكلوجية عميقة في شخوص هذه الرواية، مما نتج عن ذلك غموض في الشخصيات والمواقف، ثم لحظة انفجار لكل شيء. هل تتماهى مع هذه القراءة؟

     نعم أتفق مع هذه القراءة، وأعتقد أن (ذكرى حروب قادمة)، تريد أن تقول أكثر من شيء، تريد أن تقول أولاً أن الحرب أمر باهظ التكلفة على كافة المستويات، وأن الأمر ليس لُعبة، يلعبها السياسيون أو الجنرالات. واحدة من الأشياء التي اهتممت بها في هذه الرواية، اختبار قيم محددة، أو علاقات محددة في واقع استثنائي، حاولتُ أن أختبر عِلاقة الصداقة بين ثلاثة أشخاص، داخل واقع استثنائي هو واقع الحرب. الصداقة في الواقع العادي والطبيعي، يمكن لها أن تتطوّر ويمكن أن تحدث فيها المشكلات هكذا من سوء فهم وغيره، هذا في الواقع الطبيعي. لكن في الواقع الاستثنائي، وهو واقع الحرب، فنحتاج لاختبار آخر، فحاولتُ اختبار عِلاقة هذه الصداقة في ثلاثة أشخاص هم الطاهر منصور، وبشير الشافعي، وحامد المِسيكتابي، كان هذا واحداً من همومي.
الأمر الثاني هو العلاقة بين الشمالي والجنوبي، المُختلف عنك. في النهاية كلهم، سواء كان من في الغرب أو الجنوب وغيره، واقعين تحت سطوة قوة أقوى منهم: سطوة الحرب أو السلطة القاهرة، سطوة الموت وما إلى ذلك.

      الأمر الأخير، أردتُ أن أقول أنَّنا لم نكتُب عن الحرب في السودان، ولم نتوفر على ما يمكن أن نُطلِق عليه (أدب الحرب). والحرب واحدة من المؤثرات الكبيرة في السياسة، والاقتصاد، والعِلاقات الاجتماعية وغير ذلك، ونحنُ نتحدث عن حرب طويلة، بدأت من عام 1955م ولم تنتهي إلى في اتفاقية أديس أبابا في العام 1972م، حيثُ استمرت هُدنة حتى عام 1982م بعد توقيع الرئيس جعفر نميري لهذه الاتفاقية، وعادت منذ عام 1983م وحتى عام 2005م . فهذه إذن من أطول الحُروب في المنطِقة، تأثّر بها الناس والمجتمع. لكن، ما انتبهتُ لهُ أنَّ الكُتَّاب والأُدباء لم يتوقّفوا عند هذه القضيةِ إلا مُؤخراً.

  • العمل في الصحافة. ماذا عن ورطة البدايات ومجالك الأصل؟

      درست بدايةً الاقتصاد، ثم حوّلت المجال لعلم الاجتماع والمحاسبة بجامعة أمدرمان الاسلامية، درستُ عامين، وعند السنة الثالثة حوّلت لقسم الإعلام والإحصاء التطبيقي. دخولي للصحافة تمّ بمحض الصدفة، كنتُ أكتب القصة منذ الثانوي وحتى دخولي للجامعة، وتحديداً في نهاية العام الأول من الجامعة كنت أرسل القصص للصحيفة عبر صندوق البريد، تحديداً صحيفة (السودان الحديث) وقتها. وأحياناً أُسلِّم القصة في مقر الصحيفة. في يوم من الأيام، أوقفني موظف الاستقبال وقال لي أن المُشرِف على الملف الثقافي يُريدُك. وأنا أعرف الرجل من اسمه فقط، الأستاذ (عادل عبد الرحمن عمر). فذهبتُ إليه، وطلب مني أن أكون مُحرِّراً معه في القسم الثقافي. إذن هذا هو الرجل الذي أورطني في العمل بالصَّحافة.

  • الصحافة الثقافية، هل يمكن أن نقول أَّنَّ هنالك ثمَّة حرب عليها من قِبَل الناشرين؟ أم ليس لها ما تُقدِّمهُ؟

      أنا أعتقد أنّ الناشرين ورؤساء التحرير لديهم سوء فهم مغلوط عن ماهية الصحافة الثقافية. تاريخياً الصحافة الثقافية والصحافة الأدبية هي أسبَق حتى من الصحافة السياسية نفسها، وأسبق حتى من تكوين الأحزاب السياسية في السودان. إذن صحافتنا في السودان بدأت أدبيَّة ابتداءاً منذُ عرفات محمد عبد الله وجيل عشري الصِّديق. في ذلك الوقت لم تكن هناك صحافة سياسية شاملة، كانت هناك فقط صحافة أدبيَّة. وقد بدأها الجيل الأول، جيل مطلَع القرن، تحديداً عام 1912م، وصولاً إلى معاوية نور والآخرين، فكان من باب أولى أن نَعلِي من شأن الصحافة الأدبية والثقافية في ممارستنا للصحافة، الصحافة السياسية عملياً ظهرت في السودان بعد فترة الثلاثينيات.
      سوء الفهم المغلوط هذا بالنسبة للناشرين ورؤساء التحرير فيه مستويين، المستوى الأول: أنهم يعتقدون أنَّ الملف الثقافي إنما هو عِبء على الصحيفة. والشواهد تشهد بأنّ يوم صدور الملف الثقافي بالصحيفة هو اليوم الأعلى توزيعاً للصحيفة، ويمكن أن أعطيك أمثلة كثيرة على ذلك. المستوى الثاني: هو أنّ رؤساء التحرير أنفسهم، نجد أغلبهم، ليسوا بمُطّلعين، لا أقصد بذلك الكتب فحسب، بل حتى أنهم لا يطّلعون على الصحف نفسها التي يصدرونها! ولا يليقُ بنا أن نطالبهم بأن يكونوا مثقفين، أو يكونوا علماء ومفكرين وما إلى ذلك. لكن نطالبهم فقط بأن يكونوا صحفيين مِهنيين بمقدورهم إدارة هذه الصحف وفقاً لرُؤية أو لفِكر مُحدَّد. أيضاً نأخذ بعين الاعتبار المحرِّر الثقافي، حيث نجد هو نفسه جزء من المشكلة، كيف ذلك؟ طيب، المحرر الثقافي في الأساس هو ذات نفسه كاتب، ويأتي إلى مهنة اسمها الصحافة ولها أشراط وأعراف وتقاليد، ولا يمتلك أدوات هذه المهنة. إذن عدم تأهيل المحرر الثقافي هو واحد من أسباب هذه المشكلة. عليه يجب أن يكون المحرر في الأساس مؤهلاً صحافياً، ثم بعد ذلك يمارس مهامه ونشاطه كمحرر ثقافي بالصحيفة. ومطالب كذلك بألا يكون منعزلاً عن فريق عمل الصحيفة.

  • وهل يقتصر دورها على عكس الأنشطة فقط، أم تقديم مُبدِعين جُدد؟

     أولاً، لكي يقوم بدوره المتكامل يجب أن يخرج من إطار كونه جزءاً مستقلاً عن الصحيفة، يجب أن يكون جزءاً من الديمومة اليومية للصحافة، وذلك بأن تكون هناك صفحة يومية. الملف الثقافي الأسبوعي هو الحصيلة لكل المناشط التي تحدث خلال الأسبوع. يجب عليه أن يثير القضايا الحقيقية المتعلقة بالثقافة السودانية، يجب أن يثير أسئلة وهموم الكُتَّاب وعلاقتهم بمؤسسات الثقافة الرسمية مثلاً، وأن تكون هناك علاقة مُعافاة مع الدولة ومع مؤسساتها الثقافية، وأن تُطرح الأسئلة الحقيقية المُتعلِّقة بالنشاط الثقافي الذي تقوم به الدولة، سواء كان سنار عاصمة للثقافة، معرض الخرطوم الدولي للكتاب، مهرجان البُقعة للمسرح، وما إلى ذلك. ثم من دور الملفات الثقافية أن تكتشف الكُتاب الجُدد، وأن يقوم بتبصيرهم والنشر لهم وما إلى ذلك. وعليه أن يكون أيضاً مِنبراً للقضايا والفعاليات الثقافية.

  • اتحاد الكُتاب السودانيين، الكعبة التي يحج إليها الأدباءُ السودانيون، هل تعتبرون عودته تنازلاً من السلطة، أم انتصاراً للثقافة؟

      لا هذا ولا ذاك. اتحاد الكُتاب السودانيين، حينما جمّدت وزارة الثقافة نشاطه في يناير 2015م بقرار مُجحِف مسجل الجماعات الثقافية دون مسوِّغات أو مبرِّرات موضوعيَّة، لم يقعد في ظل الحائط أو يتباكى، إنما ذهب مباشرة إلى القضاء لينصِف له حقه، ودامت عملية الذهاب إلى القضاء 22 وشهراً بعد تكوين لجنة قانونية بها محامين ضليعين جداً، وهم عضوية اتحاد الكُتاب، وانتصف القاضي لاتحاد الكُتاب في 1/12/2016م، وكان من حق اتحاد الكتاب أن يعود ويُمارس نشاطه، وهذا في الأساس يأتي انتصاراً للقضاء النزيه، الذي لم يستمع إلى أي تخُّرصات أو أقوال أخرى، وهذه مأثرة يجب أن تلجأ إليها كل المراكز الثقافية المُغلقة، أن يذهبوا إلى القضاء، وليس من داعٍ إلى أيِّ تصرفات أخرى. وزارة الثقافة تتعامل معنا بطريقةٍ لا أدري كيف أسميها، لكن، يجب أن تعلم وزارة الثقافة أمور بديعية معروفة: أننا نعمل وفقاً للقانون، وأننا مسجلين لدى مسجل الجماعات الثقافية بقانون 1996م، والمسجل هو تابع لوزارة الثقافة، وهذا يعني أننا نعمل تحت مظلة وزارة الثقافة، فنحن لسنا نِدَّاً لها، أو كياناً مُنعزِلاً. فنحنُ نعمل وفقاً للقانون الذي سنّته الوزارة، ولدينا دستوراً معروف ولوائح معروفة، ولسنا في عداء مع وزارة الثقافة.

  • وإلى أي مدى سيلبي طموحات المبدعين؟

     اتحاد الكُتاب في واقع الأمر لديه طموحات، ولديه آمال كبيرة جداً، وأن ينفتح على كل الكُتاب والمبدعين، وعلى الفعاليات الثقافية الموجودة  في السودان كافة وليس فقط العاصمة. واحدة من طموحاتنا هي أن يكون لدينا فرع على الأقل في كل مدينة أو ولاية في السودان، وقد شرعنا في ذلك، في مدني والأبيض وآخر بالقضارف. ولكن واقع الأمر أن المُشكِل المالي هو العائق لكل هذه الطموحات.

  • تعدد الكيانات الثقافية، هل هي انتقال لعنة التشظي التي أصابت التكوينات السياسية والدينية إلى الثقافة؟

     نحنُ لسنا جزء من هذا التشظي. ومنذ أن تم تكوين اتحاد الكُتاب في العام 1985م، تحت رعاية كُتاب كِبار مِلء السمع والبصر، منهم بروفيسور علي المك، جمال محمد أحمد، محمد سعيد القدَّال وآخرين، وحتى هذه اللحظة الراهنة، اتحاد الكُتاب لم يتشظى، ولم يكُن جزء من هذا التشظي أو تعدُّد الكِيانات. لكن تاريخياً في السودان هناك اتحادين: الاتحاد العام للأدباء والكُتاب السودانيين، واتحاد الكتاب السودانيين. هناك خِلاف لا أريد أن أقول أنه فكري، وإنما خلاف في إدارة العمل الثقافي.

  • هناك قائل: على المُبدِع أن يكون عاطلاً عن كل شيء ما سوى الجمال والإبداع. ما مدى صحة وخطأ هذه المقولة وفق منظورك الشخصي؟

      عملياً في مجتمعاتنا، من الصعب أن يجد الكاتب إمكانية التفرُّغ للكتابة، لأن هذا أمر يبدو مثالياً. الأجدى أن يتم الاعتراف بالكاتب، الاعتراف المجتمعي والاعتراف الرسمي، وأن يكتب في جواز سفره أنه كاتب، والأجدى أن يتم الاعتراف بالمهنة من منطلق رسمي. لكن فكرة التفرع  للكتابة وحدها من الصعب أن تحدث، غير أنه في بعض المجتمعات العربية ولنأخذ مِصر كمثال، هناك ما يُعرف بـ(مِنحة التفرُّغ) للكاتب، وذلك حين يتقدم بمشروعه الكتابي هذا لوزارة الثقافة، فتتبنى الوزارة المشروع، وتمنحك التفرغ من وظيفتك، بل ودون حتى أن يتوقف راتبك. هذه إذن فكرة التفرغ للكتابة برعاية المؤسسات الثقافية سواء كانت بمِصر أو غيرها. وإن كانت بعض الحالات النادرة من الكتاب المتفرغين للكتابة هنا في السودان، فهم قد حسموا بعض المسائل المتعلِّقة بمعيشتهم. على مستوى العالم نجد كثير من الكتاب من هم متفرغين للكتابة بعض أن يُصدِر كتاباً أو كتابين، نجد أن ريع أو عائد الكتاب يسمح له بأن يتفرّغ للكتابة. لكن هنا تُصدرِ الكتاب الثاني والثالث والعاشر، ولا يمكن أن تعتاش من رِيع ما كتبت.

  • ما مدى رِهانك على الكتابة الشبابية الجديدة، وأين تضعها من خارطة الكتابة السودانية؟

      الكتابة الشبابية الجديدة، كتابة مختلفة ومُغايرة، ابتداءاً من المنابر التي انطلقت منها، المنابر التقليدية المعروفة، كانت الصحافة الورقية والملاحق الثقافية، وكانت في جيل التسعينات  الذي نمثله مثلاً، وأنت تنشر أعمال قصصية أو شعرية هنا وهناك، في صحيفة الصحافة أو السوداني أو غيره، ويكتب عنك الناقد فُلان، أنت بذلك تكون جزء من المشهد. الكُتاب الجدد كانوا محظوظين وهم أطلُّوا من منبر هو مفتوح ومُتاح للكتاب وللمبدعين من كل الفئات، وهو وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أنّ لديها عدد كثير من الإشكاليات المتعلقة بالكتابة نفسها. لكن الكتابة التي تُطرح فيها نوع من الجدَّة، وهو ما يُسمّى بكتابة اليومي والآني، وهي ما يمكن أن تكون فخ أو مقتَل للكتابة، باعتبار أن الآني والمُستهلَك يكون التحدي فيه هو كيف أنك تحوِّل هذا الآني والمُستهلَك من مُستوى الواقِع إلى مستوى الفن والإبداع. وهي واحدة من التحدِّيات، وأعتقد أن بعض من هؤلاء الشباب نجح في أن يحوِّل هذا اليومي إلى فن راقي وإلى كتابة إبداعيَّة جيِّدة. أيضاً فيما يتعلق بالكتابة الجديدة، وهو أمر أرجو أن ينتبهوا لهُ، هو الاطِّلاع على مُتردَّم أو على إرث الكتابة في السودان، بالتحديد كِتابة القصة القصيرة. حيث نجد أنّ في السبعينات نماذج باهرة وفريدة جداً لعدد من الكتاب ومُتقدِّمة، لنقول مثلاً: حسن الجُزولي، حسن أب كدُوك، عبد الفتاح حسن وعدد كبير من الكُتاب، كانو مُذهِلين، والآن لو قرأت هذه القَصص تجدها قصص راهِنة وماثِلة ومتجاوزة في كتابتها وفي تكنيكها.

  • تجربتك فيما يسمى بـ(نقد التجارُب الابداعية): مجموعة ريحة البن، منتدى مشافهة النص، مهرجان البُقعة المسرحي وغيرها، لماذا تم التعامل معها بكل هذه الحِدة ولم تُقبَل وِفق السِّياق الصحيح؟

