الرئيسية / العدد الرابع عشر / خرج ولكنه لم يمت..

خرج ولكنه لم يمت..

1378563_517827608301216_1813639185_n

الكاتب أسامة شيخ ادريس:

**

ارتدت أمي ثوبها على عجل لفته حول خاصرتها واسترسلت به إلى أعلى كتفيها حتى رأسها فناولتها أختي الصغرى منديلا لتلف به شعرها الأشعث غير الممشط ولكنها لم تهتم ..تماما كإهمالها أن تغسل يديها من آثار الملوخية والتي نفضت يديها منها فور سماعها النبأ الذي ساقته إليها أختي القادمة لتوها من المدرسة

دخلت أمي إلى غرفتي كالعاصفة وهى تأمرني بانفعال

– (قوم سريع …أترك مافى يدك …. ستمشى معي إلى بيت (صفية بت حمد) قالوا ولدها رجع من الحرب مُصاب

صفية بت حمد ؟…

سألتها باستغراب

لم يكن منزل صفية بت حمد بعيداً فهو فى آخر الزقاق جوار الغسال أحد معالم الحى البارزة وقبل أن أتحجج بالمذاكرة كان بعض من آثار الملوخية قد صافح كُم جلبابى الأبيض ووجدتنى على عتبة الباب أرتدى فردة نعالى اليمنى

-( الله يطمنك عليهو يا أختى)

ردت الحاجة صفية فى وجل بعد التحايا والسلام وكأنها تخفى شيئا تود أن تبوح به ولكن شيئا ما يُلجمها وهى ليست عادتها البتة فهي تحب الثرثرة كحبها للحياة.

في تلك الليلة بات شبح الهلع الصامت فى حضن أمى فمكثت فى مكانها تخاطب صورة شقيقي المعلقة على الجدار وتنتزعها من مكانها وتضمها إليها بقوة فتختلط ها الأخرى بما تبقى على يديها من ملوخية.

كانت تشكو إلى الله بغضب وجذع وتدعوه أن يعيد إليها أبنها سالما ًمن غير سوء ثم ترجع لتقول

أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم

بدا شقيقي في الصورة وسيما ًوقاسيا ًوحنونا ًبأنفه المستقيم وشفتيه الغليظتين بدا جميلا ًرغم تنافر قسماته الواضحة

زارتنا عفاف الزين بنفس الثوب الأبيض والحذاء المعفر بالتراب الناعم ،والوجه الأربعيني القاتم ..لم تكن أمي تحبها فهي على حسب قولها ( واحدة قاهر) لعل صيحات عفاف بت الزين فى مكبرات الصوت وسط المسيرات الهادرة فى شوارع الخرطوم والمؤيدة للحكومة ترك هذا الانطباع لدى أمى التي ترى أن مجرد السير وسط الرجال يستدعى القلق.. وتردف معقلة في قرف

-( ياربى تستُرنا وتستر بناتنا)

حضرت عفاف الزين ورئيس الحي وبعض أعضاء الحزب الكبير ورجل آخر أنيق له لحية بيضاء ويحمل مسبحة يهزها فى توتر وتحدثا إلى أمي على إنفراد برهة

– (وووووووووووووب علىّ)

صرخت أمى وولولت وبدأت تنتحب

(أيووووووووووووووووووى ) زغردت عفاف الزين …

عفاف الزين تدعو شقيقي بالشهيد وعريس الحور وطير الجنة

بعد أيام امتلأ بيتنا بالتمر والزيت والدقيق والسكر وجاء أًناس كثيرون لحضور العرس أمي ترتدي الحداد وعيناها دامعتان وتأبى أن تبتسم ، وعفاف الزين ما زالت تزغرد.

حملتُ مشروب (الكركدى) البارد إلى الرجال الكثيرين الذين توافدوا علينا وملأوا فناء الحوش الخلفى وجلسوا على السجاجيد البلاستيكية المفروشة على الأرض وبدأوا يتحدثون واحدا تلو الآخر ثم يقوم احدهم متحدثا بصوت عال مطيحا بكلتا يديه فى الفراغ و مستشهدا ببعض القصائد والشعر وآيات من القرآن الكريم .

كنت أسمع اسم أخي الغائب مقرونا بالعديد من الألقاب وكان اسمه يتردد وله وقع غريب لابد و أن أخي كان مشهوراً جداً فكل هؤلاء يعرفونه ويعرفون عنه ما لا نعرفه أنا وأمي وأخوتي

قام أحدهم أكبرهم سنا وقوراً ونظيفاً جداً وله ذات اللحية البيضاء ، كان هو محور اهتمامهم أكثر من العريس الغائب سألت عمى الواقف بجواري وأنا أحمل بعض الكؤوس التي خلت قعورها من مشروب الكركدى

– (دا منو يا عمي)

لكزنى بكوعة على جانبي حتى كاد أن يخلع كليتي وقال من بين أسنانه ..

– (أسسسكت يا شافع )

تمتم الرجل ببعض العبارات ورفع يديه الى السماء ثم ضمهما ومسح بهما جبينه وهنأ العروسين وأطلق الرصاص فى الهواء ففزعت واسقطت الأكواب .

زغردت عفاف الزين عاليا وبكت أمي كثيرا

انفض الناس إلى حالهم وعادت أمي إلى مكانها القديم بجوار الصورة والتي أصبح بجوارها وشاحا جميلا وشهادة تقديرية وقفت خلفها أحاول أن أرى ما تغير في وجه أخي بعد زفافه غيابيا ً، مازال وسيما ًبأنفه المستقيم والذي أصبح أكثر شموخا، ضغطت على يدي أمي مندهشا وصحت بها

( يُمة أخوى ضِحك معاى)

إبتسمت أمى للمرة الأولى وتمتمت

(قد خرج ولكنه لم يمت)

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً