الرئيسية / احدث التدوينات / دانيال كمبوني : قصة رجل احب السودان

دانيال كمبوني : قصة رجل احب السودان

10ottobre

افريقيا أو الموت

في العام 1860 قاد جوزيبي غاريبالدي حملة توحيد إيطاليا على رأس ألف مقاتل واستولى على إمبراطورية صقلية وبعدها على نابولي. ثم حاول الاستيلاء على روما مرّتين على رأس ذوي القمصان الحمراء الذين قادهم. وفي العام 1862  أبحر من جنوى إلى باليرمو، حيث جمع المتطوعين لحملته تحت شعار “روما أو الموت” . حيث أعلن غاريبالدي أنه سيدخل روما منتصرًا أو سيموت على جدرانها. نزل غاليباردي في ميليتو في 14 أغسطس، وتقدم مباشرة نحو جبال كالابريا. أصيب المتطوعون بعدة اصابات، ومن بينهم غاريبالدي وأسر العديدون. نقل غاريبالدي بواسطة باخرة إلى فارينيانو، حيث سجن بشرف لبعض الوقت، لكن أطلق سراحه في النهاية، لم يدخل غاريبالدي روما ولم يتذوق حتى طعم الموت على اسوارها.

في المانيا وفي العام 1871 في مؤتمر الكاثوليك الالمان شارك راهب عاد لتوه من إرسالية تبشيرية في افريقيا وصلت حتى اقصى جنوب السودان ورأى ما رأى من مظاهر بؤس وفقر وحين اعتلى المنصة ليتحدث اطلق صرخة ستظل شهيرة ” افريقيا او الموت ” تيمنا بصرخة غاريبالدي الذي و ان لم يقتحم روما بعد مقولته الشهيرة فان دانيال كمبوني لم يستسلم بمثل ما فعل غاريبالدي.

مدارس كمبوني

لاسم كمبوني رنين خاص على مسامع السودانيين فهو ان كان يشير الى تلك المدارس ذات الطراز المعماري الأوربي والتي يرتدي طلابها ازياء مصممة بطريقة مميزة وتتميز بالانضباط وجودة مناهجها ونظامها التعليمي ويرتادها ابناء الطبقات الراقية  فهو من ناحية اخرى يشير الى تلك المدارس ذات الفصول الطينية المهترئة التي تتموضع بأطراف المدن المكدسة بالأطفال ابناء الفقراء ونازحوا الحرب، كمبوني هي رمز للفقراء كما هي رمز للأغنياء . ورغم الصيت العالي لمدارس كمبوني الا ان عدد قليل من السودانيين هو الذي يعرف من هو كمبوني، الرجل الذي يكاد يكون اول من ادخل نظام التعليم المنتظم بالسودان ، و اول من فكر في تعليم البنات بالسودان . يحتفل في ذكرى موته كل عام عدد قليل من الكاثوليك السودانيين وبعض طلاب المدارس كمبوني التي لا زالت منتشرة في كبريات المدن السودانية .

في بدايات القرن التاسع عشر نشطت الإرساليات الاوربية لمنطقة وسط افريقيا وكانت افريقيا حينها محملة برصيد هائل من الضغائن تجاه الرجل الابيض نتاج عمليات الاسترقاق التي مورست لقرون طويلة وكان الرجل الابيض لا يستطيع التوغل كثيرا داخل افريقيا حيث لا امان ويقول “كمبوني” في مذكراته عن ذلك :

” الرسالة للسود في أفريقيا بنوع خاص تلاقي صعوبات أكثر شدة بسبب البؤس الشديد الذي  يلحق بهذه الشعوب عن طريق أعدائهم والمتسلطين عليهم فهم معتادون أن يروا أبناءهم ينتزعون منهم بوحشية ليلاقوا استعباداً مؤلما دون أمل في أن يلتقوا بهم مرة أخرى . ويرون أقرباءهم ووالديهم يذبحون أمام عيونهم، وحيث أن المجرمين مرتبكي هذه الفظائع ليسوا من جنسهم إنما هم أجانب، لذا فإن الأهالي ينظرون إلي المرسل بعين الشك وعدم الثقة لأن المرسلين هم أجانب كذلك”.

 وفي نفس الوقت كانت افريقيا ترزح تحت نير الفقر والجهل والاستعباد ، و كان السودان حينها يعيش اسوأ فتراته حيث فتكت المجاعات والامراض بالناس وهذا ما لاحظه كمبوني عند زيارته الاولى للسودان :

” هنا يرقد الأحياء والمرضى معا علي الأرض فوق سرير من الرماد وهذا هو كل الطب عندهم وإن البؤس يظهر بكل أنواعه ؛ إنه لأمر محزن “.

  ولد الراهب دانيال كمبوني في العام 1831  م في مدينة ليمون شمال ايطاليا واتجه مبكرا للتبشير في افريقيا بعد انتهاء دراسته فسافر في العام 1857 م وهو في السادسة والعشرين مع ارسالية ضمت كهنة اخرين الى الخرطوم مرورا بالإسكندرية ، و منذ زيارته الاولى للسودان كرس كمبوني نفسه للسودان وكانت نتائج جهوده التي استمرت لما يقارب ربع القرن وضع نواة لمؤسسة تعليمية متكاملة لا زالت تحتفظ بقيمتها بعد اكثر من 130 عاما من وفاة مؤسسها .

لا خلاص لإفريقيا الا بواسطة الافريقيين

 عاني اعضاء الارسالية الأمرين حين استهلوا عملهم بجنوب السودان، فالمرض الذي كان يفتك بالسكان المحليون كان اكثر قسوة على الرهبان الأجانب فسقطوا واحدا تلو الاخر تحت ضربات الحمى وبقى دانيال وحده ، مع أنه أصيب ايضا بالحمي لكنه شفي، ورغم التجربة المريرة فانه لم يكن خائفا ولم يفقد الشجاعة وهو يواجه التحدي الأول لهذه الحملة وهو أن يتعلم كيفية التفاهم مع أهل البلد وهم قبيلة الدينكا . وكتب لوالده قائلا : ” ان المجهود الأول الذي يطلبه الله منا هو أن نتعلم لغة الدينكا Dinka وطالما معنا القواميس والمعلمون المهرة فليس من الصعب أن نتعلم لغة أجنبية لكن في حالتنا هذه فان هناك اختلاف لأن لغة الدينكا لم تعرف أبدا في الخارج لأنه لا يوجد لدراستها لا قاموس ولا معلم وكان علينا أن نؤلف بأنفسنا االقاموس وأن نجمع كلمات هذه اللغة من فم المواطنين الذين من ناحيتهم لا يعرفون لغتنا ولا اللغة العربية”.

 و رغم انه عاد الى ايطاليا مسقط راسه بعدها الا ان تلك لم تكن النهاية بل كانت بداية لوضع خطته التي بناها على ان نهضة افريقيا على الصعيدين الروحي والاجتماعي لن تتم الا بواسطة الأفريقيين انفسهم وان لا فائدة من حمل رسالة خلاص لإفريقيا عن طريق قيم اوربية غريبة ، بل انه عارض فكرة تعليم الافريقيين في أوروبا من اجل ارسالهم مرة اخرى لإفريقيا بالقول :

”  وان الأفريقي الذي أتى وتعلم في أوروبا لا ينجح عندما يعود إلي أفريقيا بسبب العادات والمفاهيم التي اكتسابها في أوروبا وهي لا تنفع بل هي مكروهة وخطيرة في ظروف حياة الافريقيين. “

وحينها خاض معارك عدة من اجل اقناع الأوربيين بخطته ، في الوقت الذي كانت بذور عنصرية الرجل الابيض تنمو وتتعزز جذوة شعوره بالأفضلية . كان كمبوني يرى عكس ذلك كان يراهم اخوة له فهو يرى هناك جمهورا من الأخوة هم من عائلته وهم من أبناء للأب المشترك الذي في السماء “. “وكيف لا وهو كان قد نذر نفسه من اجل خدمة افريقيا مبكراً .

 ” وفي عام 1849 وأنا في سن السابعة عشرة بينما كنت طالبا في قسم الفلسفة أبرزت نذرا أمام رئيسي الفاضل الأب ماتزا به أكرس وجودي للرسالة في إفريقيا الوسطى ولم أخالف وعدي بتاتا وذلك بنعمة الله ومنذ ذلك الوقت لم أفكر إلا في أن أهيئ نفسي لهذه الرسالة الهامة جدا”

العلم والأيمان معا ينقذان افريقيا

خطة كمبوني كانت متكاملة جداً فهو كان مؤمناً بان الإيمان ليس مقدما على التعليم وان رسالة الخلاص لا تعني شيئا لفقير جائع وكان يؤمن بان ما يقيد افريقيا هو الفقر والجهل ولذا كانت فكرته تقوم على انه بدلا من الهجوم المنفرد الذي تتبعه اوروبا في سبيل نشر قيمها فيجب الاستعاضة عنها ببناء حصون وقلاع داخل افريقيا، وكان يقصد بالحصون المدارس التي تخرج المعلمين الأفارقة ليعهد اليهم امكانية تعليم السكان المحليون، مدارس تخرج مزارعون مهرة وبيطريون والممرضين والصيادلة ودباغوا الجلود وصانعوا الاحذية . كان دانيال كمبوني في خطته يطلب من الأفريقيين أن يتحملوا بأنفسهم مسئولية تجارتهم واقتصادهم ولذا يلزم تكوين تجار شرفاء ومهرة لتجارة وتسويق البضائع القومية الضرورية للحياة. كان كمبوني يرى بان الهدف النهائي من الخطة هو التدرج في تنمية مصادر الرخاء التي سترفع السود من تبعيتهم وبؤسهم إلي مرتبة مواطنين في بلد متمدين. إن الصناعة الوطنية هي التي تقدم الوسائل المادية التي تسمح بحفظ وتنمية الإرساليات الكاثوليكية في أفريقيا الوسطي”. يشرح كمبوني فكرته كرجل دين متقدم على ذلك الزمان : ” يلزم ان يسير العلم والأيمان معا فليقبل كل منهما جبين الاخر”. ويقول عنه المحامى فردريك بونولا سكرتير الجمعية الجغرافية بالقاهرة  : ” إنه ليس فقط رسولاً تحركه الغيرة الدينية , ولكنة رجل عظيم ذو عبقرية وهو يقوم بعملية خدمة الانسانية وستكون لها حسب اعتقادنا نتائج دائمة . في كل من إرسالياته يقيم مستشفى ومدرسة صناعية ومركزا زراعيا تجريبيا, وذلك كلة يمثل السلاح الحقيقي الذى يضمن نمو الشعوب الأفريقية”.

تعليم البنات

 

من ناحية تكوين العنصر النسائي فإنه بالتوازي كان يتطلع إلى تأهيل متعلمات يستطعن تعليم الآداب الدينية في العائلات . وكذلك تأهيل معلمات أيضا لكي يستطعن أن يعلمن النساء القراءة والكتابة والحساب والحياكة والطبخ والعناية والتمريض والقيام بالواجبات المنزلية. وكان هذا هو جوهر النظام التعليمي والعملي في اوروبا في ذلك العهد . تم انشاء معهد في مصر من اجل تدريب الافريقيات على التعليم بواسطة الاوربيين تلك المدرسة كانت مفتوحة للتلاميذ من كل جنس وكان التدريس هو تمرين للمدرسات كبداية وتدريب بصفتهن رسل المستقبل لأفريقيا الوسطى وفيها سيفتحن مدارس جديدة لم يسبق أن رأتها أفريقيا السوداء . ليتم فيها تدريس التعليم المسيحي والعقيدة المسيحية والحساب حسب منهج المدارس الابتدائية . وأيضا اللغة العربية والفرنسية والإيطالية والأرمنية مع الأشغال النسوية من فن التريكو إلي أرقى فنون التطريز بالحرير والذهب ويلاحظ كمبوني أن هذا المعهد يظهر بصورة أعجوبة في مصر ورغم صغر حجمة تحققت نتائج مرضية لتنفيذ المنهج لأجل أفريقيا .

” لقد تخطينا الخطوات الأولى الأساسية في مصر حسب الأسلوب الموضوع في المؤلف، فالبيض قاموا أولا بالتدريس للسود ولا يمكن أن نعمل غير هذا ثم تابعنا المشروع في مناخ القاهرة المعتدل ، حيث يستطيع الأوروبي أن يعيش وفيه السود لا يشعرون بالغربة ” .

ثم إنه في حدود القارة الأفريقية تم فتح مدارس لتكوين مرسلات المستقبل والمرسلين والمدرسين الأفارقة المستعدين للعمل في افريقيا الوسطى مباشرة لخلاص أفريقيا . في تلك المدارس تم تعليم الافريقيات من جنوب الصحراء لأول مرة، وفي سبعينات القرن التاسع عشر انشأ كمبوني مدرستين للبنات في الابيض وام درمان كأول مدارس نظامية يتم انشاءها لتعليم الفتيات في السودان ولئن اقتصر التعليم فيها على ابناء الموظفين الاجانب حينها لعدم تبني المجتمع حينها ثقافة تعليم البنات الا انه من المؤكد ان اوائل الفتيات السودانيات اللائي تلقين تعليما منتظما هن الراهبات السودانيات وبعض ممن تمكن من الالتحاق بمدارس كمبوني حينها .

العودة وارسالية الابيض

” اني عدت اليكم .. ولا شيء يمنعني من ان اكون معكم وقد كرست حياتي لأجل مصالحكم ستجدونني دوما مستعدا لمساعدتكم .. ان منفعتكم هي منفعتي وآلامكم آلامي .. وسوف يكون اسعد ايام حياتي ذلك اليوم الذي فيه اتمكن من ان اعطيكم حياتي “.

 في العام 1864 نال كمبوني موافقة البابا بيوس على خطته في خلاص افريقيا ونصح بدعمه وما كان على دانيال الا ان يتجول في اوروبا متأبطا موافقة البابا ليشرح ابعاد خطته ويطلب الدعم لإفريقيا ، ففعل كل ما يستطيع من اجل اقناع الجمعيات الكاثوليكية والسلطات الرسمية من اجل دعمه .

سافر كمبوني يوم 26 يناير 1873 ومعه كاهنان ومساعدين وعدد من الراهبات والمدرسات الافريقيات. وهذه بعثة كبري تقريبا بالنسبة لعصرها، دام السفر الى العاصمة الخرطوم 98 يوما حتي 4 مايو  وكان السفر إلى الخرطوم بالنسبة للجميع متعبا بسبب الشمس والعطش والوحوش التي تنتشر ليلا وكذلك الحُميات التي اصابت البعض .

   تم استقبال كمبوني رسميا في الخرطوم . وقد ألقى عظته الأولى في معبد الإرسالية قائلا : ” لقد قلت باللغة العربية خطابي الرعوى الذى فيه عرضت بوضوح الموضوع الرئيسي للرسالة التي كلفني بها بيوس التاسع . وكان بين الحاضرين علاوة على 130 كاثوليكيا عدد كبير من البعيدين عن الكنيسة الكاثوليكية ومن طوائف مختلفة وكان هناك أيضا عدد من المسلمين وعبدة الأصنام وكان المعبد مليئا وأيضا الفناء. ويضيف في مذكراته :

 “بعد أن مكثت شهرا في هذه العاصمة التي يبلغ تعدادها 48 ألف نسمة سافرت على النيل الابيض في باخرة جعلها باشا السودان الكبير تحت تصرفي ولي معه علاقات ود أكثر مما لأساقفة إيطاليا مع العمد والمحافظين . ولما وصلنا إلى طرة الخضراء ركبنا 17 جملا لعبور قفار الحسينية والبقارة , وخلال 9 أيام من السير السريع وصلنا إلى الأبيض عاصمة كردفان . واستقبلني الأتراك بحفاوة لا تقل عن استقبال الخرطوم “.

وأثار وجود راهبات دهشة المواطنين البسطاء بل سهل مهمة كمبوني بحيث لم يتم استقبالهم بما هو متوقع من نفور وفتور يقابل به الاجانب عادة

” إن الأجانب أخروا كثيرا هذا الشعب بقسوتهم وريائهم لكن ظهور النساء يكفى لتغيير الجو. حينئذ تحدث معجزة هي الابتسامة , فالمواطنون يرون بفرح أنهم لا يخافون شيئا فالنساء لا يستطعن إلا عمل الخير لهم ، ومدينة الابيض حينها لم تكن تقل بؤسا عن الخرطوم  فبعد أن رأيت أكثر من ستين ميتا خارج المدينة وجميعهم من السود أرسلت طلبا إلى الباشا الكبير لكردفان ليصدر أمرا بدفن جميع الأموات لأن ما كان يتبع في ذلك الوقت انما هو ضد الدين وضد الإنسانية. وهؤلاء البؤساء هم مثلنا وفى الحال صدر التشريع الذى التمسته ” وينادى المنادون في كل مكان لإعلان الأمر وضرورة تنفيذه لئلا يقعوا تحت طائلة العقاب الصارم  .

الابيض كانت مستقرا لكمبوني الذى رأى فيها منطلقا لنشر رسالته بجبال النوبة وجنوب السودان فتم بناء اكبر كاتدرائية في افريقيا بها ومنها انطلق كمبوني ناحية مدينة الدلنج بطلب من رئيس قبيلتها .

” لا يوجد من هو أعظم منك “

هذا ما قاله رئيس قبيلة الدلنج في الأبيض حينما رأى الفتيات الافريقيات اللواتي يتعلمن على أيدي معلمات افريقيات وكان يريد فورا مثل هذه المدارس في قريته.

 بنى كمبوني بها ايضا مقرا للإرسالية ومدرسة ورغم ما واجهه من صعوبات في الدلنج الا انه اخذ انطباعا جيدا عن سكانها المسالمون والمحبون للتعلم .

محاربة الرق

لهول ما رأى كمبوني في السودان فقد بذل جهدا مقدرا لمحاربة تجارة الرقيق حيث كان يراها تناقض  جوهر رسالته وكانت الأبيض تمثل مركزا مهما لبيع الرقيق الذين يتم جمعهم من مناطق بجنوب السودان وغربه وجبال النوبة ومنها ارسل مشاهداته لجريدة الصوت الكاثوليكي قائلا :

” انى لقيت بين الخرطوم والأبيض آلاف العبيد معظمهم من النساء مختلطات بالرجال دون أي ملبس وان الصغار الذين هم اقل من 3 سنوات كانت النساء تحملهم ويبدو أنهن أمهاتهم وكن يسرن على الأقدام. وكان آخرون رجال ونساء مربوطين وفى مجموعات. كل مجموعة تضم ثمانية أو عشرة مربوطين من العنق بعضهم ببعض. ومربوطين في نير ثقيل فوق أكتافهم يحملونه لكى لا يتمكنوا من الهرب . ومجموعات أخرى من عشرة إلى خمسة عشر فردا وعمرهم من ثماني إلى خمس عشرة سنة كانوا مربوطين من العنق بحبال من جلد الماعز مربوطة بحبل أخر أكبر منه يمسكه بيده تاجر العبيد. وغيرهم كانوا مربوطين اثنين اثنين بخشبه على عنقهم كل واحد في أحد طرفيها وغيرهم كانوا مربوطين بخشبة تنتهى بشكل مثلث يجرها العبد وهى في عنقه وهو يسير على قدميه . حينئذ كان الجلادون ينقضون عليهم ضربا أو يتركونهم على الطريق . رأينا جثث عبيد في الطرق وكان معلمو التعليم المسيحي في غاية الذعر”.

ولارتباط الرق بدعاوي التفوق العرقي فان كمبوني كان يرى ان محاربة الرق لا يتم الا بنشر قيم تساوي البشرية باختلاف اجناسها وكانت اوروبا تحتاج لتلك الرسالة اكتر من غيرها .

في خطابه الدعوي في 10 أغسطس 1873 الموجه لكل المرسلين والمؤمنين في وكالته. كان يقول لهم بكل وضوح ما يراه, ” وقد وصل البعض إلى اعتبار السود نوعا أخر من الجنس البشرى, نوعا وسطا بين الانسان والحيوان. ويوجد مسيحيون يساعدون بالنقود أو السلاح أولئك الذين يخطفون هؤلاء الضحايا بالقوة وبوحشية لا رحمة فيها ويبعدون عن بلادهم أبناء أعزاء علنا وهم ميراثنا الثمين” ويذكر تعاليم المسيح الخاصة بالأخوة الجامعة وأقوال بولس الرسول في رسالته إلى فيلمون حيث يوصى بأن اونسيموس ليس عبدا، ولكن أحسن بكثير كأخ محبوب جدا”، ويذكرهم بالعقوبات الصارمة التي فرضها الباباوات على هذه الاخطاء.

وتقول فتاة تم اختطافها من جنوب السودان وبيعاها ثم القاءها بعد اصابتها بالجدري عن تجربتها مع كمبوني : ” لقد أصبت بالجدري فألقوني في حديقة الإرسالية، وفي ذلك الوقت تعرفت بدانيال كمبوني ولما شفيت أتى سيدي وطلب عودتي معه لكن كمبوني طلب تدخل الحاكم وبقيت في الإرسالية . إنه كان أبا للفقراء وكان يحمي العبيد البؤساء ويدافع عنهم أمام السلطات المدنية ولذا فإن تجار الرقيق يخشونه كثيرا، إنه رجل شجاع لا يخاف أحدا “.

” لا تخافوا أنا أموت ولكن عملي لا يموت “

في العاشر من اكتوبر 1881م وفي الساعة العاشرة مساء لفظ كمبوني أنفاسه الأخيرة بين ذراعي الأب بوشار في هدوء كطفل بين ذراعي أمه. وكان يبلغ الخمسين من العمر حينها ، يقول الأب بيمازوني عن تلك اللحظة  :

” حينما أعلن موت مونسنيور، فإن صراخ الأولاد والبنات في الإرسالية اشاع الخبر الأليم، وفي لحظة وجدنا الفناء مليئا بقوم من كل جنس أتوا يولولون ويبكون الفقيد “. وظل هذا طيلة الليل دون انقطاع وكان الموقف محزنا لا يطاق. في افريقيا لا يعبرون عن ألمهم مثل أوروبا وكان الوطنيون يؤدون الاكرام لكمبوني علي نظام بلدهم. وفي اليوم التالي تمت مراسيم الدفن صباحا باكرا بسبب الحرارة. وقد حضر كل قناصل اوروبا بالزي الرسمي وقنصل النمسا ألقى الخطاب الرسمي ووجدت حكومة السودان في شخص رءوف باشا مع فرقة شرف عسكرية وكان الحضور خليطا من الكاثوليك والأرثوذوكس والمسلمين والوثنيين والمصريين والترك وأعيان وعبيد قدامى . وبدلا من دفنه في المدافن المسيحية تم دفن الجثمان بإذن خاص في حديقة الإرسالية بجوار اليسوعي البولندي ماكسمليان ريلو نائب الوكيل الأول لإفريقيا الوسطى .

ورغم ان قبره تم نبشه لاحقا بواسطة انصار المهدي وتم نقل جثمانه الى فيرونا الى ان ذكراه لا زالت باقية وعمله يبقى شاهدا على عظمته ، عمل يستحق ان نحيي ذكره عليه فهو رجل احب السودان وفقراءها وكان يقول انه لو كان يملك الف حياة لاحب هؤلاء الفقراء بنفس القدر وسمي ب” المطران أبو السودان ” حين سافر وقت الجفاف الذي ضرب البلاد الى اوروبا وجمع ما استطاع من معونات ليوزعها على السودانيين دون تفريق، وربما لتفانيه في ما كرس نفسه لأجله تحقق له ما اراد بالموت في ارض معركته فهو كان قد عبر عن خوفه من ان يموت في اوروبا حين داهمه الحمى خلال احدى سفرياته :

” كنت أظن اني بسبب الحميات سأموت في اوروبا وأنا خجول لذلك لان على الجندي أن يموت في ميدان القتال “.

 

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان

5 تعليقات

  1. في افريقيا الغني والفقير يموت علي الارض في سرير من رماد ..
    دانيال كمبووني حققا شخصية فذة مؤثرة وعبقرية ، ساهم في تغيير معتقدات بطريقة ذكية .. الايمان والعلم ومحاربة الرق والعبودية وانوو افريقبا ما حاتتغير الا بالافارقة ذاتهم ..
    اهم حاجة تعليم البنات
    فعلا مات وبقي العمل العظيم ..
    شكرا لطرح الموضوع ولاننا اتعرفنا علي شخصية تستحق ?☺?

  2. عصام ابوحسبو

    حتى الان لم ينصف التاريخ الأب كامبوني رغم ان العمل الجبار و التضحيات العظيمة و الإنجاز الكبير الباقي حتى يومنا هذا لا يقل عن ما فعله رواد التعليم في في السودان امثالالشيخ بابكر بدري . الفرق الفارق ان هذا سوداني و ذاك اجنبي أوروبي ، لكن الدوافع مشتركة ، رفاهية الانسان البسيط عبر نشر التعليم .

  3. I really like it when folks get together and share thoughts. Great blog, keep it up!

  4. Estupendo post sobre una minoria. Hace poco esciché que los bancos eramos los únicos racistas dle mundo y este post viene a decir lo contrario. Resulta que por ser albinos en Africa no sólo se los discrimina, sino que encima quieren matarlos salvajemente para aprovechar sus miembros para brujería y demás. Estupendo el post y enhorabuena por ello.

  5. I aquired the newest whitened a person’s prior to now My wife and i chosen Malaysia. I put on these businesses the comlete plane vehicle where they my favorite legs did * feel hot, truly natural. I’ve had to make these businesses many times because it is commonly pouring down rain contained in the winter, and they’ve held up magnificently! I started reluctant they might wither and die after having dedicated plenty of, but I maintain longed-for each of them since i have spotted these folks present in Twilighting, but also did * have these businesses from fantastic Arizona. We can not simply wait to take individuals during the ice, and so be sure to consider getting the Added Adirondack inside of Otter subsequent. The purely matter may be I should enjoy gotten an absolute dimension smaller, plus actually caucasian they possess headed a smaller white by way of the actual corduroy (I additionally wouldn’t tuck in the lace frontal https://www.youtube.com/watch?v=ny8rUpI_98I-cuts a pair of jeans).

أضف تعليقاً