      أنا لا أدّعي كما أسلفت القول، ناقد. أنا فقط أنطلق من معرفتي بالثقافة الصحافية، ومتابعتي للواقع الصحافي بصورة لصيقة، أحاول أن أُحلِّل هذه الفعاليات كظواهر ثقافية، بأدوات الصحفي، وبأدوات الكاتب نفسه، وبالملاحظات التي يسجلها يوم بعد يوم حول هذه الظواهر. الحِدَّة في اللغة، كما أشرتَم لها، ليس المقصود بها العدائية أو الحِدَّة نفسها، إنما المقصود بها إثارة الحِراك، إثارة الأسئلة الحارقة بقوة وبُجرأة. نحن نعيش في واقع ثقافي راكد، هذا الواقع الثقافي يحتاج لمن يُلقي عليه حجراً في بِركته الرّاكدة حتى تتحرك دوائرها. أنا أعتقد أن هذه المقالات، إنما هي محاولة متواضعة مني لإلقاء هذا الحجر. فيما يتعلّق بمُشافهة النّص الشِّعري، أنا لم أكتُب عنهم، إنما فقط كتبت عن تجرُبة ريحة البن، وعن مهرجان البقة المسرحي في دورته الثامنة عشر.

  • نعود ونقول، ماذا عن مُشكلة النشر في السودان؟

      الآن الكاتب، ومُنذ سنوات طويلة، تحوّل نفسه إلى ناشِر، وإلى مُروِّج لكتابه، ومُوزِّع، وإلى مُدقق لغوي، وفي بعض الأحيان إلى مُصمِّم. بمعنى أن الكاتب هكذا تحوَّل إلى مؤسسة ثقافية مُتكاملة، يذهب بكتابه مُدققاً ومُصمَّماً إلى الناشِر، والناشر نجده قد تحوَّل هو نفسه إلى طابِع. هناك إذن مُشكلة، هي أنّ الناشرين هُم ليس ناشرين، هُم طابِعين الآن. لأن مفهوم النشر أوسع من طباعة الكتاب. الناشر عليه وقبل أن يستلم الكتاب، أن يضع خُطّة: ماذا يريد أن ينشر، ولمن ينشر، ومن هم الجمهور، وهو جمهور افتراضي. بعد ذلك يجب أن تكون لديه لجنة قِراءة وفحص من المتخصِّصين، وهذا عُرف موجود في كل دُور النشر في العالم. ثم بعد ذلك عليه أن يُروِّج للكتاب، وعليه أن يُقِيم حفل التدشين، وأن يُوزِّع البُوسترات، ويُعلن له في الصحف، ويُقدِّمه للناقدين. هذه إذن عملية النشر في مفهومها المعروف.

  • برأيك هل هجرة المبدعين خصمت من مشاريعهم، أم أضافت إليها؟ أم هناك نظرة أخرى للأمر؟

     هجرة المُبدعين السودانيين إلى الخارج، خصمت من تجربتهم نفسها، وخصمت من المشهد الثقافي والفني العام في السودان بالضرورة، وكان المتوقع لهذه الهجرة أن تضيف في تجربتهم، وتضيف لإبداعهم رؤى جديدة، وأنساق إبداعيّة جديدة. إذن هذه هجرة مُقارنة بهجرات شعوب أخرى، لم يكُن لديها ذلك المردود الواضح، حيث نجد أن كُتّاب المِهجَر من اللبنانيين، والسوريين، والعراقيين، كتبوا أعمال باهِرة جداً. وهذا ما لم يحدُث في هجرة المُبدعين السودانيين طِيلة العقود الأخيرة الماضية، باستثناء نماذج قليلة ناجحة.

  • كِلمة أخيرة لمجلة جيل جديد.

     مجلة جيل جديد الإلكترونية بها روح وطاقة مُتفجِّرة من الشباب، يحاول أن يُثير في أسئلة حقيقية وجوهريَّة فيما يتعلق بالثقافة السودانيَّة. وهم يختلفوا عن البقيَّة، وهذه تجربة جديدة تصُب في خانة الإيجابيَّات بالنسبة للمجلة، في أنهم يعكُفوا إلى جانب إصدار المجلة، على إصدار الكُتب الإلكترونية، من بينها كتاب موافي نفسه قبل أن يكون نسخة ورقيَّة. وأيضاً إصدارهم للكتب (الأوديو) والمقاطع المسموعة، وهذه تجرُبة جميلة ومُبتكَرة وأتمنى أن يسيروا في هذا الاتجاه .

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة