الرئيسية / احدث التدوينات / دفاعًا عَنْ النقد الساخر

دفاعًا عَنْ النقد الساخر

Moderation

بقلم : يدجوك اقويت

الناقد ليس عرافًا ولا قارئ فِنجان، وإنما هو متعلق، يقوم بنشاط عقلي منطقي تمليه لُغة النص الذي أمامه، طبيعة ألفاظه و عباراته، تعنيه– “معاني ألفاظ المتكلم“.    د: وليد القصاب

النقد الأدبي هو مُناقشة، تحليل، تقييم و تأويل النصوص الأدبية و يمتد مفهومه ليشمل تصنيف، تحليل بنية العمل و الحكم على قيمتها فنيًا، جماليًا و إنسانيًا.

للناقد مُهمَتان:

* مناقشة أعمال اللغة في العمل المعني.

* وتقديم نقد للثقافة الإنسانية أجمع.

  وبما أن اللغة هي عصب ذاتيتنا الإنسانية، والثقافة هي التجسيد الفعلي للغة أو العكس، فيمكن الزعم أن النقاد هم من يعملون على تحليل و دراسة ما يجعلنا بشرًا.

للنقد مدارس مختلفة، بمقدار اختلاف التجارب البشرية والفلسفات الإنسانية على مر التاريخ البشري، من المذهب الأخلاقي و اجتهادات أفلاطون، مرورًا بأرسطو، و اهتمامه المتعاظم بالجماليات aesthetics) )، النقد الماركسي، و دعوته لتتبع الصراع الطبقي وعلاقات السلطة داخل النص، البنائية و ما بعد البنائية، المدرسة النسوية والخ.

رغم توسع النقد مؤخرًا، ليشمل السينما، اللغة العادية و النصوص غير الأدبية، إلا أن النقد الأدبي (اقصد في هذا السياق، الروائي) مازال يتسيد المشهد النقدي.

النقد كما الأدب، يتمتع بقدر كبير من الأهمية، فإن كانت مساعدة القراء على فهم اشمل للرواية من الوظائف غير المعلنة للنقد، فالأدب (الرواية) وجد ليشكل اللا مألوف في الظاهرة المملة المسمى الحياة – لكسر العادة، الرتابة و التأويل الأحادي لظاهرة الوجود.  لأن العادة تلتهم الأشياء وتفسدها كالتواصل، طريقة اللبس، الحب وحتى الخوف من الحرب.

 الأدب (الرواية) موجود ليساعدنا على استعادة الشعور بالحياة، الخوف، الموت و الغموض و زيادة صعوبة إدراك النص و فهمه هنا، تعتبر غاية جمالية في حد ذاتها و يجب أن تطول بقدر الإمكان، باستخدام لغة إبداعية و شاعرية بالضرورة.

 قراءة العمل الأدبي لابد أن تتحدى مخيلتنا، تثريها بالتساؤلات و تدخلنا في متاهات، رغم صعوبة الخروج من ثناياها، تسحرنا بجمالها اللامتناهي و العصي على التعريف. أو في تعبير ماليا النور “ما لا نفهمه بالضرورة يجذب انتباهنا، ثم يستحوذ على فضولنا. تلك الرغبة البدائية في فك طلاسم الأشياء والعبور من خلال بوابات سرية للغة. الأمر أشبه بتناول طعام غريب بمذاق موارب نعجز أن نتصيده، على طرف اللسان مابين اللذة والتلاشي. مذاق نعجز عن تسميته كمذاق الليمون في طفولتنا أول مرة، أو قبلة المراهقة الأولى.” الأدب لا يفترض أن يدعو لمبادئ وشعارات، و ليس واعظًا (في البرية أو غيرها) بل هو فن. و فنيته لا تنعكس بالأفكار، بل تتحقق باللغة المستخدمة، اللغة الشاعرية الغارقة في الدهشة و الجمال.

الأدب (الرواية) كبنية لغوية تخيلية تتعب القداسة، وما الخيال سوى اعتذار الإنسان عن عجزه و أنانيته الموروثة. عبر الخيال فقط نتمكن من عيش تجارب الآخرين و مشاركتهم الأمل والحلم، الخيبة و النجاح. عبر الخيال نتمثل ذواتًا أخرى ونحيا تجاربها بكل تفاني و تضحيات أحيانًا. وهذي تتطلب جدية في التعامل مع المنسوبة للأدب.

ماذا سيفعل الناقد إذا، حيال النصوص التي لا تستحوذ على فضوله كقارئ أولًا قبل أن يكون ناقدًا. كيف يمكنه تجاوز الأعمال المجسدة لفقر المخيلة والمعبرة عن جدب ثقافي و لغوي؟! كيف يمكن المرور على نص يخلو من اللغة السحرية التي تبعث الصور في مخيلة القارئ، نص عاجز عن نقل انفعالات النفس و العواطف؟

 إن كانت اللغة هي الوسيلة التي عبرها يتم التعبير عن التجارب أعلاه، فماذا يمكن أن يفعل الناقد مع نص ركيك لغويًا، هش البنية، غير واضح الملامح و يخلو من الأسلوب و الجمال … سوى السخرية!.

قدسية الأدب تتطلب بالضرورة فضح أي خيال فقير، السخرية والاحتقار إن دعت الضرورة. ] في اللحظة التي تعلن فيها بان مجموعة من النصوص أعلى من النقد، السخرية أو الاحتقار، تصبح حرية الفكر مستحيلة [كتب الروائي سلمان رشدي دفاعًا عن النقد الساخر.

 هذا المقال لا يهدف لتبرير النقد الساخر فقط، بل عكس ضروريته في عصر تمجيد الإبداع هذا بحجة المراعاة للمشاعر و حق الكتابة والتعبير.

 

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة